٢٠‏/٠٧‏/٢٠٢٥، ٩:٥٩ ص

مدن نتانياهو "الإنسانية"، نسخة جديدة من "آوشفيتز"

مدن نتانياهو "الإنسانية"، نسخة جديدة من "آوشفيتز"

في مشهد يعيد إلى الأذهان أحلك فصول التاريخ الإنساني، يواصل الاحتلال الإسرائيلي فرض واقع دموي على قطاع غزة. وبينما يزعم نتانياهو أنه يسعى إلى "توفير ملاذات إنسانية" للفلسطينيين من خلال إقامة مدن في رفح، فإن الواقع يكشف عن مشروع لا يختلف كثيرًا عن معسكرات الاعتقال النازية.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: تحت غطاء إنساني زائف، تهدف إسرائيل إلى تجميع سكان غزة في مناطق مغلقة، معزولة، خاضعة للسيطرة الأمنية والعسكرية الكاملة. هذا النموذج يتقاطع بشكل مرعب مع النموذج النازي لمعسكرات الاعتقال، حيث كانت المبررات في الظاهر "لوجستية" أو "تنظيمية"، لكن الهدف الحقيقي كان دائمًا السيطرة، الإذلال، والإبادة البطيئة.

في معسكرات "آوشفيتز"، حُشر الأبرياء في ظروف لا إنسانية، تحت مبررات واهية تخفي أهدافًا عنصرية مقيتة. واليوم، يُدفع سكان غزة، الذين فقدوا منازلهم وأحباءهم، إلى معسكرات مغلقة تحت راية "المدن الإنسانية"، وكأن المأساة يعاد إنتاجها، لا عبر التاريخ، بل في نفس اللحظة، وبعين الصمت الدولي.

مدن نتانياهو "الإنسانية"، نسخة جديدة من "آوشفيتز"

نتانياهو يتفوق على نفسه من جديد، النقل القسري جريمة حرب

القانون الدولي الإنساني، وخصوصًا اتفاقيات جنيف، يحظر بشكل قاطع النقل القسري للسكان المدنيين، سواء تم ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر. ما تقوم به إسرائيل اليوم عبر مشروع "المدن الإنسانية" يمثل خرقًا فاضحًا لهذه المواثيق، إذ يتم تجميع مئات آلاف الفلسطينيين في مناطق ضيقة وتحت سيطرة عسكرية، بعد تهجيرهم قسرًا من مناطقهم التي قُصفت ودُمرت عمدًا.

وحتى لو تمّ تقديم هذه المدن في صورة "حلول مؤقتة"، فإن أي عملية نقل قسري، بلا رضا السكان، ودون ضمانات حقيقية بعودتهم، تعتبر جريمة حرب، كما أشار إلى ذلك عدد من خبراء القانون الدولي ومقرري الأمم المتحدة.

وما يدعو للسخرية السوداء هو أن الجهة ذاتها التي دمّرت البنية التحتية في غزة، وقتلت عشرات الآلاف من المدنيين، وحرمت القطاع من الكهرباء والماء والدواء، تزعم الآن أنها تسعى لتوفير "حياة أفضل" للفلسطينيين داخل ما يسمى "مدن إنسانية". هذه الرواية مرفوضة أخلاقيًا ومنطقيًا؛ إذ لا يمكن للجلاد أن يدّعي الرحمة بعد أن قطع الشريان وأشعل النيران في الجسد.

الحقيقة أن إسرائيل هي التي خلقت الكارثة، ثم تحاول الآن إعادة تشكيل نتائجها بما يخدم مشروعها الاستعماري، لا إنسانيًا، بل استغلاليًا للكارثة التي صنعتها بيدها في المقام الأول.

مدن نتانياهو "الإنسانية"، نسخة جديدة من "آوشفيتز"

مقدّمة للترحيل الكامل والاستيطان

ليست خطط إسرائيل المتعلقة بغزة سرًا، فقد صرّح العديد من أعضاء حكومة نتانياهو علناً، بل ونتانياهو نفسه، علنًا بأن غزة يجب أن تكون "أرضًا نظيفة من الإرهابيين"، أو "خالية من التهديدات". هذه التصريحات، حين تقرأ في السياق الصهيوني، تعني شيئًا واحدًا: ترحيل السكان الفلسطينيين واستبدالهم بمستوطنين يهود. واليوم نسمع أخباراً وتسريبات عن اتصالات بين إدارة ترامب وعدد من الدول في أفريقيا وآسيا لاستقبال أهل غزة.

إن المدن "الإنسانية" ليست سوى الخطوة الأولى في تنفيذ هذا المخطط، فهي تعمل كـ"محطة انتظار" قبل دفع الفلسطينيين نحو سيناء أو أي منطقة أخرى خارج قطاع غزة، بينما يُعاد تشكيل الخريطة الديموغرافية لغزة بما يتناسب مع الطموحات التوسعية الإسرائيلية.

مدن نتانياهو "الإنسانية"، نسخة جديدة من "آوشفيتز"

إذا كان الهدف إنسانيًا.. فأين الغذاء والماء؟

من يسعى لحل "إنساني"، يبدأ بتقديم الماء لا بإلقاء القنابل. تبدأ الإنسانية بإدخال المساعدات الطبية والغذائية، وليس بإقامة أسوار عازلة وإغراق المخيمات بالخيام البلاستيكية.

غزة اليوم تتضور جوعًا. الآلاف يعانون من الجفاف والأمراض المعدية. المستشفيات تحوّلت إلى مقابر. وفي هذه الظروف، لا يُمكن لأي طرح "إنساني" من قبل نتانياهو أن يُؤخذ على محمل الجد، خاصة وأنه يأتي في أعقاب حملة إبادة شاملة شملت القصف الجوي، البري، والحصار الكامل.

مدن نتانياهو "الإنسانية"، نسخة جديدة من "آوشفيتز"

ختام

ما يحدث في رفح اليوم ليس مشروعًا إنسانيًا، بل نسخة معاصرة من الجرائم النازية، تُنفذ أمام أعين العالم بصمتٍ مريب. المدن "الإنسانية" ما هي إلا واجهة لمعسكرات اعتقال تهدف إلى تحييد الشعب الفلسطيني، وتفريغ غزة تمهيدًا لاستيطانها. وإذا كان العالم قد أقسم "أبدًا لن تتكرر"، فإن الصمت اليوم يجعلنا نسأل بمرارة: أليست هذه هي الإبادة ذاتها.. ولكن بلغات مختلفة؟

/انتهى/

رمز الخبر 1960750

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha