٠٤‏/٠١‏/٢٠٢٦، ١٢:٠٨ م

فنزويلا في قلب الاشتباك الدولي..حين تتحوّل السيادة إلى اختبار للهيمنة الأميركية

فنزويلا في قلب الاشتباك الدولي..حين تتحوّل السيادة إلى اختبار للهيمنة الأميركية

أكدت الكاتبة والإعلامية، رانيا كامل يونس، أن ما يجري في فنزويلا لا يمكن اختزاله في صراع داخلي أو أزمة اقتصادية، معتبرة أن البلاد أصبحت نموذجًا صارخًا لطريقة إدارة الولايات المتحدة للعالم، حيث تُختبر السيادة الوطنية في مواجهة منطق الهيمنة

وكالة مهر للأنباء_ رانيا كامل يونس: ما جرى ويجري في فنزويلا لا يمكن اختزاله في سردية داخلية عن نظام ومعارضة، ولا في قراءة اقتصادية سطحية لأزمة نفط أو عملة. فنزويلا اليوم تمثّل نقطة تماس صريحة بين منطق السيادة الوطنية ومنطق السيطرة الأميركية على النظام الدولي، في لحظة عالمية تشهد إعادة تشكيل موازين القوى، وتراجع القدرة الأميركية على فرض إرادتها بسلاسة كما في السابق.
من هنا، فإن التعامل الأميركي مع فنزويلا لا يبدو استثناءً، بل حلقة إضافية في سلسلة طويلة من إدارة العالم بأسلوب فوقي عنيف، لا يحتمل نماذج مستقلة، حتى وإن كانت تلك النماذج غير معادية عسكريًا.

فنزويلا… الدولة التي اختارت طريقًا مختلفًا

منذ عهد هوغو تشافيز، اختارت فنزويلا مسارًا سياديًا مستقلًا نسبيًا عن المنظومة الأميركية التقليدية في أميركا اللاتينية، سواء في إدارة مواردها الطبيعية، أو في تحالفاتها الدولية، أو في خطابها السياسي.

هذا الخيار، بغضّ النظر عن تقييم نتائجه الاقتصادية أو الإدارية، شكّل خروجًا عن القاعدة التي تفضّلها واشنطن: أن تكون الدول الغنية بالموارد جزءًا من منظومة خاضعة سياسيًا واقتصاديًا.
فالأزمة الفنزويلية، في جوهرها، ليست عقابًا على فشل داخلي بقدر ما هي رفض أميركي لنموذج لا يدور بالكامل في الفلك الأميركي.

ثانيًا: العقوبات كأداة حرب ناعمة

السياسات الأميركية تجاه فنزويلا اعتمدت بشكل رئيسي على العقوبات الاقتصادية والمالية، التي قُدّمت للعالم بوصفها «وسيلة ضغط ديمقراطية»، لكنها في الواقع شكّلت أداة خنق ممنهج لدولة بأكملها، من حيث تقييد تصدير النفط، وتجميد الأصول، ومنع التعاملات المصرفية، إضافة إلى عرقلة استيراد المواد الأساسية.
هذه الأدوات لا تُسقط أنظمة بقدر ما تُنهك الشعوب وتُربك الدول، ثم يُعاد توظيف المعاناة الإنسانية سياسيًا لتبرير مزيد من التدخل.
وهنا تكمن الإشكالية الأخلاقية الكبرى:
من يقرّر متى يُسمح لشعب أن يعيش، ومتى يُضغط عليه باسم القيم؟

هل ما يحدث رسالة لإيران والصين؟

من الصعب فصل ما يجري في فنزويلا عن السياق الدولي الأوسع. الرسالة الأميركية لا تبدو موجّهة إلى كاراكاس وحدها، بل إلى كل دولة تفكّر في إدارة مواردها بعيدًا عن الهيمنة الغربية، وبناء تحالفات موازية، أو تحدّي «النظام الدولي القائم» كما تريده واشنطن.
بالنسبة لإيران، الرسالة واضحة: الضغوط ليست مرتبطة بالملف النووي فقط، بل بفكرة الاستقلال السياسي نفسها.
وبالنسبة للصين، فإن فنزويلا تمثّل نموذجًا لاختبار حدود النفوذ الأميركي، فإلى أي مدى تستطيع بكين حماية مصالحها دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة؟

روسيا… براغماتية لا خيانة

أما الحديث عن أن روسيا «باعت» فنزويلا مقابل تعزيز نفوذها في أوروبا، فهو تبسيط مخلّ.
موسكو تتعامل بمنطق البراغماتية الاستراتيجية، لا العواطف الأيديولوجية. دعمها لفنزويلا سياسي ودبلوماسي واقتصادي بحدوده الممكنة، لكن أولوياتها الحالية تتمركز حول الصراع مع حلف الناتو، حربها على أوكرانيا، وإعادة تثبيت موقعها كقوة كبرى.
فروسيا، في الوقت الحالي، لا تملك ترف فتح جبهات مفتوحة في كل مكان، وهذا لا يعني تخليًا، بل إدارة صراع متعدد المستويات.

أين تقف إسرائيل من كل ذلك؟

إسرائيل ليست لاعبًا مباشرًا في الملف الفنزويلي، لكنها مستفيدة استراتيجيًا، بطريقة غير معلنة، من أي سياسة أميركية تُضعف محور الدول الرافضة للهيمنة الأميركية.
كل نجاح لواشنطن في فرض إرادتها على دولة «متمرّدة» يعزّز النموذج ذاته الذي تعتمد عليه إسرائيل في محيطها الإقليمي:
القوة بدل القانون، والضغط بدل التفاهم.

الرسالة الأخطر… إلى العالم العربي

ما يحدث في فنزويلا يجب ألّا يُقرأ بعيون بعيدة عن المنطقة العربية. الرسالة الضمنية شديدة الوضوح:
أي دولة، أي نظام، أي قيادة… تخرج عن السقف المرسوم لها، ستُوضع تحت المجهر، ثم تحت الضغط، ثم في خانة «المشكلة الدولية».
وهنا لا يتعلق الأمر بشكل النظام أو شعاراته، بل بمدى استقلال قراره.
فالعرش الذي لا يحميه اقتصاد متنوّع، ولا شرعية داخلية حقيقية، أو سيادة غير مرهونة، هو عرش قابل للاهتزاز، مهما بدا ثابتًا.
فنزويلا ليست دولة فاشلة بالضرورة، لكنها بالتأكيد نموذج صارخ لطريقة إدارة الولايات المتحدة للعالم… عالم يُدار بمنطق العصا، لا بمنطق التوازن، وبسياسة الإملاء، لا الشراكة.
ففي زمن التحولات الكبرى، تبدو فنزويلا مرآةً صغيرة تعكس صورة كبيرة:
نظام دولي يترنّح، وقوة عظمى ترفض الاعتراف بأن زمن التحكم المطلق يقترب من نهايته… لكنها تصرّ على المحاولة، مهما كانت الكلفة على الآخرين.

ملاحظة: المقالة تعبر عن رأي الكاتبة المحترمة وليس بالضرورة أن تعبر عن رأي الوكالة

/انتهى/

رمز الخبر 1965867

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha