وكالة مهر للأنباء: بعد سنوات من التكهنات والتحليلات الإعلامية المختلفة حول الخلافات الخفية بين الرياض وأبوظبي، أن أحداث اليوم في اليمن لم تعد تدع مجالًا للشك في عمق الخلاف بين البلدين. ولأول مرة في التاريخ، قصفت طائرات حربية سعودية سفنًا إماراتية في جنوب اليمن، كما أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانًا صريحًا أكدت فيه أن تصرفات الإمارات تهدد الأمن القومي السعودي.
على الرغم من أن مثل هذا التطور في اليمن كان متوقعًا دائمًا، وتكرر الحديث عن وجود صراعات وخلافات خفية بين السعودية والإمارات، إلا أن حدته ونطاقه قد بلغا الآن مستوى أجبر السعوديين على اتخاذ مثل هذه الإجراءات العلنية. إضافةً إلى التطورات الأخرى في المنطقة، والتقارير التي تفيد بتورط إسرائيل الواضح في المشهد اليمني، فإننا نواجه خطةً أوسع نطاقًا تُصمَّم وتُطوَّر ليس في الرياض وأبو ظبي، بل في مركز أبحاث إسرائيلي.
في غضون ذلك، ومنذ أن بدأت عناصر من المجلس الانتقالي الجنوبي (الموالي للإمارات) هجماتها في حضرموت والمهرة في الثاني من ديسمبر، تُعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها السعودية الإمارات بهذه الصراحة والوضوح، قولًا وفعلًا، مما يُظهر قلق المملكة العربية السعودية البالغ إزاء الأحداث الجارية في جنوب اليمن.
وفي بيانها الصادر اليوم، أعلنت السعودية أن الإمارات ضغطت على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لتنفيذ "عمليات عسكرية على الحدود الجنوبية للسعودية"، وهي أعمال تقول الرياض إنها تُشكِّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي، فضلًا عن أمن واستقرار اليمن والمنطقة بأسرها.
الفصل الأول: التحالف الإسرائيلي الإماراتي ضد السعودية
في هذا السياق، لا بد من العودة إلى ما قبل أسبوعين، حين ذكر موقع "ميدل إيست مونيتور" في تقرير له أن العلاقات داخل مجلس التعاون الخليج الفارسي تشهد انقسامات عميقة، ما يضع "وحدة دول المجلس" أمام اختبار غير مسبوق.
ونقل الموقع عن مسؤول رفيع المستوى ينتمي إلى إحدى العائلات الحاكمة في المنطقة قوله إن الصراعات الخفية والتحالفات المتغيرة تجاوزت حدة الخلافات التقليدية، ووصلت إلى حد الصراع الجيوسياسي بين القوى الإقليمية.
ثم كشف المسؤول العربي عن موضوع جديد، وتحدث عن التحالف الإسرائيلي الإماراتي لمواجهة السعودية، قائلاً: "هناك مفاجأة كبيرة تحدث، فالتعاون الإسرائيلي السري والمتنامي مع الإمارات العربية المتحدة يسعى إلى تقويض دور السعودية التقليدي كقوة مهيمنة في الخليج الفارسي".
وأضاف أن هذا التحالف السري يحاول إعادة تعريف موازين القوى في المنطقة، ومعاقبة الرياض على "بطئها" في تطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر اتفاقيات "أبراهام".
أكد أن "الصور التي تُروج لوحدة دول الخليج الفارسي ليست سوى واجهة إعلامية براقة، تخفي وراءها خصومات مريرة، وصراعات على النفوذ، وخيانات متبادلة بين العواصم".
وتشير هذه المعلومات إلى أن مفهوم "البيت الخليج الفارسي الموحد" بات على وشك الانهيار، وأن احتمال انقسام المجلس إلى معسكرين بات وارداً: معسكر محافظ بقيادة السعودية، قد تنضم إليه قطر وعُمان، وآخر يتجه نحو التغيير الجذري والتطبيع، بقيادة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب البحرين والكويت.
الفصل الثاني: مصالح إسرائيل في تشكيل دولة جنوب اليمن
في تقرير تحليلي، وصف المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن الداخلي التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة في المحافظات الجنوبية لليمن بأنها "تحول استراتيجي دراماتيكي" أدى، بحسب المعهد، إلى تقسيم اليمن فعلياً إلى قسمين، شمالي وجنوبي.
ويُخصص الجزء الأكبر من تقرير المعهد لتداعيات هذه التطورات على الكيان الإسرائيلي. يكتب غوزانسكي: "لن يزول التهديد الذي تُشكّله القوات المُسيطرة على صنعاء على المدى القريب"، لأن تقسيم اليمن سيُمكّنها من توطيد سيطرتها في الشمال. ومع ذلك، يُؤكد التقرير على أن "فرصة استراتيجية" قد فُتحت.
ويُشير التقرير إلى أن: "تشكيل كيان جنوبي مستقر بدعم من الإمارات العربية المتحدة، التي تُسيطر على ميناء عدن الاستراتيجي قرب باب المندب، قد يُحدّ من النفوذ الإيراني في إحدى أكثر المناطق البحرية حساسية لأمن إسرائيل".
أفادت القناة الحادية عشرة الإسرائيلية أمس بأن تل أبيب تدرس الاعتراف بدولة جنوب اليمن في حال قيامها.
وكان عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، قد صرّح سابقًا في عام 2021، ثم في سبتمبر/أيلول 2025، بأنه في حال الاعتراف بجنوب اليمن كدولة مستقلة، فإن إسرائيل مستعدة للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام وإقامة علاقات معها.
وبالتالي، إذا ما قامت هذه الدولة، فبإمكان الكيان الإسرائيلي السيطرة على عدة مناطق بحرية تمتد من بحر مكران إلى باب المندب. ولنضع هذا في سياق اعتراف تل أبيب الأخير بمنطقة "أرض الصومال"، التي تطلّ بالكامل على باب المندب.
الفصل الثالث: جنوب اليمن، أحدث ضربة لطموحات الرياض
لطالما شكّل اليمن، الجارة الجنوبية للسعودية، منطقةً محوريةً في المعادلات الجيوسياسية للخليج الفارسي. فهو لا يقتصر على مشاركته حدودًا طويلةً تمتد لنحو 1800 كيلومتر مع السعودية، بل يمنحه موقعه الجغرافي السيطرة على مضيق باب المندب والوصول إلى بحر العرب.
بالنسبة للرياض، يُعدّ اليمن أكثر من مجرد جار؛ فهو بوابة استراتيجية لأمن الطاقة، وتوسيع النفوذ الإقليمي، وتقليل الاعتماد على طرق التصدير المحفوفة بالمخاطر.
وتُظهر الحرب اليمنية منذ عام 2015، حين قادت السعودية التحالف ضد أنصار الله، عمق هذه الأهمية. لكن جذور الاهتمام السعودي باليمن تعود إلى عقود مضت، حين سعت الرياض إلى الوصول المباشر إلى المياه الجنوبية لليمن لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز. هذا المضيق، الذي يمر عبره أكثر من 90% من صادرات النفط السعودية، يخضع للنفوذ الإيراني، وأي اضطراب فيه قد يُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد السعودي. يُعدّ التركيز على محافظتي حضرموت والمهرة في شرق اليمن جانبًا رئيسيًا من هذه الاستراتيجية. فحضرموت، التي تمتد حدودها مع السعودية على مسافة 684 كيلومترًا، تضمّ نحو 80% من احتياطيات النفط المؤكدة في اليمن. ولا تقتصر أهمية هذه المحافظة على غناها بالموارد النفطية فحسب، بل يتيح موقعها الجغرافي أيضًا للسعودية الوصول إلى بحر العرب (مكران).
أما المهرة، المتاخمة لسلطنة عُمان، فتؤدي دورًا مكملاً، وتُعتبر نقطة خروج مثالية لخطوط أنابيب النفط. وقد سعت السعودية لعقود من الزمن إلى إنشاء خط أنابيب يمتد من حقولها النفطية عبر خاركير في حضرموت إلى ميناء النشتون في المهرة.
ويعود تاريخ هذا المشروع إلى عهد علي عبد الله صالح (الرئيس اليمني الأسبق)، حيث اقترح إنشاء ممر بري بطول 300 كيلومتر لنقل النفط السعودي مباشرة إلى بحر العرب، متجاوزًا مضيق هرمز. سيُوفر هذا الوصول طريقًا بديلًا آمنًا ليس فقط للسعودية، بل أيضًا لدول الخليج الفارسي أخرى كالعراق والكويت والبحرين، وسيُعزز هيمنة الرياض في المنطقة.
يمكننا الآن فهم سبب تحرك السعودية الحازم ضد تحركات الإمارات في اليمن، ولماذا يشعر السعوديون بهذا الغضب الشديد.
ختامًا، دخل الخليج الفارسي مرحلة إعادة تعريف شاملة للولاءات والتحالفات؛ مرحلة تُشبه اتفاقية سايكس بيكو سياسية جديدة لن تقف السعودية مكتوفة الأيدي بشأنها، وتُنذر بتغييرات أعمق في خريطة المنطقة خلال السنوات القادمة.
/انتهى/
تعليقك