الاتّفاقية الإيرانية الصينية وآفاقُ العلاقات الاستراتيجية

وصف الكاتب الثوري اليمني"أنس القاضي" التحالف الإيراني الصيني الأخير بالإستراتيجي التاريخي الصلب، مؤكداً أنه "نظراً لنتائج الإتفاق فسوف تظهر طهران في المنطقة كنموذج جذاب يثبت إمْكَانية التطور والتقدم بالمحافظة على الاستقلاليين الاقتصادي والسياسي والتمسك بالموقفِ الوطني والأممي في مواجهة أمريكا".

وكالة مهر للأنباء_ أنس القاضي: التحالُفُ الإيراني الصيني استراتيجيٌّ تاريخي صُلبٍ في أسسه الواقعية ناتجٌ عن احتياجات داخلية وطنية للبلدين، احتياجات ثنائية كُـلّ دولة هي المثلى في تلبية احتياجات الأُخرى، فإيران تريد دولةً من خارج المعسكر الغربي ولها حضور في المنظمات الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، وذات اقتدار مالي قادرة على تحَرّك الاقتصاد الإيراني وتجاوز العقوبات الأمريكية وتداعيات الحصار، كما تحتاج إيران إلى دولة متطورة تكنولوجياً وعلمياً وقادرة على تشييد مدن صناعية وتطوير الموانئ وسكك الحديد وغيرها من البُنَى التحتية لنهوضِ الاقتصاد الإيراني وتطوير العلوم والمعارف.

في المقابل، فَـإنَّ الصين لديها احتياجاتٌ وتحدياتٌ اقتصاديةٌ إيرانُ هي القادرةُ على حَلِّها، وخَاصَّةً في مجالِ أمن الطاقة وتدفق الموارد فالنفط التي تحتاجُه الصين يتدفقُ إليها من ممرات بحرية خاضعة للهيمنة الأمريكية من باب المندب وخليج عمان والبحر العربي والمحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، وكذلك المواد الخام تستوردها الصين من إفريقيا والعالم العربي الإسلامي، ويصلها عبر نفس الممرات الخَاضِعة للهيمنة الأمريكية ويُعاد تصديره منها أَيْـضاً.

فإيرانُ التي تمتلكُ احتياطاتٍ بتروليةً وغازية هائلة قادرة على إشباعِ حاجةِ المصانع الصينية وإيصال هذا الوقود براً من إيران عبر دول الاتّحاد الروسي وُصُـولاً إلى الصين، أي عبر الحزام البري في إطار مشروع “الحزام والطريق” (الطريق البحري والحزام البري).

عبر إيران تكون الصين قد استطاعت ربطَ تجارتها مع سوريا والعراق وبلاد الشام والبحر الأطلسي، كما أن إيران منفذٌ إلى الخليج والبحري العربي وهو منفذٌ محتملٌ في حالة تعرقل الخط البري عبر الهند وباكستان الذي ينتهي في الخليج، ولهذا فَـإنَّ إيران بلدٌ بالغُ الأهميّة لهذا المشروع.

نجاحُ الاتّفاقية يعني بأن إيرانَ سوف تتحرّرُ بشكلٍ كاملٍ من العقوبات الأمريكية لتزدهر اقتصاديًّا، وسوف تصبح ذات قدرة أكبر على الدفاع عن نفسها عسكريًّا في أية حرب عدوانية محتملة، كما أن الحضورَ الإيرانيَّ سوف يكونُ على حساب النفوذ الأمريكي في المنطقة، فإسرائيل أكبر المتضررين من هذه الاتّفاقية.

بناءً على هذا الاتّفاق ونتائجه سوف تظهر طهران في المنطقة كنموذج جذاب يثبت إمْكَانية التطور والتقدم بالمحافظة على الاستقلاليين الاقتصادي والسياسي والتمسك بالموقفِ الوطني والأممي في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

الصين ستصبح أكثر جرأة في مواجهة أمريكا على مستوى بحر الصين الجنوبي وتايوان واليابان، بعد أن تضمن بأن تدفق الطاقة ووصول سلعها إلى المنطقة، وتتخلص من التهديدات الأمريكية الذي كان قائما على إمْكَانية قطع أمريكا لإمدَادات الطاقة عن الصين وإصابة اقتصادها الصناعي بالشلل.

فيلم “عملية البحر الأحمر2018م” -العدواني-، يُشير أَيْـضاً إلى مساعي الصين للحضور العسكري في البحر الأحمر منافساً لأمريكا ومشاركاً لها في ذرائعها.

مثل هذا الاتّفاق سيدفع أمريكا إلى التهدئة من إيران لإبعادها عن الصين وسيدفع أمريكا إلى تخفيف نشاطها العدواني المباشر في المنطقة؛ مِن أجلِ التفرغ الكامل للصين، وخَاصَّةً في منطقة بحر الجنوبي الذي يشهد توتراً.

في هذا السياق، تُفهم التوجّـهات الأمريكية لبناء “ناتو عربي” و”كيان الدول المشاطئة للبحر الأحمر”، وكذلك حملة التطبيع مع الكيان الصهيوني، فكل هذه التحَرّكات تأتي في إطار إعادة توزيع أمريكا لثقلها في الساحة الدولية ووضع ثقل أكبر للصين، وهو الأمر الذي شدّد عليه أوباما قبل نهاية فترته الرئاسية، وهي سياسة يستمر فيها جو بايدن.

وضع الاتّفاقية لمدة 25 عاماً يُشير إلى رغبة في شراكة اقتصادية متينة مستقبلية تنسجم مع تاريخ التعاون والصداقة بين البلدين، وتتجاوز الحكومتين الحاليتين في كُـلٍّ من بكين وطهران، ويشير إلى ضخامة المبلغ المُستثمر وإلى عملية تنمية وتطوير تراكمية تمتد ربع قرن ستتوثق فيها العلاقات عاماً بعد عام.

هذه الاتّفاقية مهمة بالنسبة لكُلٍّ من الصين وإيران وروسيا أَيْـضاً؛ لأَنَّها أول نموذج لنجاح مبادرة “الحزام والطريق”، وأول سعي جدي نحو فرض نظام الاقاليم الاقتصادية والتعددية القطبية.

المادة السابعة “التعاون في دولة ثالثة”، هذه المادة تتيح أن يُبنى على هذه الاتّفاقية الثنائية تحالُفٌ إقليمي، ومن النماذج المحتملة لذلك دخول سوريا والعراق في مجالات التعاون.

بالنظر إلى المصالح المشتركة في مبادرة الحزام والطريق، يشجع الطرفان، التعاون الثنائي، والمتعدد الأطراف، من خلال البرنامج المشترك في الدول المجاورة أَو في الدول الأُخرى.

تاريخُ العلاقات الصينية الإيرانية

تتمتعُ إيرانُ والصينُ بعلاقات صداقة قديمة تعود إلى ما يقارب 200 قبل الميلاد، ظلت العلاقة المعززة بالتجارة والتداخل الثقافي الحضاري مستمرّة في كُـلّ العهود ومع اختلاف الحكام والأنظمة المتعاقبة بين الامبراطوريات القديمة والدول الوطنية الحديثة، ومن بعد قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في 1979م حافظت كُـلّ من بكين وطهران على هذه العلاقة وُصُـولاً إلى العهد الحالي، الذي يشهد تطوراً في العلاقة منسجماً مع تحولات النظام العالمي، حَيثُ مصلحة كُـلّ من الصين وإيران في التطور المستقل في عالم متعدد القطبية لا تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية.

تتلاقى التوجّـهات الإيرانية الصينية في المنطقة الأوراسية التي تتوسط البلدين، وهو اهتمام استوعبته مبادرة الطريق والحزام وإيران حجر الزاوية فيه شرقاً. وتتجه علاقة الصداقة والتعاون لتترسخ كعلاقة استراتيجية، ومثلت زيارة الزعيم الصيني إلى طهران عام 2016م بداية لتطوير العلاقة على نحو استراتيجي، بل أن هذه الزيارة هي بذرة الاتّفاقية المعلن عنها راهناً.

وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، كان قد أكّـد أن إيران تقيم أكثر العلاقات الدولية استراتيجية مع الصين، مُشيراً إلى أن الاتّفاقيات التي جرت في العام 2016م تفتح عهداً جديدًا من العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ومن الرؤية الاستراتيجية الجديدة لإيران تجاه الصين. وبدوره أكّـد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، على أهميّة العلاقات بين البلدين، مُضيفاً أن زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى إيران عززت العلاقات بين البلدين على نحو استراتيجي.

على عكس الكثير من الدول فَـإنَّ الصين هي الأقدر على تحمل العقوبات الأمريكية جراء استمرار العلاقات الاقتصادية مع إيران واقتدارها الاقتصادي يجعل من العقوبات الأمريكية قلية مقارنة بالفوائد المشتركة لكُلٍّ من الصين وإيران لاستمرار العلاقة كما هي محدّدة في التصريحات الرسمية للبلدين.

طبيعةُ الاتّفاقية

الإعلانُ عن الاتّفاقية والإشارة إليها من قبل البلدين قبل عام جاء مع انتهاء المشاورات حولها التي استمرت لمدة 4 أعوام.

يُستنتج من مختلف التصريحات الرسمية بان الاتّفاقية الراهنة تطوير وبناء على اتّفاقيات العام 2016م وإعلان عنها، فالاتّفاقيات الجزئية التي وقعت آنذاك جمعت وقدمت كاتّفاقية واحدة كُلية، وأعلنت كاتّفاقية استراتيجية، بدوره وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف أقر في جلسة أمام البرلمان الإيراني بأن الحكومةَ تناقشُ اتّفاقاً استراتيجياً مع الصين يستمر لمدة 25 عاماً. كما أكّـد ظريف أن اتّفاقية الشراكة التي اقترحها الزعيم الصيني، شي جين بينغ، خلال زيارته لإيران عام 2016م وافقت عليها حكومة الرئيس روحاني في يونيو الماضي، ما يُفيد بأن الاتّفاقية المعلن عنها مؤخّراً كاتّفاقية استراتيجية انما هي ذاتها اتّفاقية العام 2016م.

بدوره الرئيس روحاني في العام الماضي متحدثاً عن الاتّفاقية الراهنة قال بأنها شراكة استراتيجية على المستوى الإقليمية على أَسَاس قاعدة الكل رابح. وكان روحاني قد وجه رئاسة الوزراء الإيرانية بإجراء المفاوضات النهائية للاتّفاقية.

الطبيعة الأَسَاسية لهذه الاتّفاقية تحدّدها الرغبة النابعة من مصالح الطرفين، ففيما الصين الصاعدة اقتصاديًّا في حاجة إلى الطاقة، فَـإنَّ إيران المحاصرة والمعتمدة على نفسها في حاجة إلى تطوير القطاعات الإنتاجية المختلفة وتجاوز العقوبات الاقتصادية الأمريكية، هذه الطبيعة الاقتصادية الجوهرية للاتّفاقية أكّـدها رئيس الغرفة التجارية الإيرانية، رضا حريري، الذي وصفها بتبادل متكافئ، “فالصينُ من جانبها تبحث عن الطاقة التي يمكن أن تؤمنها إيران وإيران من جانبها ستستفيد من التقنية الصينية”.

إيران تفلِتُ من المصير الكوري والكوبي

هذه الاتّفاقية تعيدنا إلى الصراع القديم بين المعسكرين الشرقي والغربي والذي انتهى بفوز المعسكر الغربي والتقهقر الاشتراكي، بعد التراجع الاشتراكي صمدت كُـلّ من كوريا الشمالية وكوبا وإيران، اضطرَّت للانغلاق على نفسها والتطور الذاتي المستقل، وفقاً لظروف الحصار.

احتكارُ الغرب للتقنية الحديثة أعاق نُضُوجَ هذه التجارب، فحافظ الغربُ على تطوره، فيما ظلت الدول التي تتخذ نموذجاً اقتصادياً وطنياً بعيدًا عن الهيمنة متخلفةً مقارنة بالدول الغربية، هذه الاتّفاقية التي بادرت إليها الصين سوف تحطّم القيد الذي فرضه القطب الامبريالي الغربي على النماذج الاقتصادية الوطنية.

ففيما لا تزال كُـلٌّ من كوريا الشمالية وكوبا تعاني من التخلف التقني، مقارنة بتسارع تطور التقنية الغربية، فهذه الاتّفاقيةُ تنقذ إيرانَ من هذا المصير، حَيثُ ستضع الصينُ معارفَها العلميةَ المعقَّدة الجديدة وتقنياتها المتطورة أمام إيران التي سوف تقوم بتطوير بنيتها التحتية ومختلف قطاعات الإنتاج كـ: البُنية التحتية، طرق السيارات، سكك الحديد، وتكنولوجيا الاتصالات، والملاحة، وتطوير الأسطول التجاري والموانئ البحرية والبرية، فتزداد صلابة ونضوجاً في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.

إيران الجديدة

الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ انتصارها وهي تبذُلُ جهوداً مضنيةً للمحافظة على استقلالها وتلبية سوقها المحلية وتقدمها الاجتماعي ومواجهة التدخلات الاستعمارية والصهيونية والعقوبات الاقتصادية، كُـلُّ هذه الظروف أنهكتها وأعاقت تطورَها الذاتي ورغم أنها أكثر تقدماً من دول الخليج المجاورة في ظل هذه الظروف، فَـإنَّ هذه الاتّفاقيةَ ستغيّر من شكلها كليًّا وسترفع من وتائر التطورِ بشكل غير مسبوق، وستتيح لها تطوير القطاع العسكري بشكل أكبر.

هذه الاتّفاقيةُ ستنقذُ إيرانَ من مأزق التخلف التقني، وستثبت النظام السياسي بما ستوفره من استقرار اجتماعي اقتصادي ونماء، كما ستمثل مخرجاً لإيران من العقوبات الاقتصادية الأمريكية الغربية، وسوف تظهر طهران في المنطقة كنموذج جذاب يثبت إمْكَانية التطور والتقدم بالمحافظة على الاستقلاليين الاقتصادي والسياسي والتمسك بالموقف الوطني والأممي من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

بدايةُ الانتقال إلى نظامِ الأقاليم الاقتصادية

إذا نجحت التجربةُ ستمثل نموذجاً جذاباً لكثير من الدول التي تعاني من سياسات صناديق الاقراض الإمبريالية، فالصين صاحبةُ الاقتدار الاقتصادي المالي الكبير تستطيع أن تقدمَ مبادراتٍ اقتصاديةً كهذه لأية دولة ترغب في نقل توجُّـهها من الغرب نحو الصين، ومبادرة الطريق والحزام تشير إلى هذه المسألة.

الاتّفاقيةُ التي أُبرمت في العام 2016م وجرى الإعلانُ عنها العام الماضي ووُقِّعت مؤخّراً وضعت بشكل استراتيجي يستجيبُ للتغيرات الجارية في النظام الدولي، هذه الاتّفاقيةُ مهمةٌ بالنسبة لكُلٍّ من الصين وإيران وروسيا أَيْـضاً؛ لأَنَّها أولُ نموذج لنجاح مبادرة الطريق والحزام الصينية، وأولُ سعي جديٍّ نحوَ فرض نظام الأقاليم الاقتصادية والتعددية القطبية، فالتغيرات الحاصلة في أحشاء النظام العالمي بحاجة إلى خطوات شجاعة تثبت الجديد على الصعيد العالمي، والصين وإيران هما أكثرُ دول العالم استعداداً لتنفيذ مثل هذا الأمر، وتدفعهما بحزمٍ أكبرَ إلى تنفيذ هذه الخطوات الشجاعة التصعيد الأمريكي الموجَّه ضد كُـلٍّ من إيران والصين، ففي ظروف كهذه فمن الطبيعي أن يكونَ أول خروج على نظام القطبية الواحدة هو خروج الصين وإيران والذي تؤيده روسيا إلا أنها عجزت عن تنفيذ خطوة كهذه؛ بسَببِ أزماتها الاقتصادية فيما قاتلت دون هوادة على سوريا وجزيرة القرم ومضيق البسفور، وكانت المناورةُ البحرية الثلاثية في الخليج بمشاركة كُـلٍّ من روسيا والصين وإيران تأكيداً على وجود روسيا كداعم لهذه الاتّفاقية، خَاصَّة أنها تجري برياً على حدودها وحدود الدول المجاورة لها في أورسيا.

الكاتب: أنس القاضي

/انتهى/

رمز الخبر 1913735

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 3 + 0 =