وكالة مهر للأنباء: دفعت التقلبات الاقتصادية عددًا من رجال الأعمال والناشطين الاقتصاديين وتجار السوق إلى التجمع بالقرب من سوق طهران والتعبير سلميًا عن احتجاجهم للسلطات. وشهدت محافظات أخرى احتجاجات مماثلة، واعترفت حكومة الجمهورية الإسلامية ومسؤولوها بهذه الاحتجاجات ووعدوا بتصحيح الوضع وتصحيح المسار من خلال تنفيذ بعض الإصلاحات الاقتصادية في اليوم الأول.
اعترفت الحكومة الرابعة عشرة بالاحتجاجات، وذلك بإصدار أمر مباشر من الرئيس إلى وزير الداخلية بالتفاوض مع ممثلي المحتجين. كتب مسعود بزشكيان في تغريدة: "معيشة الناس هي شاغلي اليومي. لدينا إجراءات أساسية على جدول الأعمال لإصلاح النظام النقدي والمصرفي والحفاظ على القدرة الشرائية للشعب". وقد وجهتُ وزير الداخلية بالاستماع إلى المطالب المشروعة للمتظاهرين من خلال الحوار مع ممثليهم، حتى تتمكن الحكومة من التصرف بمسؤولية وبكل قوتها لحل المشاكل.
وفي إشارة إلى الاحتجاجات الشعبية، صرّحت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، في مؤتمرها الصحفي: "من واجب الحكومة الاستماع إلى أصوات الشعب، لأنه حيثما يوجد ألم، توجد صرخة، ولذلك نرى ونتفهم الاحتجاجات".
إلا أنه تدريجياً، ومع دخول عملاء العدو وأجهزة استخباراته، بقيادة الموساد، وتسللهم، خرجت الاحتجاجات في بعض المناطق عن السيطرة، وغيّر مثيرو الشغب مسارهم بإلحاق الضرر واتخاذ إجراءات مناهضة للأمن. ومع تحول الاحتجاجات إلى أعمال عنف، استشهد عدد من عناصر الباسيج، وأصيب عدد من ضباط إنفاذ القانون وكذلك استشهد عدد من أبناء الشعب.
وتحولت الاحتجاجات النقابية في بعض أنحاء البلاد إلى ساحة للعنف؛ وهو سيناريو متكرر يُظهر كيف تُستهدف الاحتجاجات النقابية السلمية من قِبل جماعة صغيرة ولكنها منظمة. و في أصفهان وهمدان، كان إغلاق بعض الوحدات النقابية والشكاوى المتفرقة من المواطنين بشأن ارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية مؤشرات على السخط الاقتصادي.
هذا وفي كرمانشاه، أدى هذا السخط إلى تجمعات سلمية؛ تجمعات انطلقت من محور مطالب المعيشة ودون عنف.
مجموعة من الانتهازيين تحرك الاحتجاجات نحو العنف
بحسب الملاحظات الموضوعية لمراسل وكالة مهر، بالتزامن مع انعقاد هذه التجمعات، تم رصد أفراد يسعون إلى تحويل الاحتجاجات السلمية للشعب نحو الفوضى وعدم الاستقرار. وفي عملية نُفذت بالتعاون مع الأهالي، أُلقي القبض على سبعة منهم؛ تبين، وفقًا للتحقيقات الأولية، انتماءهم لجماعات معادية وحركات معارضة في الخارج، وأن هدفهم لم يكن التعبير عن مطالبهم، بل استغلال حالة السخط الشعبي لإثارة الفوضى.
وشكّل الإعلان عن تسلّح أحد المعتقلين إشارة تحذيرية أكدت مجددًا على أهمية التمييز بين "الاحتجاج" و"الشغب".
وعلى بُعد بضع مئات من الكيلومترات، في مدينة جونقان، اجتذبت دعوات انتشرت عبر الإنترنت الناس إلى إحدى ساحات المدينة الرئيسية مساء الخميس. بدأ التجمع بدوافع اقتصادية، لكن سرعان ما تغير المشهد.
بحسب الملاحظات الميدانية، قامت مجموعة من الانتهازيين، بدخولهم وسط الحشد، بتحويل الاحتجاج إلى عنف، وانتهى الأمر بإضرام النار في مكتب إمام صلاة الجمعة بالمدينة؛ وهو حدث لم يُهمّش فقط مطلب توفير سبل العيش، بل زاد من حدة التوتر في المدينة.
واتخذت قوات الأمن إجراءات للسيطرة على الوضع، وبدأت التحقيقات لتحديد هوية مرتكبي الحادث. لقي شخصان مصرعهما في لوردجان نتيجةً لاستغلال الانتهازيين للوضع وإثارة حالة من عدم الاستقرار.
تكرر سيناريو مماثل في لوردجان بمحافظة تشهارمحال وبختياري. فقد تم انحراف تجمع نقابي للاحتجاج على ارتفاع الأسعار، والذي، بحسب محافظ المدينة، سريعًا من قبل أفراد ذوي سلوكيات منظمة ومدربة من قبل عناصر العدو.
تحدث داوود عليمرادي عن تخريب الأماكن العامة، والاعتداء على الناس، وإثارة حالة من عدم الاستقرار؛ وهي أعمال كان لها ثمن باهظ وأودت بحياة مواطنين اثنين. حادثة مريرة أظهرت مرة أخرى كيف يمكن لدخول عناصر عنيفة أن يحوّل مطلبًا اجتماعيًا إلى أزمة إنسانية.
لم تسلم مدينة مرودشت في محافظة فارس من هذه الموجة. ففي تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا، تشكّلت مسيرة احتجاجية في الشارع الرئيسي للمدينة. حاول بعض المتظاهرين تغيير مسار الاحتجاجات السلمية بشعاراتٍ مخالفةٍ للأعراف وسلوكٍ متوتر؛ حيث تم إغلاق الشارع وإضرام النار في سيارة. ومع ذلك، تشير التقارير إلى عودة الهدوء إلى المدينة مع وصول قوات الأمن.
يتضح من خلال الجمع بين هذه الروايات صورةٌ مزدوجة: فمن جهة، هناك أناسٌ يريدون إيصال أصواتهم؛ ومن جهة أخرى، هناك حركةٌ خفيةٌ لكنها نشطةٌ تسعى لتحويل هذا الصوت إلى صرخةٍ عنيفةٍ لا هدف لها.
يستغل بعض الانتهازيين أساليبَ منظمةً ومدربةً جيدًا لصرف مسار الاحتجاجات. وهو اتجاهٌ يسعى إلى التدمير بدلًا من المطالبة، ويهدف إلى زعزعة الأمن بدلًا من الإصلاح.
بصفتهم شهودًا ومراقبين لهذه الأحداث، يناشد مراسلو وكالة مهر في جميع أنحاء البلاد المواطنين، وخاصة أولياء الأمور، توخي الحذر على أبنائهم المراهقين والشباب، وعدم السماح بتوجيه المطالب بالحق في العيش الكريم نحو مسارٍ لا ينبع من داخل المجتمع، بل من خارجه.
ولا يزال السعي وراء المطالب عبر القنوات القانونية والمدنية وسيلةً فعّالةً للحفاظ على صوت الشعب ومنع استغلالها من قِبل من يسعون إلى استغلال الوضع.
ووفقًا لتقارير عديدة وردت من مراسلي مهر، لوحظ في مختلف أنحاء البلاد أن بعض الانتهازيين، خلال التجمعات النقابية والاحتجاجية التي شهدتها الأيام الأخيرة، استغلوا أساليب منظمة ومدربة جيدًا لصرف مسار الاحتجاجات وخلق جو من انعدام الأمن؛ وهي أعمال أسفرت عن تدمير الممتلكات العامة، والاعتداء على الناس، ونشر الرعب في أرجاء المدينة.
تُظهر الملاحظات الموضوعية التي أجراها مراسلو وكالة مهر من جميع أنحاء البلاد أن وجود أشخاص يرتدون أقنعة ونظارات، حتى في الليل، ومحاولات إثارة الفوضى والتجمعات وتدمير الممتلكات العامة وترديد شعارات تنتهك الأعراف، تشير إلى محاولة لاستغلال مطالب الشعب المتعلقة بالوحدة وسبل العيش.
الهدوء سيد الموقف في أنحاء البلاد
لحسن الحظ، امتنع الشعب الإيراني، بفضل ذكائه وفهمه للوضع، عن الانضمام إلى هذه الحركات أثناء التعبير عن احتجاجاته. وهذا يدل على نضج اجتماعي ووعي عام بمؤامرات الأعداء.
ومن النقاط المهمة الأخرى النهج المهني والإنساني الذي اتبعته قوات الشرطة في إدارة الاحتجاجات. فخلال هذه الفترة، تجنبت الشرطة بشكل ملحوظ المواجهات غير الضرورية، وحافظت على هدوئها وضبط النفس، ولم تسمح بتصاعد التوتر.
ومع ذلك، في بعض المناطق، قد تؤدي أعمال الشغب المسلحة المتعمدة، بما في ذلك الاقتراب من مراكز حساسة كمراكز الشرطة، إلى رد حاسم من قوات الأمن. وتشير الأدلة إلى أن بعض القادة الذين تم اعتقالهم كانوا مدربين تدريباً كاملاً، ولم تكن بحوزتهم هواتف محمولة وفقاً للتعليمات لتجنب كشف أمرهم.
وقد مارسوا أساليب تحريض الناس وتشتيت الاحتجاجات السلمية، حتى أن وجود النساء كقائدات كان واضحاً بينهم. كما يخطط مثيرو الشغب لمواصلة التجمعات حتى وقت متأخر من الليل، في حين أنه من الواضح أن هذه الساعة لم تعد مرتبطة بالاحتجاجات المدنية، وأن الهدف هو إثارة الفوضى وانعدام الأمن.
بحسب المعلومات المنشورة، فقد تلقى عدد من خلايا الشغب التي أُلقي القبض عليها مؤخرًا تدريبًا منظمًا، وكانت مهمتها استفزاز رد فعل قوي من الشرطة وتأجيج التوتر في المجتمع من خلال أعمال استفزازية.
يبدو أن النهج الاحترافي للشرطة ويقظة الجمهور كانا عاملين أساسيين في احتواء أعمال العنف والحفاظ على الأمن القومي خلال هذه الفترة
تعليقك