المشروع الايراني وحالة اللامشروع العربي

ان المشروع الايراني الذي تمتلكه بكل فخر هو تأسيس محور المقاومة الذي هدفه الرئيس مواجهة الهيمنة الامريكية في المنطقة والتصدي للجرائم التي يمارسها الكيان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. هذا المشروع يضم المكونين الشيعي والسني بنفس الوقت بينما الانظمة العربية تفضل سباتها الشتوي وحالة اللامشروع.

وكالة مهر للأنباء - محمد مظهري: أجرت صحيفة "العربي الجديد" القطرية، الثلاثاء، حواراً مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف تطرقت فيها الى ما يحدث حالياً في المنطقة والدور الايراني فيما يجري اعقبها مقال تحت عنوان "أسئلة صريحة وأجوبة مراوغة" بقلم رئيس تحرير الصحيفة بشير البكر أكد فيه على ان "نشر الحوار من جانبنا لا يعني بأي حال من الأحوال التسليم بما جاء فيه، ولا الاتفاق مع الكثير من سياسات إيران ومواقفها" ما يثير استغراب القارئ ويجعله أن يتساءل "من قال ان تصريحات ظريف تمثل مواقف صحيفتكم او الدولة التي تمولكم؟". ويبقى السؤال ما هو سبب هذا التسرع  الغريب من رئيس الصحيفة وربما غير المعهود صحافياً لنفي مواقف الوزير الايراني محمد جواد ظريف الذي تستكتبه الصحف الامريكية والغربية كما تستكتب مسؤولين من دول معادية لايران دون ان يرد مدير الصحيفة مباشرةً على هذا الموقف او ذاك.

يا ترى ماذا كان يتوقع من المسؤول الايراني أن يفيد حتى يعتبره "اجوبة صريحة" حسب ظنه؟ ان يقول ظريف "لدينا مشروع شيطاني وظلمنا العرب تاريخياً ... واحتلنا بلدانكم ... ونعتذر وغفر الله عن خطايانا والخ ...؟" ولمن يعتذر؟ قطر؟ او السعودية او العراق او الدول العربية التي لا تتفق الا على الاختلاف.

فعلاً لا نعرف اسباب هذا الرد المباشر والمتسرع دون ان يلجأ على الاقل الى حوار آخر مع مسؤول عربي او خبير سياسي ينتقد سياسات ايران في المنطقة كما هو المألوف اعلاميا وصحافياً وربما جاء خشية من أن يخسروا القارئ السوري المعارض الذي عقد آماله على استمرار الأزمة في هذا البلد رغم الهزائم المتلاحقة التي تكبدها المسلحون الممولون خليجياً وتركياً. ومن حاول تغطية الفشل الخليجي في سوريا فان الواقع الميداني فضحه وتجربة السنوات الأخيرة كشفت له الحقيقة واليوم ذاب الثلج وبان المرج وعرفنا الصادق من المخادع لنرى ان لعنة سوريا تطارد دول الخليج الفارسي والتي شاركت وساهمت في اشعال نيران الخلاف والقتال ليتفرج العالم اليوم على الشجار الداخلي في مجلس التهاون.

لا نريد تبرير مواقف وزير الخارجية فايران لها سياساتها ومشروعها ولها مصالحها وربما لها أخطاء كأي دولة اخرى في أرجاء المعمورة ولا ننوي تفنيد مواقف الصحيفة القطرية من ايران ووزير خارجيتها وانما المقصود هو مخاطبة بعض وسائل الاعلام العربية المريضة نفسياً وعقلياً والتي لا تبخل جهداً كي تسير سيناريو شيطنة ايران على قدم وساق.

أما بالنسبة للمشروع الايراني الذي يتاجر به ترامب وبعض دول الخليج الفارسي تحت عناوين مثيرة مثل "فارسي، مجوسي، رافضي، شيعي، صفوي، كافر، خارج عن الملة... إلخ". مهما يسمونه يجب القول: نعم والف نعم! ايران لها مشروع ولها رؤية اقليمية وتخطط لتحقيق مشاريعها في المنطقة وتقوم بتشكيل جبهة وتتحالف مع جهة وتصطف ضد الأخرى دون أي خجل او مراوغة. وهل تستغربون ان دولة او حكومة ما يكون لديها مشروع او علينا ان نستغرب من حالة اللامشروع العربي والغيبوبة التي يعيشها العالم العربي. ايران تمتلك مشروع اقليمي كما تركيا لديها مشروع للمنطقة ولا تختلف ما نسميهما المشروع الصفوي او المشروع العثماني الجديد او مشروع المقاومة... المهم هما دولتان ذات ثقل سكاني واقتصادي وعسكري في المنطقة ما يمكنهما بلعب دور فاعل ومؤثر في القضايا الاقليمية والعالمية واين العرب في هذا المشهد؟ لنتساءل اين مصر العروبة التي كانت تقود مواجهة الاحتلال واين جمال عبدالناصر الذي كان همه وحدة الشعوب العربية بينما القيادات العربية الحالية لا تتقن الا المتاجرة بالقضايا العربية... واين دور حاضن الحرمين الشريفين باعتبارها مهبط الوحي في تأليف القلوب ولم شمل الأمة الاسلامية بتنوعها الشيعي والسني والصوفي ... كلا ولم نر من علمائهم الا بث الفكر المتطرف والتكفير.

لا بأس فيه اذا ليس لدى الدول والأنظمة العربية مشروع وهي تفضل سباتها الشتوي على متاعب اليقظة وانما المشكلة في اتهام الآخر والقاء اللوم عليه لانه صاحب مشروع و(رغم سلبياته او ايجابياته) يحاول تحقيقه. "لماذا ايران تريد بسط نفوذها في المنطقة؟ لماذا تتحالف مع دول او تيارات ومجموعات سياسية في الدول العربية؟" الجواب هو لماذا لا؟ امريكا تفعل نفس الشيء وكذلك روسيا و تركيا ولنتساءل لماذا الدول العربية لا تسعى الى امتلاك مشروع واداء دور مستقل في المنطقة والتخلي عن الدور الذيلي والخروج من تحت المظلة الأمريكية .

أليس عاراً على بعض الدول العربية ان يقول الرئيس الأمريكي بصراحة انه بصدد حلبها وهذه الدول مستمرة في التحالف مع امريكا. سلاحها امريكي وقواعدها امريكية وسياساتها أمريكية وحتى ثوراتها تأتي بمباركة امريكية... لن ننسى سرعان ما انطلقت شرارة ما يسمونها "الثورة السورية"، بدأت تتعالى اصوات تنادي بالتحالف مع اسرائيل في سبيل اسقاط بشار الاسد، مع تأكيد هؤلاء المعارضين وعلى رأسهم المجلس الوطني الانتقالي بانهم في حال استلموا الحكم لن يهاجموا اسرائيل ،وسيعتمدون مبدأ التفاوض اما بالنسبة لايران وحزب الله سيقطعون علاقاتهم بهما.

أما المشروع الايراني الذي تمتلكه بكل فخر هو تأسيس محور المقاومة الذي هدفه الرئيس مواجهة الهيمنة الامريكية في المنطقة والتصدي للجرائم التي يمارسها الكيان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. هذا المشروع يضم المكونين الشيعي والسني بنفس الوقت ولا يلعب على أوتار الطائفية والقومية. لا يفرق أن تكون عربياً او فارسيا او تركياً. نختلف مع الأتراك بقضايا عدة ولن ننسى ان مشتركاتنا كثيرة ولا نلقي اللوم على التركي باعتباره مصدر المشاكل لان له مشروع خاص فنتعاون بقضايا ونتنافس بقضايا أخرى دون تكفير او تخوين الآخر او الغائه. أوليست العلاقات التركية- الايرانية نموذجا ناجحا للانظمة العربية التي يقودها حكام لا يميزون بين العلاقات الشخصية والسياسة في عالم الواقع ويؤمنون بمبدأ "اما تقف معي في كل قضية او اعتبرك خائناً وعدواً لدوداً".

ربما الاعلام العربي يحتاج الى التطبيع. لا اقصد التطبيع مع اسرائيل وبل مع نفسه وفي داخله أي ينظر الى ما يجري بشكل طبيعي بدون مبالغة. التطبيع الذي اقصده يعني بعض الدول التي تتوهم بأنها قادرة على لعب دور أكبر من حجمها تراجع سياساتها وربما كان أنفع لها ان تركز على تجارتها واقتصادها بدلا عن المتاجرة بالدين ودماء الشعوب. التطبيع الذي تحتاجه المنطقة هو اعتبار المشاريع التركية والايرانية أمرا طبيعيا وبل يرى التواجد الامريكي في المنطقة مثيراً للاستغراب ويحث العرب على تقديم مشروع مستقل يتفق وينسجم مع المشاريع الاقليمية (وليس الغربية) بنقاط ويختلف بنقاط آخر.

في نهاية المطاف اتمنى ان تبادل الانتقاد بين الاعلام العربي والفارسي يشكل مقدمة لفتح باب الحوار والتواصل والتفاهم رغم الخلافات السياسية القائمة بدلاً عن تكرار الشعارات الطائفية التي تجعل الشارع السني مقابل الشارع الشيعي وأخرى القومية التي تثير العرب ضد الفرس فان هذه الشعارات لم ولن تبشر بخير للمنطقة. علينا ألا ننسى أننا ابناء منطقة واحدة ونحن اصحاب القرار فيها ... نحن العرب والفرس والأتراك دون الأمريكان أو غيرهم.

رمز الخبر 1889601

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 2 + 14 =