وكالة مهر للأنباء: كتبت صحيفة "أستانا تايمز" في هذا المقال، بقلم محمد شمس الدين، خبير العلاقات الدولية المقيم في دوشنبه، عاصمة طاجيكستان: "زار الرئيس الإيراني كازاخستان في 11 ديسمبر (20 آذر)، في زيارة رسمية تُشير، في ظلّ اشتداد المنافسة العالمية، إلى تركيز طهران المتزايد على آسيا الوسطى. ومن وجهة نظر كازاخستان وجيرانها، تُعدّ هذه الزيارة تأكيدًا على أهمية هذه المنطقة بالنسبة لإيران، وعلى الفرص والتحديات التي تُشكّل هذا التفاعل".
لماذا تُعدّ آسيا الوسطى مهمة لإيران؟
لقد أصبحت آسيا الوسطى ساحة ديناميكية، ومحطّ اهتمام بالغ من قِبل القوى الكبرى. خلال العام الماضي، عُقدت قمم رفيعة المستوى بصيغة مجموعة الدول الخمس زائد واحد (C5+1) مع الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والولايات المتحدة، تلتها استضافة اليابان لقمة مماثلة في الفترة من 19 إلى 20 ديسمبر/كانون الأول. كما عززت تركيا وأذربيجان حضورهما من خلال قمة منظمة الدول التركية التي عُقدت في أكتوبر/تشرين الأول، وانضمت أذربيجان إلى الاجتماعات الاستشارية لرؤساء دول آسيا الوسطى كعضو كامل العضوية.
لذا، لا يمكن لإيران تجاهل التطورات شمال حدودها. وقد شجع الاهتمام الدولي المتزايد بآسيا الوسطى طهران على تكثيف مشاركتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية في المنطقة.
ومن خلال تعزيز موقعها في المنطقة، تستطيع طهران تقديم الدعم الدبلوماسي الذي تحتاجه.
وفي محادثات أستانا، أعرب الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان عن قلقهما إزاء تصاعد النزاعات الدولية وتأثير العقوبات. وأشار توكاييف إلى أن كازاخستان وإيران غالباً ما تُنسقان مواقفهما على الساحة الدولية. من وجهة نظر طهران، تكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في سياق حروبها الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، والتوترات المتصاعدة على نطاق أوسع.
ولا تزال العقوبات تُقيّد التجارة والاقتصاد الإيرانيين، مما يزيد من أهمية الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى وتطوير روابط النقل والخدمات اللوجستية. وخلال الزيارة، اتفق الرئيسان على زيادة حجم التبادل التجاري الثنائي من 340 مليون دولار في عام 2024 إلى 3 مليارات دولار. وتحدث بزشكيان عن نمو تجاري بنسبة 40%، بينما أشار توكاييف إلى أن أكثر من 350 شركة ذات استثمارات إيرانية تعمل في كازاخستان.
بوابة إلى الصين وروسيا
علاوة على ذلك، تنظر إيران إلى آسيا الوسطى كجسرٍ يربطها بأسواق الصين وروسيا الشاسعة. وتسعى طهران إلى تعزيز التجارة والربط اللوجستي عبر أوراسيا، وتُعدّ آسيا الوسطى محور هذا الطموح. وقد شهدت الطرق القائمة، بما فيها ممر الشمال-الجنوب وخط سكة حديد كازاخستان-تركمانستان-إيران، زيادةً في حجم الشحن بنسبة 53% خلال الأشهر العشرة الأولى من هذا العام. كما بدأ أول قطار شحن منتظم بين الصين وإيران العمل عبر كازاخستان وتركمانستان في مايو/أيار، مما يُؤكد دور المنطقة المحوري في عمليات النقل.
معوقات وفرص آسيا الوسطى
على الرغم من المصالح المشتركة، فإنّ تعامل إيران مع آسيا الوسطى يتأثر بمزيج من المعوقات الهيكلية والفرص الناشئة التي تُؤثر بشكل مباشر على المنطقة. ولا تزال العقوبات الدولية تُشكّل العائق الأهم، إذ تُحدّ من التجارة والاستثمار ومشاريع الربط الرئيسية التي تُتيح لآسيا الوسطى الوصول إلى العالم الخارجي.
وتُجسّد التجارة بين كازاخستان وإيران هذا التأثير؛ بلغ حجم التجارة الثنائية ملياري دولار أمريكي في عام ٢٠٠٨، لكنه انخفض بشكل حاد بعد تشديد العقوبات في أوائل العقد الثاني من الألفية، مسجلاً أدنى مستوى تاريخي له عند ٣٠٠ مليون دولار أمريكي في عام ٢٠١٩.
إضافةً إلى ذلك، أثرت العقوبات على مشاريع البنية التحتية والطاقة المرتبطة بالربط مع آسيا الوسطى. ويُبرز عرقلة اتفاقية تبادل الغاز بين إيران وتركمانستان والعراق، فضلاً عن القيود الجديدة المفروضة على ميناء تشابهار الإيراني، الذي يُعد بوابة محتملة لدول آسيا الوسطى إلى المحيط الهندي، مدى هشاشة طموحات المنطقة في مجال النقل البحري أمام الضغوط السياسية الخارجية. ومع ذلك، تُتيح عدة عوامل فرصاً لإيران لتعزيز انخراطها مع آسيا الوسطى.
وقد ساهم التحول التدريجي نحو عالم متعدد الأقطاب، وتنامي دور الصيغ البديلة مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس، في توسيع نطاق المناورة والتنقل الدبلوماسي والاقتصادي في جميع أنحاء أوراسيا. أدى انضمام إيران الكامل إلى منظمة شنغهاي للتعاون ودخول اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم كازاخستان وقيرغيزستان، حيز التنفيذ، إلى زيادة في التدفقات التجارية، حيث ارتفعت بنسبة 35% في أول شهرين بعد مايو/أيار.
في الوقت نفسه، دفعت حالة عدم اليقين الإقليمية المستمرة دول آسيا الوسطى إلى إيلاء مزيد من الاهتمام لتنويع طرق النقل والخدمات اللوجستية. وقد أدت التوترات بين أفغانستان وباكستان إلى تعطيل الطرق الجنوبية، بينما أبرزت الهجمات الأخيرة (التي نُسبت إلى أوكرانيا) على منشآت شركة خط أنابيب بحر قزوين (CPC) في ميناء نوفوروسيسك الروسي أهمية تعزيز المرونة في الربط الإقليمي.
إضافةً إلى ذلك، تُعدّ الأواصر الثقافية والتاريخية قناةً رئيسيةً أخرى لتعزيز العلاقات بين آسيا الوسطى وإيران. وخلال زيارة بزشكيان إلى أستانا، أشار توكاييف إلى أن حوالي 4% من الكلمات الكازاخية ذات أصول فارسية، كما سلّط الضوء على التعاون المشترك في مجال المحفوظات التاريخية. تُبرز اتفاقيات تطوير التعاون الثقافي، إلى جانب انخراط إيران الثقافي الراسخ في طاجيكستان، هذا البُعد من التفاعل الإقليمي وتُوضّحه بشكلٍ أكبر.
وبشكلٍ عام، لم يعد بإمكان إيران تجاهل آسيا الوسطى، إذ قد يُعرّض ذلك فرصًا اقتصادية وسياسية ودبلوماسية واستراتيجية هامة للخطر. ورغم وجود عقبات كبيرة، تمتلك طهران مزايا واضحة، يُمكنها، مع استمرار استثمار الموارد والاهتمام، تعزيز مكانتها في المنطقة.
/انتهى/
تعليقك