٠٦‏/٠٥‏/٢٠٢٦، ١:٤١ م

علي الزيدي ورئاسة الحكومة العراقية؛ إعادة إنتاج معادلة المحاصصة في قلب التحولات الإقليمية المتسارعة

علي الزيدي ورئاسة الحكومة العراقية؛ إعادة إنتاج معادلة المحاصصة في قلب التحولات الإقليمية المتسارعة

لا يمكن النظر إلى اختيار علي الزيدي رئيساً جديداً للحكومة العراقية بوصفه مجرد انتقال إداري داخل بنية السلطة في بغداد، بل إن هذا التطور يعكس مرحلة جديدة من الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام السياسي العراقي منذ عام 2003.

وكالة مهر للأنباء: العراق يقف اليوم عند تقاطع معقد بين تآكل شرعية النخب التقليدية، واتساع الفجوة بين الشارع والطبقة السياسية، وتصاعد التنافس الإقليمي، وإعادة رسم موازين القوى بين الولايات المتحدة ومحور المقاومة.

وفي هذا السياق، تبدو قضية الزيدي أبعد من مجرد اسم جرى التوافق عليه داخل أروقة القوى السياسية، إذ تحوّل الجدل حول شخصيته إلى نقاش واسع يتعلق بطبيعة آليات إنتاج السلطة في العراق، وحدود تأثير الفاعلين الخارجيين، وقدرة النظام القائم على إعادة إنتاج نفسه رغم أزماته المتراكمة.

ردود الفعل الأولى تجاه ترشيح الزيدي لم تتركز حول برنامجه الحكومي أو رؤيته الاقتصادية بقدر ما انصبت على غموض خلفيته السياسية، وطبيعة نشاطه الاقتصادي، وعلاقته بالولايات المتحدة، فضلاً عن افتقاره إلى الخبرة التنفيذية والأمنية. وهذا ما جعل ترشيحه يتحول إلى ما يشبه اختباراً جديداً لبنية النظام السياسي العراقي، الذي لا يزال عالقاً بين منطق بناء الدولة ومنطق المحاصصة الحزبية وإدارة النفوذ الخارجي.

أزمة بنيوية في آلية اختيار رئيس الحكومة

تكشف عملية اختيار الزيدي عن أزمة عميقة داخل القوى السياسية الشيعية، ولا سيما داخل «الإطار التنسيقي»، الذي بدا عاجزاً عن إنتاج توافق حقيقي بين أقطابه التقليديين. فالمشهد السياسي العراقي خلال الأسابيع الماضية أظهر بوضوح حجم الصراع بين القوى المتنفذة على منصب رئاسة الحكومة، في ظل غياب مشروع وطني جامع، وهيمنة الحسابات الشخصية والحزبية وشبكات المصالح الاقتصادية.

وفي ظل هذا الانسداد، برز اسم علي الزيدي باعتباره خياراً توافقياً اضطرارياً أكثر منه مشروعاً سياسياً متكاملاً. فالزعامات التقليدية التي فشلت في فرض مرشحيها، اتجهت نحو شخصية لا تمتلك ثقلاً سياسياً مستقلاً، ولا حضوراً مؤثراً في مؤسسات الدولة، ولا تاريخاً واضحاً في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

هذا النموذج ليس جديداً في العراق ما بعد 2003، بل يمثل امتداداً لآلية متكررة تلجأ إليها القوى التقليدية حين تصل تناقضاتها الداخلية إلى مرحلة العجز عن الحسم. عندها يتم الدفع بشخصية “مرنة” يمكن التحكم بإيقاعها السياسي، بهدف الحفاظ على التوازنات الهشة ومنع انفجار الصراع داخل البيت الشيعي.

وعليه، فإن صعود الزيدي لا يعكس بالضرورة قوة شخصيته السياسية، بقدر ما يعكس حالة الوهن التي أصابت بنية اتخاذ القرار داخل الطبقة الحاكمة العراقية.

