تاريخ النشر: ٢ يوليو ٢٠٢٥ - ١٨:٣٢

من وجهة نظر إسرائيل، لا يكمن التهديد الحقيقي في طبيعة السلاح، بل في طبيعة مالكه، ولذلك، لا تتسامح العقيدة الصهيونية مع أي معرفة أو تقنية نووية بحوزة الدول الإسلامية.

وكالة مهر للأنباء - حسين سماحة، باحث لبناني: من يتصور أن الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط (وخاصة الهجوم الذي شنته إسرائيل على إيران وتداعياته التي اجتاحت العالم أجمع) كانت مجرد صراع على النفوذ الإقليمي، أو خوف من التكنولوجيا النووية، أو محاولة للإطاحة بنظام سياسي، فقد ارتكب خطأً استراتيجيًا فادحًا. ربما لم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مخطئًا في إدراكه أن تغيير النظام قد يكون أحد نتائج هذه الصراعات؛ لكن الخطأ يكمن في تحليل جذور الحادثة.

اتجهت أذهان ترامب وحليفه القديم نتنياهو إلى حرب ذات أهداف واضحة ومعلنة؛ من تدمير المنشآت النووية الإيرانية إلى القضاء على ما أسموه "التهديد الصاروخي الإيراني". لكن لا الأهداف التكتيكية تحققت، ولا الأحلام الاستراتيجية تحققت. لقد كانت تصريحات ترامب المتناقضة في أوقات مختلفة دليلاً على فشل لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان متجذراً أيضاً على مستوى أعمق، وهو صراع مستمر بين الحضارات منذ فجر التاريخ.

لكن هل هذه نهاية أربعة عقود من المواجهة التي شكّلتها التسلح والتدريب والصراعات بالوكالة والتهديدات والعقوبات؟ أم أنها مجرد كشف عن سطح أزمة أعمق؟

في عالم لم تعد فيه القوة تُعرّف فقط بترسانات الصواريخ، بل بمنطق "القوى العظمى" والذكاء الاصطناعي الأمني والحرب التكنولوجية، لا يمكن قياس المعارك بالمعايير الكلاسيكية. حرب اليوم لا تتعلق بالموارد أو التكنولوجيا بقدر ما تتعلق بـ"المركزية الحضارية"، وهو مفهوم كتب عنه فوكوياما بالتفصيل عام ١٩٩٢ وهنتنغتون عام ١٩٩٦. بهذا المعنى، ينبغي النظر إلى حرب إيران وإسرائيل والولايات المتحدة على أنها تبلور لصراع مشروعين حضاريين: المشروع الإسلامي الناشئ الذي يدّعي تقديم نموذج بديل، والمشاريع الحضارية الراسخة التي اصطفت بكل قوتها ضده.

تحاول إيران، جوهر الثورة الإسلامية وتجسيدها الحضاري بأبعاده الجيوسياسية، إعادة تعريف مكانتها التاريخية؛ مكانة تتجاوز الدور الذي أسنده لها الغرب، منذ حقبة الاستعمار ثم التصنيع: "شرطي الخليج" أو فاعل تابع في النظام العالمي. تسعى إيران اليوم إلى أن تصبح نموذجًا حضاريًا يوازن بين التكنولوجيا المتقدمة والسيادة القائمة على القيم. نموذج يُمثل تحديًا شاملًا للعالم الرأسمالي الليبرالي والنظام الأمني الإسرائيلي.

من وجهة نظر إسرائيل، لا يكمن التهديد الحقيقي في طبيعة السلاح، بل في طبيعة مالكه. يبدأ الخطر عندما يقع السلاح في أيدي عقلية أيديولوجية لا تتسامح مع النظام القائم. ولهذا السبب، لا تتسامح العقيدة الصهيونية مع أي معرفة أو تكنولوجيا نووية في حيازة الدول الإسلامية.

مع انتقال إيران من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة، اكتسبت المكونات الحضارية دورًا حاسمًا في السياسة والأمن الإقليميين. ومن خلال الاستثمار في القدرات المحلية في الإنتاج والصادرات والاستقلال التكنولوجي والمرونة الاقتصادية، لم تتغلب إيران على العقوبات فحسب، بل حولتها أيضاً إلى أداة لتعزيز قوتها الداخلية؛ وكما شهدنا عملياً فشل هذه العقوبات في الجولة الجديدة من العقوبات ــ التي وصفت بأنها الأشد في تاريخ أميركا.