وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية، حسن شوكهي نسب: اليوم الخميس (12 يونيو/حزيران)، أُقرّ في اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارٌ اقترحته ثلاث دول أوروبية (فرنسا، إنجلترا، وألمانيا)، بمشاركة الولايات المتحدة، ضد البرنامج النووي السلمي لايران.
في هذا القرار، الذي أُقرّ بأغلبية 19 صوتًا مؤيدًا، وامتناع 11 عن التصويت، و3 أصوات معارضة، ودون الإشارة إلى تعاون الجمهورية الإسلامية الإيرانية المستمر والواسع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تُتّهم طهران بالتقصير في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالضمانات.
كما تُكرّر هذه الوثيقة ادعاءات سياسية تتعلق بالضمانات، مستمدة من وثائق مزورة للكيان الصهيوني، وتُدّعى أن إيران لم تتعاون بشكل كامل وفي الوقت المناسب مع الوكالة منذ عام 2019 بشأن "مواد وأنشطة نووية غير مُعلنة في عدة مواقع".
ويتضمن النص أيضاً ادعاءات مختلفة، بما في ذلك أن عجز الوكالة عن تقديم ضمانات بشأن الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني هو قضية قد تقع ضمن اختصاص مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
النوايا السياسية للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين رغم تعاون إيران البنّاء
لم يكن التعاون الوثيق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في السنوات الأخيرة، وخاصةً خلال تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة، سرًا. عند توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة عام ٢٠١٥ (القرار ١٣٩٤)، حُلّت جميع المسائل المتعلقة بالاتهامات الموجهة ضد إيران. بعد ذلك، شهدنا نشر ١٥ تقريرًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد تنفيذ إيران لالتزاماتها، دون أي اعتراضات أو تساؤلات.
استمر هذا الوضع حتى بدأت همسات الانسحاب الأمريكي من خطة العمل الشاملة المشتركة، وفي عام 2018 انسحبت الولايات المتحدة رسميًا من الاتفاق. ردًا على هذه الخطوة، اعتمدت إيران سياسة "الصبر الاستراتيجي" لمدة عام وبضعة أشهر تقريبًا، ثم خفّضت التزاماتها تدريجيًا.
على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت السبب الرئيسي في انهيار الاتفاق النووي وتراجع التزام إيران بالوكالة، فقد صدرت أربعة قرارات ضد إيران منذ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، رغم أن إيران وفرت الوصول المطلوب.
وفي هذا الصدد، انتقد ميخائيل أوليانوف، كبير الدبلوماسيين الروس في فيينا، مشروع القرار الذي قدمته بريطانيا وفرنسا وألمانيا بدعم من الولايات المتحدة في اجتماع مجلس المحافظين، وقال: "لم تكلف أمانة الوكالة نفسها عناء تقديم إحصاءات دقيقة عن حجم أنشطة التحقق في إيران. في العام الماضي، كان هناك 125 مفتشًا نشطًا في إيران، وأُجريت 493 عملية تفتيش، و144 عملية تفتيش لمعلومات التصميم، و1260 يومًا من العمل الميداني. تحتل عمليات التفتيش الإيرانية المرتبة الثانية بين أعضاء الوكالة من حيث الوتيرة، ولم يُسجل أي انخفاض في النشاط".
لذلك، ورغم تعاون إيران البنّاء دائمًا في إطار لوائح الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمفاوضات النووية، وعقدها مرارًا وتكرارًا مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة بحسن نية، إلا أن الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين رفضوا الاستجابة لهذا النهج الإيجابي من جانب إيران.
يعتقد المحللون أنه بدلًا من التفاعل العقلاني، استغلت هذه الدول قدرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتحقيق أهداف سياسية، وتحاول فرض شروط أحادية ومفرطة على إيران، مثل التصفية الكاملة لقدرتها على تخصيب اليورانيوم؛ وهو مطلب مبالغ فيه لطالما اعتبرته طهران خطًا أحمر ورفضته.
بذلت الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، جهودًا منسقة ومستهدفة للضغط الدولي ومهاجمة إيران، من خلال طرح ادعاءات غامضة دون دعم فني موثوق، تتعلق بمواقع مثل تورغوز آباد ولوسان. ويبدو أن هذه الادعاءات، التي لطالما نفت إيران وجودها، تهدف إلى خلق جو عالمي سلبي وعزل إيران على الساحة الدولية، وبالتالي التشكيك في قدرتها النووية السلمية والمشروعة. يعتقد المحللون أيضًا أن الغرب لا يملك رغبة حقيقية في إيجاد حل عقلاني ومستدام للقضية النووية الإيرانية، بل يستخدمها كأداة سياسية لإضعاف مكانة إيران الإقليمية والدولية. والهدف النهائي لهذا النهج السياسي هو إحداث تغييرات هيكلية في منطقة غرب آسيا بما يتوافق مع المصالح الغربية.
ولهذا السبب، فإن النهج السياسي والضغط المستمر من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين قد لا يعرقل العملية الدبلوماسية والبناءة للمفاوضات النووية فحسب، بل قد يزيد أيضًا من مستوى التوتر وانعدام الثقة، ويدمر فرصًا حقيقية وقيّمة للتوصل إلى اتفاق شامل وطويل الأمد.
وفي السياق نفسه، وصف السفير الروسي ومندوبه الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنه سياسي، ولا أساس له، وضار، وحذّر من أن استخدام الوكالة كأداة لأغراض سياسية ستكون له عواقب وخيمة على نظام منع الانتشار.
انهيار المصداقية الفنية للوكالة تحت وطأة الضغوط السياسية
إن اعتماد مثل هذا القرار بدوافع سياسية له عواقب وخيمة على مصداقية الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومكانتها. تتمثل أولى نتائج هذا النهج السياسي في تراجع حاد في الثقة الدولية بتقارير الوكالة وتقييماتها الفنية والخبراءية. وستنظر العديد من الدول إلى تقييمات هذه المؤسسة الدولية بمزيد من الحذر والشك مستقبلاً.
إضافةً إلى ذلك، يُورط النهج السياسي لمجلس المحافظين الوكالة في نزاعات سياسية دولية، مما يُبعدها أكثر عن أداء مهامها الأساسية والمهنية. ويخشى العديد من الخبراء من أن يُضعف تسييس هذه المؤسسة بشدة قدرتها على حل النزاعات الفنية والخبراءية بين الدول.
في غضون ذلك، أصبح مبدأ الحياد، باعتباره أهم مبدأ يحكم أنشطة الوكالة، مُعرّضًا للخطر. إن غياب الحياد في القضايا النووية، وانحياز بعض الأطراف إلى المصالح السياسية، لا سيما مع اكتشاف وثائق تثبت تعاون الوكالة السري مع الكيان الصهيوني فيما يتعلق بأعماله التخريبية في المنشآت النووية الإيرانية، قد أضرّ بشدة بمصداقية الوكالة لدى العالم، وحتى لدى أعضائها غير الغربيين.
كما أن تسييس أداء الوكالة ربما دفع الدول إلى الامتناع عن التعاون الصادق والفعال مع هذه المؤسسة. سيؤدي هذا إلى تراجع فعالية الرقابة الدولية على البرامج النووية للدول، مما قد يؤدي بدوره إلى تفاقم التوترات الأمنية وعدم الاستقرار الدولي.
رد إيران الحاسم وضرورة عودة الوكالة إلى مهمتها الفنية
ردًا على القرار السياسي لمجلس المحافظين، اتخذت جمهورية إيران الإسلامية موقفًا واضحًا وحاسمًا ومتعدد الجوانب. ففي بيان مشترك، أدانت وزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية الإيرانية إجراء الولايات المتحدة وثلاث دول أوروبية، ووصفته بأنه أداة لاستغلال الآليات الدولية لتحقيق أهداف سياسية دون الاعتماد على أسس فنية وقانونية. وأكد البيان أن إيران ستُجبر على الرد بالمثل، وأن هذا الرد سيكون في إطار القانون الدولي والتزاماتها المشروعة.
وفي هذا الصدد، أعلنت منظمة الطاقة الذرية أنه بأمر من رئيسها، بدأت عملية إنشاء مركز تخصيب جديد في موقع آمن، وسيتم استبدال أجهزة الجيل الأول في مركز تخصيب الشهيد علي محمدي (فوردو) بأجهزة متطورة من الجيل السادس. وتُعد هذه الإجراءات ردًا فنيًا وقانونيًا على قرار لم يكن قائمًا على حقائق علمية، بل على دوافع سياسية.
في الوقت نفسه، كتب وزير خارجية بلادنا، السيد عباس عراقجي، في بيان واضح على منصة التواصل الاجتماعي X (تويتر سابقًا) مخاطبًا الدول الأوروبية الثلاث: "كان أمامكم سبع سنوات للوفاء بالتزاماتكم في خطة العمل الشاملة المشتركة، لكنكم فشلتم، سواءً عن قصد أو بسبب عدم الكفاءة". واعتبر عراقجي هذا الإجراء خطأً استراتيجيًا آخر سيجبر إيران على الرد بحزم.
يبدو أن أيًا من إجراءات إيران المضادة لن يكون خارج الأطر القانونية والدولية، لكن طهران ستدافع بحزم عن حقوقها النووية والوطنية في مواجهة الضغوط غير القانونية. ولا شك أن مسؤولية أي تصعيد للتوتر وعدم الاستقرار تقع أيضًا على عاتق الدول الراعية لهذا القرار.
في هذا السياق، طرحت وسائل الإعلام والمحللون بعض السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك خفض مستوى التعاون في مجال المراقبة، وإعادة النظر في التنفيذ الطوعي للبروتوكول الإضافي، وحتى إمكانية النظر في الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي إذا استمرت الضغوط غير العادلة.
في ظل هذه الظروف، يُشدد الخبراء والمراقبون الدوليون على ضرورة عودة الوكالة في أقرب وقت ممكن إلى مهمتها الرئيسية، وهي الرصد التقني والمحايد القائم على المعايير الدولية. إن دخول ساحة التسييس لن يُضعف فقط من كفاءة الوكالة المهنية، بل سيجعل دورها في نظام الأمن الدولي، مع مرور الوقت، غير فعال.
ينبغي على الوكالة الحفاظ على استقلاليتها ومصداقيتها من خلال تجنب قبول معلومات من مصادر مشبوهة كالكيان الصهيوني، ومنع بعض الدول من استخدام هذه المؤسسة كأداة. عندها فقط يُمكن استعادة ثقة الدول الأعضاء، وخاصة الدول النامية وغير المنتسبة.
كما يُمكن للعودة إلى إطار متخصص أن تُوفر منصة لاستئناف الحوار البنّاء بين إيران والوكالة. فبدون العودة إلى مسار تقني ومحايد، لن يتراجع التعاون فحسب، بل سيزداد خطر تصاعد الأزمات الأمنية بشكل حاد.
وفي نهاية المطاف، فإن الحفاظ على الدور البناء الذي تلعبه الوكالة في النظام الدولي يتطلب احترام المبادئ المهنية والنزاهة وتجنب التسييس في قضايا مثل البرنامج النووي الإيراني.
تعليقك