الولايات المتحدة؛ من العقوبات إلى الترحيب

أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في ملف الزيدي يتمثل في طريقة تعامل واشنطن معه. فخلال الأيام الأولى من طرح اسمه، جرى تداول روايات تتحدث عن ارتباطه بملفات اقتصادية شائكة واحتمال خضوعه لعقوبات أو قيود أمريكية، الأمر الذي دفع خصومه إلى التشكيك بقدرته على إدارة علاقة متوازنة مع الغرب.

غير أن المشهد تبدل سريعاً بعد صدور مواقف أمريكية مرحبة، وصولاً إلى الاتصال الذي أجراه دونالد ترامب للتهنئة بترشيحه، وهو ما كشف حجم البراغماتية التي تحكم السياسة الأمريكية في العراق.

فالولايات المتحدة لم تعد تبحث بالضرورة عن شخصيات تحمل خطاباً غربياً مباشراً، بقدر ما تبحث عن شخصية قادرة على إدارة التوازنات الداخلية من دون تهديد المصالح الأمريكية الاستراتيجية في العراق والمنطقة.

ومن هنا، يمكن فهم الترحيب الأمريكي السريع بالزيدي باعتباره مؤشراً على رغبة واشنطن في التعامل مع شخصية لا تمتلك مشروعاً أيديولوجياً صدامياً، ويمكن احتواؤها سياسياً ضمن معادلات النفوذ القائمة.

رئيس حكومة تكنوقراط أم واجهة اقتصادية؟

الانتقادات الأساسية الموجهة إلى الزيدي تتعلق بخلفيته الاقتصادية وافتقاره إلى الخبرة السياسية. فالعراق، بحسب منتقديه، لا يحتاج في هذه المرحلة إلى رجل أعمال ناجح بقدر ما يحتاج إلى شخصية تمتلك رؤية استراتيجية قادرة على التعامل مع التعقيدات الأمنية والإقليمية والاقتصادية التي تحاصر البلاد.

هذه الانتقادات ترتبط بمخاوف أعمق تتعلق بما يمكن تسميته «خصخصة السياسة» في العراق. فجزء كبير من النخبة الحاكمة، التي خرجت في الأصل من بيئات اجتماعية فقيرة أو متوسطة، تحوّل تدريجياً إلى طبقة اقتصادية – سياسية مغلقة تدير الدولة بمنطق المصالح والامتيازات وتقاسم النفوذ.

[وفي هذا الإطار، فإن وصول شخصية ذات خلفية تجارية إلى رئاسة الحكومة يعزز المخاوف من استمرار نموذج الدولة الريعية القائمة على إدارة الصفقات والتوازنات الحزبية، بدلاً من بناء مؤسسات حكم فعالة وقادرة على إنتاج سياسات تنموية مستقلة.

لذلك، ينظر كثير من المراقبين إلى الزيدي باعتباره امتداداً لبنية المحاصصة أكثر من كونه تعبيراً عن مشروع إصلاحي جديد.

العراق في قلب التحولات الجيوسياسية

لا يمكن فصل اختيار الزيدي عن السياق الإقليمي المتوتر الذي تعيشه المنطقة. فالعراق يقف اليوم في قلب معادلات شديدة التعقيد تتداخل فيها ملفات مضيق هرمز، والصراع الأمريكي – الإيراني، والتحولات الخليجية، والتنافس الدولي على الطاقة والممرات الاستراتيجية.

وفي ظل هذه البيئة، تبدو قدرة الحكومة العراقية الجديدة على المناورة السياسية موضع اختبار حقيقي. فبغداد لم تعد مجرد ساحة هامشية، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية مركزية تتقاطع عندها مصالح إيران والولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج الفارسي.

ومن هنا، فإن ضعف الخبرة السياسية لرئيس الحكومة الجديد قد يتحول إلى نقطة هشاشة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، خصوصاً أن العراق سيكون مضطراً خلال المرحلة المقبلة لاتخاذ مواقف معقدة تتعلق بالوجود العسكري الأمريكي، وأمن الحدود السورية، وعلاقات الطاقة مع إيران، ومشاريع الربط الاقتصادي الإقليمي.

أي خطأ في إدارة هذه الملفات قد يعيد العراق إلى موقع “ساحة الاشتباك” بين القوى الإقليمية والدولية، بدلاً من أن يتحول إلى لاعب يمتلك هامشاً مستقلاً من القرار.

الفجوة بين الشارع والطبقة السياسية

أحد أبرز أبعاد الجدل الدائر حول الزيدي يتمثل في تصاعد النقمة الشعبية تجاه مجمل الطبقة السياسية العراقية. فبعد أكثر من عقدين على إسقاط نظام صدام حسين، لا يزال العراق يعاني من أزمات مزمنة تتعلق بالخدمات العامة، والبطالة، والفساد البنيوي، وتهالك البنية التحتية.

في المقابل، نجحت قطاعات واسعة من النخب الحاكمة في بناء شبكات مالية واقتصادية ضخمة، الأمر الذي عمّق شعور الشارع بأن السلطة انفصلت تدريجياً عن المجتمع الحقيقي.

ومن هذا المنطلق، فإن تعيين رئيس حكومة لا يمتلك مشروعاً إصلاحياً واضحاً، ولا قاعدة سياسية مستقلة، قد يزيد من أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع، خصوصاً أن قطاعات واسعة من العراقيين لم تعد ترى المشكلة في الأشخاص بقدر ما تراها في بنية النظام القائم على المحاصصة الطائفية والحزبية.

مستقبل حكومة الزيدي؛ بين البقاء والاستنزاف

الحكومة المرتقبة برئاسة علي الزيدي ستواجه مجموعة معقدة من التحديات المتزامنة.

أول هذه التحديات يتمثل في إدارة الانقسامات داخل الإطار التنسيقي والقوى الشيعية التي لم تصل أصلاً إلى توافق كامل حول شخصه. أما التحدي الثاني فيرتبط بكيفية الحفاظ على توازن دقيق بين واشنطن وطهران في لحظة إقليمية متفجرة. فيما يتمثل التحدي الثالث في الاستجابة لمطالب الشارع العراقي الذي بات أكثر تشككاً تجاه أي وعود إصلاحية جديدة.

لكن المسألة الأكثر حساسية تتعلق بمدى استقلالية الزيدي نفسه. فإذا بقي مجرد واجهة توافقية للقوى النافذة، فإن حكومته لن تكون سوى امتداد للأزمة القائمة، مع استمرار منطق تقاسم النفوذ وتآكل الشرعية السياسية.

ومع ذلك، فإن التجربة العراقية أظهرت في مراحل سابقة أن بعض رؤساء الحكومات حاولوا بعد وصولهم إلى السلطة التحرر تدريجياً من قيود القوى التي جاءت بهم، وبناء مساحة خاصة من النفوذ السياسي. ولذلك، فإن الحكم النهائي على تجربة الزيدي سيبقى مرتبطاً بقدرته على التحول من “مرشح تسوية” إلى فاعل سياسي مستقل.

خلاصة

إن اختيار علي الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية لا يعبر عن تحول جذري في بنية النظام السياسي بقدر ما يكشف استمرار الأزمة البنيوية التي يعيشها العراق منذ سنوات.

فالعملية السياسية العراقية لا تزال أسيرة معادلات المحاصصة، والصراعات الداخلية، والتجاذبات الإقليمية والدولية، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على إعادة إنتاج شرعيتها الاجتماعية.

وعليه، فإن مستقبل حكومة الزيدي لن يتحدد فقط بقدرتها على إدارة الملفات اليومية، بل بمدى نجاحها في كسر الحلقة التقليدية التي حكمت العراق طوال العقدين الماضيين؛ أي حلقة الحكومات المؤقتة التي تتغير أسماؤها بينما تبقى الأزمات ذاتها قائمة ومفتوحة على احتمالات أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة. (الآراء المنشورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي وكالة مهر)

"محمد هادي ملكي، محلل في الشؤون السياسية و الدولية"

/انتهى/

رمز الخبر 1970575

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha