٠٦‏/٠١‏/٢٠٢٦، ٢:٥١ م

صمت أوروبا ولغتها المبهمة: انهيار المصداقية الأخلاقية للغرب في قضية فنزويلا

صمت أوروبا ولغتها المبهمة: انهيار المصداقية الأخلاقية للغرب في قضية فنزويلا

يشير صمت قادة بروكسل ولغتهم المبهمة في قضية فنزويلا إلى تغليب تبعيتهم الجيوسياسية على الأخلاق ومبادئ القانون الدولي؛ وهو نهجٌ يُؤذن بفصلٍ جديدٍ في انهيار المصداقية الأخلاقية للغرب.

وكالة مهر للأنباء _ قسم الشوؤن الدولية: شهد العالم مرةً أخرى انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية والقانون الدولي؛ إذ هاجمت القوات الأمريكية كاراكاس بأوامر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واختطفت نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته.

في غضون ذلك، استحوذ رد فعل حلفاء أمريكا الأوروبيين على هذا الهجوم العدواني على اهتمام العالم. لم يكن ردهم إدانةً صريحةً ولا تأييدًا صريحًا، بل كان صمتًا مدروسًا ولغةً دبلوماسيةً ملتبسةً تهدف إلى النأي بأنفسهم عن أي موقفٍ حاسم. استخدم قادة الاتحاد الأوروبي البارزون، أنطونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين وكايا كالاس، عبارات مثل "قلق بالغ" و"ضبط النفس" و"حل سلمي" في بياناتهم، لكن لم يجرؤ أي منهم على ذكر الولايات المتحدة بالاسم، إلى جانب عبارات مثل "عدوان" و"انتهاك القانون الدولي" و"تدخل عسكري غير قانوني".

من وجهة نظر المراقبين، لا يعود هذا الصمت والغموض إلى اللامبالاة فحسب، بل هو نتاج حسابات دقيقة للمصالح الاقتصادية وتبعية أوروبا الجيوسياسية لواشنطن، الأمر الذي يُكبّد القارة ثمناً باهظاً من حيث مصداقيتها السياسية والأخلاقية.

من ازدواجية المعايير إلى تقاعس أوروبا أمام الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي

إن مقارنة رد الاتحاد الأوروبي على الهجوم الأمريكي على فنزويلا بمواقفه في أزمات مماثلة ترسم صورة صادمة لازدواجية المعايير. عندما غزت روسيا أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، أصدر الاتحاد الأوروبي بيانات إدانة وفرض عقوبات شاملة في غضون ساعات، واصفًا ذلك بأنه "انتهاك غير مبرر لسيادة دولة ذات سيادة". أما في حالة فنزويلا، فقد رفض الاتحاد نفسه، الذي يدّعي قيادة النظام القائم على القواعد، حتى استخدام كلمتي "عدوان" أو "تدخل عسكري" لوصف العمل الأمريكي.

صمت أوروبا ولغتها المبهمة: انهيار المصداقية الأخلاقية للغرب في قضية فنزويلا

كان عجز أوروبا وتبعيتها واضحًا جليًا في المؤتمر الصحفي للاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الاثنين. أجابت أنيتا هايبر، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، على أسئلة متكررة وحادة من الصحفيين الذين سألوا: "هل تسمّون هذا غزوًا، أم تدخلًا، أم انقلابًا خارجيًا؟": "لم يكن هناك نقاش حول ما نسميه!". هذا التصريح الذي يبدو بريئًا هو في الواقع اعتراف ضمني بعجز أوروبا أو عدم رغبتها في مواجهة الواقع. عندما أصر مراسل DW على السؤال: "هل كان هذا متوافقاً مع القانون الدولي؟"، كان رد المسؤول الأوروبي: لا يزال من السابق لأوانه تقييم عواقب وأبعاد الأحداث القانونية!

في حين أن التقييم القانوني لهجوم عسكري واختطاف رئيس دولة ذات سيادة لا يتطلب "مزيدًا من الوقت"؛ إذ يحظر ميثاق الأمم المتحدة، في المادة الثانية، الفقرة الرابعة، صراحةً التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. ولكن بدلًا من الاستشهاد بهذا المبدأ الواضح، فضّلت أوروبا التستر وراء عبارات مثل "فرصة للانتقال الديمقراطي".

كما أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن لندن "لم يكن لها أي دور" في هذه العملية، وامتنع عن إدانة العمل الأمريكي، مكتفيًا بالقول: "لطالما أكدنا على ضرورة احترام القانون الدولي". إن مثل هذه التصريحات المبتذلة، إلى جانب الصمت حيال الانتهاك الصارخ لهذه المبادئ نفسها، تُعدّ، قبل كل شيء، دليلًا على الإذلال السياسي.

أما إيمانويل ماكرون، الذي أعرب في البداية عن فرحته بما أسماه "تحرير الشعب الفنزويلي من الديكتاتورية"، فقد اضطر إلى التصريح، بعد انتقادات داخلية، بأن "الأسلوب الذي استخدمته الولايات المتحدة لا يحظى بموافقة باريس ولا بدعمها"، ولكنه مع ذلك امتنع عن الإدانة الصريحة.

يبعث هذا السلوك المزدوج برسالة واضحة للعالم مفادها أن القانون الدولي لا يمثل أهمية لأوروبا إلا عندما لا تكون المصالح الاستراتيجية للغرب على المحك. فعندما يُتهم خصمٌ مثل روسيا، تُصدر أوروبا حكمها فورًا، ولكن عندما يرتكب حليفها الاستراتيجي، الولايات المتحدة، الفعل نفسه، فإنها تُفضل طلب "مزيد من الوقت للتقييم".

وقد شككت جهات فاعلة عديدة، مثل الصين وروسيا، في هذا النهج الغربي، ولا سيما الأوروبي. فقد صرّحت بكين في بيان لها بأن "الغرب لا يدافع عن القانون الدولي إلا عندما يخدم مصالحه"، بينما أكدت موسكو أن "هذا الإجراء يُظهر أن القانون الدولي ليس إلا أداة يستخدمها الغرب لقمع الآخرين".

المصالح الاقتصادية والجيوسياسية: الدوافع الخفية لقادة بروكسل

يرى الخبراء أن صمت أوروبا إزاء التحرك الأمريكي ضد فنزويلا ليس ناتجًا عن إهمال أو جهل، بل هو نتاج حسابات دقيقة للمصالح الاقتصادية والتبعيات الجيوسياسية. لطالما كانت فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، محط أنظار القوى الكبرى. لا يمكن لأوروبا، الساعية لتنويع مصادر طاقتها بعد إنهاء اعتمادها على النفط والغاز الروسيين، أن تقبل خطر فقدان الوصول إلى موارد فنزويلا.

وضعت العقوبات الأمريكية المفروضة على حكومة مادورو أوروبا مرارًا وتكرارًا في موقف حرج؛ فمن جهة، رغبت بعض الدول الأوروبية، ولا سيما إسبانيا وإيطاليا، في الحفاظ على علاقاتها مع فنزويلا نظرًا لروابطها التاريخية والاقتصادية، ولكن من جهة أخرى، لم يترك ضغط واشنطن للموافقة على العقوبات خيارًا سوى الامتثال. والآن، بعد أن تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر وسيطرت على إدارة فنزويلا، تأمل أوروبا، من خلال دعمها الضمني لهذا الإجراء، في ضمان حصتها في هيكل السلطة الجديد في فنزويلا.

لكن بعيدًا عن النفط، يُعدّ اعتماد أوروبا الاقتصادي على الولايات المتحدة عاملًا رئيسيًا في هذا الصمت. فخلال فترة رئاسته، هدد دونالد ترامب أوروبا مرارًا وتكرارًا بفرض تعريفات جمركية، ووصف الاتحاد الأوروبي بأنه "عدو تجاري". في ظل هذه الظروف، قد يُؤدي أي موقف معارض لسياسات واشنطن إلى تفاقم التوترات التجارية والاقتصادية. ولا يُمكن لأوروبا، التي لا يزال اقتصادها يُعاني من تداعيات فيروس كورونا، والحرب في أوكرانيا، وأزمة الطاقة، تحمّل مخاطر العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

علاوة على ذلك، تحتاج أوروبا إلى الدعم الأمني والاستراتيجي الأمريكي في تنافسها الجيوسياسي مع الصين وروسيا. فحلف الناتو، الذي يُمثّل ركيزة الأمن الأوروبي، لا يُمكن تصوره بدون قيادة واشنطن. في ظل هذه الظروف، لا يُمكن لأوروبا أن تُخاطر بإضعاف علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، حتى لو كان ذلك يعني تجاهل الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي.

التكاليف المستقبلية؛ الآثار السياسية والأمنية والأخلاقية على أوروبا

قد يُفيد صمت أوروبا إزاء الهجوم الأمريكي على فنزويلا مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية على المدى القصير، لكنه سيُكبّدها على المدى البعيد ثمناً باهظاً على مصداقيتها السياسية والأخلاقية، بل وحتى الأمنية.

تتمثل النتيجة الأولى والأهم في فقدان أوروبا لمصداقيتها في الجنوب العالمي. فدول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، التي شهدت لسنواتٍ طويلة تردد الغرب تجاه القانون الدولي، تواجه الآن أدلةً أكثر موضوعية. وقد وصفت أحزاب اليسار في أوروبا، من أيرلندا إلى إسبانيا، العمل الأمريكي بأنه "عدوان إمبريالي"، ودعت الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ موقفٍ واضح. أصدر حزب العمال الأيرلندي وحزب الشعب الأيرلندي اليساري "الشعب قبل الربح" بيانين منفصلين، جاء فيهما أن هذه الخطوة تُظهر أن الغرب لا يُبالي إلا بمصالحه الخاصة، وينظر إلى القانون الدولي كأداة لتبرير سياساته. ورغم أن هذه الانتقادات صادرة من داخل أوروبا، إلا أنها تلقى صدى واسعاً في الجنوب العالمي، وتُضعف موقف أوروبا على الساحة الدولية.

أما النتيجة الثانية، فهي إضعاف موقف أوروبا في الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية. فقد دأبت أوروبا لعقود على تقديم نفسها كمدافعة عن القيم الديمقراطية، ودعت الدول الأخرى إلى احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير وسيادة القانون. لكن التزام الصمت إزاء اختطاف رئيس دولة ذات سيادة يُرسل رسالة واضحة مفادها أن هذه القيم لا قيمة لها إلا عندما تتوافق مع المصالح الغربية.

أما النتيجة الثالثة، فهي التداعيات طويلة الأمد على النظام متعدد الأطراف. فالأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، وغيرها من المؤسسات الدولية التي دافعت عنها أوروبا مراراً باعتبارها ركائز النظام العالمي، تواجه الآن تحدياً أكثر خطورة. إذا كان بإمكان قوة عظمى غزو دولة أخرى دون أي عواقب، واختطاف رئيسها ومحاكمته دون مذكرة توقيف دولية، فما جدوى ميثاق الأمم المتحدة؟ بصمتها، تُسهم أوروبا فعلياً في إضعاف المؤسسات التي تدّعي دعمها.

أما النتيجة الرابعة فهي تأثيرها على أمن أوروبا نفسه. إذا قبلت أوروبا اليوم أن بإمكان الولايات المتحدة غزو أي دولة دون احترام القانون الدولي، فما الضمانة غداً لعدم استخدام هذه السابقة ضد أوروبا نفسها؟ إذا كان من السهل انتهاك مبدأي "السيادة الوطنية" و"عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول"، فلا يمكن لأي دولة أن تطمئن إلى أمنها. هذا هو المنطق نفسه الذي شكّل ميثاق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه ينهار الآن مع صمت أوروبا.

أخيرًا (النتيجة الخامسة)، سيقضي صمت أوروبا اليوم على قدرتها على الاحتجاج غدًا. إذا لم تستطع أوروبا رفع صوتها ضد الانتهاك الصارخ للقانون الدولي من قبل حليفها الاستراتيجي، فكيف تتوقع من الدول الأخرى أن تُصغي إلى مواقفها؟ لا تُكتسب المصداقية الأخلاقية بين عشية وضحاها، ولكن يمكن فقدانها إلى الأبد بصمتٍ مُتعمّد. لم يعد بإمكان أوروبا الضعيفة والتابعة أن تُطلق على نفسها لقب قائدة العالم الحر، لأنها في لحظة حاسمة فضّلت المصالح قصيرة الأجل على المبادئ طويلة الأجل.

باختصار، تكمن الحقيقة المُرّة في أن أوروبا، باختيارها هذا، لم تفقد مصداقيتها فحسب، بل ساهمت أيضًا في ترسيخ منطق القوة الذي ادّعت محاربته. شكّل الانهيار الأخلاقي لأوروبا في فنزويلا فصلًا جديدًا في انهيار ادعاء القارة بالقيادة القائمة على القيم.

/انتهى/

رمز الخبر 1967053

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha