٢٨‏/١٢‏/٢٠٢٥، ١١:١٣ ص

تقرير خاص لمهر؛

قرصنة نفطية وعسكرة العقوبات..ماذا وراء تبرير المؤسسات الأمريكية للحصار غيرالشرعي على فنزويلا؟!

قرصنة نفطية وعسكرة العقوبات..ماذا وراء تبرير المؤسسات الأمريكية للحصار غيرالشرعي على فنزويلا؟!

خلافًا لما يدّعيه المحللون الأمريكيون، فإن التهديد الرئيسي لأمن الطاقة والتجارة العالميين ليس فنزويلا، ولا إيران، ولا "الأسطول الخفي"، بل السياسة الخارجية العدوانية والأحادية للولايات المتحدة.

وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: إن التحليلات المنشورة هذه الأيام في وسائل الإعلام الأمريكية ومراكز الأبحاث حول تصعيد الضغط البحري على فنزويلا، لا تصف الواقع الجيوسياسي فحسب، بل تعكس عقلية قديمة وخطيرة في السياسة الخارجية الأمريكية؛ عقلية تُسمّي التدخل والحصار والاستيلاء على ممتلكات الآخرين ليس عدوانًا، بل "إنفاذًا للقانون". يُصوّر احتجاز ناقلة النفط الفنزويلية "سكيبر" وفرض حصار نفطي فعلي على كاراكاس، في الرواية الأمريكية، كإجراء مشروع لمواجهة نظام مادورو، لكنهما في الواقع مثال واضح على عسكرة العقوبات والعودة إلى منطق الاستعمار البحري في القرن التاسع عشر.

كتب مركز الأبحاث الأمريكي "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" في تقريره الأخير: "الولايات المتحدة محاصرة بناقلات نفط خاضعة للعقوبات في فنزويلا. إيران تستحق المعاملة نفسها". ولا يقتصر الخطر الرئيسي لهذه الرواية على فنزويلا فحسب، بل يُصرّح مؤلفو "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" صراحةً بأن هذا النموذج يُمكن استخدامه ضد دول أخرى أيضاً. بعبارة أخرى، ما يحدث في مياه الكاريبي اليوم هو بمثابة تدريب عملي لسيناريو قد يُطبّق غداً في الخليج الفارسي أو بحر عُمان.

استعراض "إنفاذ القانون" وحقيقة القرصنة التي تديرها الدولة

تحاول الرواية الأمريكية تصوير مصادرة ناقلات النفط في سياق "إنفاذ العقوبات" و"مكافحة التهريب"، إلا أن هذا الإطار مشوّهٌ بشدة من منظور القانون الدولي. فالعقوبات الأمريكية الأحادية، حتى وإن كانت مشروعة من وجهة نظر واشنطن، تفتقر إلى أي أساس قانوني دولي ملزم. ولا يوجد أي قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي يُجيز للولايات المتحدة مصادرة السفن في أعالي البحار أو المياه الإقليمية للدول الأخرى.

ما تفعله الولايات المتحدة ليس إنفاذًا للقانون، بل فرضًا لإرادتها بالقوة العسكرية. ثمة فرق جوهري بين مكافحة القرصنة والقرصنة نفسها، فعندما تستولي قوة عسكرية على ممتلكات دولة ذات سيادة دون تفويض دولي، فإنها تضع نفسها في موقف القرصان الذي تدّعي محاربته.

عسكرة العقوبات؛ تجاوز خطير للخطوط الحمراء

تُعتبر العقوبات أداة اقتصادية ودبلوماسية في الأدبيات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، لكن ما تسعى إليه الولايات المتحدة مع فنزويلا هو تحويلها إلى أداة عسكرية مباشرة. إن نشر حاملات الطائرات والمدمرات ووحدات مشاة البحرية، إلى جانب الاستيلاء على ناقلات النفط، يُظهر بوضوح أن واشنطن قد تجاوزت مرحلة الضغط الاقتصادي ودخلت مرحلة الحصار العسكري غير الرسمي.

لهذا التوجه تداعيات تتجاوز حدود فنزويلا. فإذا ما استطاعت أي دولة أن تُعرّض سلامة خطوط الشحن الدولية للخطر بالاستناد إلى عقوباتها الداخلية، فإن أسس التجارة العالمية ستنهار. وسيصبح أمن الطاقة، الذي يُعدّ شريان الحياة للاقتصاد العالمي، أداة في يد القوى العسكرية؛ وهو توجه سيؤدي، قبل كل شيء، إلى عدم الاستقرار ونشوب صراعات واسعة النطاق.

سردية "النظام غير الشرعي": أداة لتبرير التدخل

في التحليل الأمريكي، لا تُقدّم فنزويلا كدولة مستقلة، بل كـ"نظام مادورو"؛ وهو وصف له وظيفة محددة: نزع الشرعية لتبرير الضغط والعقوبات، وفي نهاية المطاف التدخل. لقد طُبّق هذا النموذج بالفعل في العراق وليبيا وسوريا، وحتى في إيران.

تعتبر الولايات المتحدة نفسها الحكم على شرعية الحكومات، دون الالتفات إلى نتائج الانتخابات، أو الهياكل القانونية المحلية، أو مبدأ السيادة الوطنية. في حين أن العديد من حلفاء أمريكا في المنطقة والعالم يفتقرون إلى الحد الأدنى من الديمقراطية، لكنهم لا يواجهون مثل هذه الضغوط. معيار الشرعية ليس تصويت الشعب، بل مدى الامتثال لواشنطن.

النفط كشريان حياة؛ حرب اقتصادية ضد الشعوب

يُشير التحليل الأمريكي بوضوح إلى أن قطع صادرات النفط قد يؤدي إلى "الانهيار المالي لنظام مادورو". ما يتم تجاهله عمدًا هو أن الانهيار الاقتصادي، قبل كل شيء، يستهدف حياة الناس العاديين. لا يضغط حظر النفط والحصار على النخبة السياسية، بل على العمال والمرضى وكبار السن والأطفال.

أظهرت تجربة إيران والعراق وفنزويلا أن الحرب الاقتصادية ليست أداة لتغيير سلوك الحكومات، بل سلاح للعقاب الجماعي للأمم. تُدرك الولايات المتحدة هذه العواقب، لكنها تُواصل هذا النهج، ثم تُعزو الأزمة الإنسانية الناجمة إلى "سوء إدارة داخلية".

أسطول الظل: نتيجة للعقوبات، وليس جريمة مُتأصلة

يركز تحليل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات على "أسطول الظل"، وهو شبكة من السفن تعمل على الالتفاف على العقوبات. لكن السؤال الأساسي هو: هل كان سيتشكل مثل هذا الأسطول لولا وجود عقوبات غير قانونية؟ يُعد أسطول الظل نتاجًا مباشرًا لسياسات العقوبات الأمريكية. فعندما تُغلق طرق التجارة الرسمية، يتجه الاقتصاد العالمي نحو الطرق غير الرسمية. تقوم الولايات المتحدة أولًا بإغلاق الطرق القانونية، ثم تُصوّر النتيجة الحتمية على أنها "تهديد أمني". إنها حلقة مفرغة تُعاد صياغتها عمدًا.

فنزويلا كمختبر؛ إيران كهدف نهائي

يكمن أخطر ما في تحليل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في حديثها الصريح عن "وضع نموذج لإيران". يُظهر هذا الاعتراف أن هدف واشنطن ليس مجرد الضغط على فنزويلا، بل ابتكار آلية جديدة للتعامل مع الدول المستقلة.

إذا ما تمّت التطبيع مع احتجاز ناقلة النفط الفنزويلية، فسيُستخدم المنطق نفسه لتبرير احتجاز سفن من دول أخرى، بما فيها إيران. تُهدد هذه العملية أمن الخليج الفارسی تهديدًا خطيرًا، وقد تُعرّض العالم لخطر صراع بحري مباشر. تقع مسؤولية هذا الوضع على عاتق صانعي السياسات الذين فضّلوا القوة على الدبلوماسية.

وهم الكفاءة؛ التجربة الفاشلة للعقوبات

افترض التحليل الأمريكي أن الحصار المتواصل سيؤدي في نهاية المطاف إلى استسلام سياسي. وقد فشل هذا الافتراض مرارًا وتكرارًا على أرض الواقع. فلم تُفضِ العقوبات المُرهِقة المفروضة على إيران، ولا الحصار المفروض على كوبا، ولا الضغط الأقصى على فنزويلا إلى تغيير النظام.

ما تغيّر ليس سلوك الحكومات، بل مستوى انعدام الثقة بالدول في الولايات المتحدة. فقد عزّزت العقوبات اقتصادات المقاومة، ووسّعت التعاون بين دول الجنوب، وقلّلت الاعتماد على النظام المالي الغربي؛ وهو اتجاه يُضعف موقف أمريكا على المدى البعيد.

خلاصة

خلافًا لما يدّعيه المحللون الأمريكيون، فإن التهديد الرئيسي لأمن الطاقة والتجارة العالمية ليس فنزويلا، ولا إيران، ولا "الأسطول الخفي"، بل السياسة الخارجية الأمريكية العدوانية والأحادية. فالحصار البحري، ومصادرة السفن، وعسكرة العقوبات، تدفع العالم نحو مزيد من عدم الاستقرار.

وما يحدث في منطقة الكاريبي اليوم، إن لم يُكبح، سيتكرر غدًا في ممرات مائية حيوية أخرى في العالم. وبهذا النهج، لا تحافظ أمريكا على النظام الدولي ولا تُنفذ القانون؛ بل تُصبح أكبر منتهك للنظام الذي تدّعي حمايته.

/انتهى/

رمز الخبر 1966682

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha