٢٣‏/٠٢‏/٢٠٢٦، ١٢:٥٧ م

دوار في البيت الأبيض: عندما لا تجدي التهديدات ضد إيران نفعاً

دوار في البيت الأبيض: عندما لا تجدي التهديدات ضد إيران نفعاً

تحدث المبعوث الخاص للرئيس ترامب، ستيف ويتكوف، مؤخراً في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، عن إحباط الرئيس الأمريكي ودهشته، متسائلاً عن سبب عدم تراجع إيران رغم الضغوط الواسعة والتهديدات المتكررة واستعراض القوة العسكرية.

وكالة مهر للأنباء: تحمل هذه "الدهشة" وحدها رسالة واضحة: ففي نظر ترامب وفريقه، كان ينبغي على إيران أن تتصرف كبعض الدول الأضعف في النظام الدولي؛ تلك الدول التي تُغير حساباتها عند أول موجة من الضغوط الاقتصادية أو التهديدات العسكرية، وتتخلى عن بعض مصالحها الاستراتيجية لخفض التكاليف. لكن هذا التصور كان مبنياً على افتراض خاطئ منذ البداية.

المشكلة الرئيسية في واشنطن ليست نقصاً في أدوات القوة، بل سوء فهم لطبيعة الطرف الآخر. فقد بنت الحكومة الأمريكية نشاطها على افتراض أن أي دولة ستستسلم عاجلاً أم آجلاً أمام مزيج من الضغوط الاقتصادية الخانقة والتهديد العسكري المستمر. إن إرسال حاملات الطائرات إلى المنطقة، ونشر الطائرات المقاتلة المتطورة، والمناورات رفيعة المستوى، والتصعيد المتزامن للعقوبات، كلها تندرج ضمن هذا المنطق: خلق حالة من "الضغط الأقصى" لإجبار طهران على قبول مطالب أحادية الجانب.

إلى جانب هذه الإجراءات الميدانية، تبلورت حرب سردية. فقد تحدثت العديد من وسائل الإعلام الغربية باستمرار عن "المأزق" و"الاضطرابات الداخلية" و"التدهور الاقتصادي" الذي تعاني منه إيران، وحاولت تصوير الأمر وكأن طهران لا تملك خيارًا سوى التراجع تحت الضغط. حتى أن مصطلحات مثل "الدوار الاستراتيجي" استُخدمت لوصف وضع إيران؛ وكأن هيكل صنع القرار في طهران مرتبك وينهار تحت وطأة الضغط. لكن ما اتضح الآن هو عكس هذه الصورة تمامًا. فقد وصل الأمريكيون أنفسهم إلى نوع من الارتباك؛ ارتباك حول سبب عدم نجاح المعادلة التي وضعوها في أذهانهم على أرض الواقع.

عندما يتساءل الرئيس الأمريكي، صاحب أوسع شبكة نفوذ عسكري واقتصادي في العالم، صراحةً أو ضمناً، عن سبب عدم تراجع الطرف الآخر، فإن السؤال لا يتعلق بإيران بقدر ما يتعلق بانهيار نموذج فكري في واشنطن. دخل ترامب السياسة الخارجية بعقلية نفعية، إذ كان ينظر إلى السياسة كامتداد لمنطق الأعمال؛ حيث مع ازدياد الضغط، يقدم الطرف الآخر تنازلات في نهاية المطاف، ويتم التوصل إلى اتفاق. في هذا الإطار، لكل طرف "نقطة انهيار"؛ نقطة تصبح عندها التكاليف باهظة لدرجة أن التراجع يبدو الخيار الأكثر منطقية. لكن هذا التحليل اصطدم بعقبة أمام إيران.

كما أوضحت مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية في تحليل لها أن ترامب لا يستطيع فهم سبب عدم إجبار الضغوط والتهديدات للزعيم الإيراني على التراجع. ففي رأيه، يمكن شراء أي شخص، ويمكن إجبار أي دولة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بمزيج من التهديدات والتنازلات. لكن هذا الرأي معيب عند مواجهة كيان بنى هويته على الاستقلال والمقاومة. على مدى العقود الأربعة الماضية، لم تتخذ إيران قراراتها الاستراتيجية بدافع الخوف، بل بدافع الأمن والهوية والحسابات التاريخية. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الاستسلام للضغوط الخارجية كخيار تكتيكي، بل كإضعاف لأسس الشرعية الداخلية.

لا تقتصر قوة إيران على قوتها العسكرية أو قدراتها الصاروخية فحسب، مع أن هذه العناصر تُشكل جزءًا من معادلة الردع. ما يجعل سياسة الضغط جوفاء من الداخل هو الارتباط بين الإرادة السياسية والتماسك الهيكلي والخبرة التاريخية في مواجهة التهديدات الخارجية. فقد واجهت الجمهورية الإسلامية ضغوطًا متنوعة منذ تأسيسها: حرب مفروضة، وعقوبات متعددة المستويات، وتهديدات عسكرية، ومحاولات لزعزعة الاستقرار الداخلي. وقد خلقت هذه الخبرة المتراكمة نوعًا من "الذاكرة الاستراتيجية" التي تُؤثر في عملية صنع القرار. في هذا السياق، لا يؤدي تصاعد الضغط إلى تغيير في السلوك فحسب، بل غالبًا ما يُؤدي إلى تعزيز التماسك الداخلي.

كما أن تكديس المعدات العسكرية الأمريكية في المنطقة كان يهدف تحديدًا إلى ترهيب إيران وإجبارها على التراجع. اعتقد البيت الأبيض أن استعراضاً ملموساً للقوة سيكمل الضغط الاقتصادي، وأن هذين العاملين معاً سيضعان طهران في موقف ضعف. لكن النتيجة لم تسر كما هو متوقع. لم تظهر أي بوادر استسلام أو تراجع عن الخطوط المعلنة. بل على العكس، حاولت إيران توجيه رسالة واضحة من خلال الحفاظ على هدوء نسبي على المستوى الدبلوماسي مع التأكيد على الردع: التهديدات ليست أداة فعالة في هذه المعادلة.

في غضون ذلك، لا تتطابق مزاعم بعض الحركات الغربية حول ضعف إيران تمامًا مع الواقع على الأرض. فقد مرت إيران بسنوات عصيبة، وعانت من أشد العقوبات في تاريخها المعاصر، ومع ذلك لم تتراجع عن مبادئها الأساسية. حتى الجهود الحثيثة لخلق حالة من عدم الاستقرار الداخلي باءت بالفشل في إحداث تغيير جذري في توجهات السياسة الخارجية. وقد بات هذا الاستقرار السلوكي لغزًا محيرًا لصناع القرار الأمريكيين. فقد توقعوا تحقيق النتيجة المرجوة في فترة وجيزة من خلال تكثيف الضغط، لكنهم الآن يواجهون واقعًا لا يتوافق مع تصوراتهم الأولية. إن مصطلح "الدوار الاستراتيجي"، إن صح التعبير، يبدو أكثر منطقية في واشنطن منه في أي مكان آخر، حيث لا يزال جزء من النخبة السياسية غير مستعد للاعتراف بأن نموذج الضغط الأقصى ضد دولة بخصائص إيران ليس بالضرورة فعالًا. إن الاستمرار في اتباع السياسة نفسها على أمل أن "تنجح هذه المرة" هو دليل على عدم الكفاءة أكثر من كونه دليلًا على القوة. ويصبح سوء التقدير أكثر خطورة عندما يقترن بالاعتماد المفرط على الأدوات العسكرية. لقد أظهر تاريخ العلاقات الدولية أن سوء تقدير إرادة وقدرات الطرف الآخر قد يؤدي إلى قرارات ذات تكاليف غير متوقعة.

إذن، لا تكمن المشكلة الرئيسية في نقص النفوذ المتاح للولايات المتحدة، بل في عدم إدراكها أن ردود فعل الأطراف على التهديدات تختلف. فقد حددت إيران مسارها بناءً على مزيج من المصالح الوطنية، والاعتبارات الأمنية، ومكونات الهوية. كما أثبتت التجربة أن الضغط الخارجي غالبًا ما عزز هذا المسار بدلًا من تغييره. وسيستمر هذا التخبط إلى أن تُقر واشنطن بأن سياسة الترهيب لا تؤدي بالضرورة إلى الاستسلام.

أصبح الخيار أمام البيت الأبيض أوضح من أي وقت مضى: إما الاستمرار في مسار لم يُحقق أي نتائج حتى الآن، ولم يُسفر إلا عن تراكم التوتر، أو إعادة النظر في رؤية إيران من خلال عدسة تبسيطية. إن إدراك تعقيد بنية السلطة في إيران لا يعني الموافقة عليها، بل هو شرط أساسي لأي سياسة واقعية. بدون مراجعة كهذه، ستستمر دوامة الضغط والمقاومة في التكرار، مما يزيد المسافة بين الجانبين في كل مرة.

وأخيرًا، يتجلى بوضوح اليوم التناقض بين التصور والواقع في الحسابات الأمريكية. التصور الذي اعتقد أن زيادة الضغط ستحقق نتيجة سريعة ومرغوبة، والواقع الذي أظهر أن المعادلات أعقد من أن تُحل بصيغة ثابتة. إذا لم يُسدّ هذا التناقض، فلن يؤدي ذلك إلى مزيد من الارتباك فحسب، بل إلى قرارات أكثر تكلفة أيضًا. لقد أظهرت إيران أنها لن تُغيّر مسارها في مواجهة التهديدات. والآن، يقع على عاتق واشنطن أن تُقرر ما إذا كانت مستعدة لإعادة النظر في افتراضاتها أم ستستمر في الإصرار على نموذجٍ شُكّك في فعاليته.

رمز الخبر 1968665

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha