وكالة مهر للأنباء- هادي رضائي: حاولت واشنطن تقييد حركة التجارة البحرية الإيرانية من خلال تطبيق سياسة الحصار البحري وفرض عقوبات عسكرية مكثفة. إلا أن البيانات الفعلية من مصادر رصد بحرية موثوقة، مثل كيبلر ومارين ترافيك، تُظهر أن هذا النهج أدى حتى الآن إلى انخفاض حاد في حركة الملاحة في مضيق هرمز، وخلق حالة من الجمود أمام الشحن الدولي.
انخفضت حركة السفن اليومية في مضيق هرمز، التي كانت تتراوح بين 100 و140 سفينة قبل التوترات، إلى ما بين 3 و5 سفن فقط في كثير من الأيام، وفي بعض الفترات، انخفضت حركة ناقلات النفط بنسبة تتراوح بين 90 و92 بالمئة. وقد اضطرت العديد من السفن إما إلى الانتظار أو اختيار طرق بديلة مكلفة.
لم تتخذ إيران بعدُ إجراءاتٍ واسعة النطاق وعلنية لتغيير نمط تجارتها الحيوية تغييرًا جذريًا، إلا أن المؤشرات الميدانية تُشير إلى أن الحصار لم يُفلح في شلّ حركة طهران التجارية. وتعتمد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مستندةً إلى قدراتها الردعية واللوجستية، على عدة استراتيجيات لإدارة هذا الوضع ومواجهته، بما في ذلك إمكانية توفير مرافقة مسلحة مباشرة للسفن الإيرانية، وسياسة الردّ بالاستيلاء على السفن التابعة للأطراف المتحاربة عند الضرورة، وتسريع تفعيل ممرات برية وسكك حديدية بديلة.
في الوقت نفسه، تُشير التطورات في البحر الأحمر (دراسة اليمنيين، على أعلى مستويات القيادة، لآليات فرض رسوم بحرية محتملة) وحادثة احتجاز ناقلة النفط "آنور 25" من قِبل القوات المحلية قبالة سواحل الصومال، إلى تحديات جديدة تواجه الملاحة البحرية الدولية، وإلى تحوّل تدريجي في ميزان القوى البحرية. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب وساحل الصومال، يُظهر الوضع حدود الاستراتيجيات الأحادية، وبداية تحوّل في هندسة القوى البحرية في المنطقة.
1. مضيق هرمز: شريان حياة عالمي للطاقة تحت وطأة التوترات
يشهد مضيق هرمز، الذي كان ينقل تقليديًا نحو 20% من النفط المتداول عالميًا، حركة مرور محدودة للغاية. وتشير تقارير كيبلر إلى أن الملاحة تقتصر إلى حد كبير على سفن الدول غير المتحاربة، وقد تجنبت العديد من شركات الشحن الكبرى المرور عبره. ويحافظ سلاح البحرية التابع للحرس الثوري الإسلامي، باستخدام قدرات غير متكافئة (زوارق سريعة، صواريخ مضادة للسفن، ألغام ذكية، وطائرات مسيرة بحرية)، على وجود عملياتي فعال وسيطرة تامة على الممر المائي.
وقد تمكنت إيران من الحفاظ على بعض تدفقات التصدير المحدودة (إلى الصين بشكل رئيسي) عبر وسائل مختلفة، على الرغم من أن هذه التدفقات ارتبطت بمخاطر عالية وتحت ضغط العقوبات الأمريكية الثانوية.
2. البحر الأحمر وباب المندب: ارتفاع تكاليف الملاحة
كان لأنصار الله اليمنيين تأثير على قواعد الملاحة في البحر الأحمر من خلال عمليات سابقة استهدفت فئات محددة، ومناقشات داخلية حول آليات محتملة لفرض رسوم بحرية. تشير تقارير من لويدز ليست وشركات الأمن إلى أن هذه القضايا تُناقش على أعلى المستويات القيادية. وقد أدت هذه التطورات إلى زيادة تكاليف التأمين والملاحة على خطوط نقل الطاقة الأوروبية والآسيوية.
3. الساحل الصومالي: احتجاز ناقلة النفط آنور 25 والتحديات الأمنية المحلية
شهد الساحل الصومالي (وخاصة منطقة بونتلاند) احتجاز ناقلة النفط الصغيرة آنور 25 (التي كانت تحمل حوالي 18,500 برميل من الوقود و17 من أفراد الطاقم) من قبل القوات المحلية. وقد تم احتجاز السفينة في البداية على بعد حوالي 30 ميلاً بحرياً من الشاطئ، ثم نُقلت إلى محيط هافون وميناء بيلي. ويمثل هذا الحدث تجدداً للأنشطة المتعلقة بالأمن المحلي والقانون البحري، والتي أدت إلى تشتيت الموارد العسكرية للقيادة المركزية الأمريكية وخلق تحدٍ جديد للشحن الدولي.
٤. وجهة نظر الخبراء الغربيين: حدود استراتيجية الحصار
أكد أليستر كروك، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) والمحلل المختص بشؤون الشرق الأوسط، في تحليله الأخير أن سردية "الحصار الناجح والكامل لإيران" لا تتوافق مع الواقع العملي. ووفقًا له، فقد عزز الإيرانيون بحكمة خياراتهم البديلة، واتخذت القوات الأمريكية موقفًا احترازيًا ودفاعيًا. وحذر كروك من أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى مزيد من الجمود بالنسبة لواشنطن.
٥. الحلول الإيرانية المحتملة لمواجهة الحصار: القوة العسكرية والتنوع اللوجستي
تمتلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية الأدوات اللازمة لإدارة ضغط الحصار وتحييده:
أ) القوة العسكرية والردع الفعال:
هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة والبحرية التابعة للحرس الثوري على أهبة الاستعداد لمرافقة السفن التجارية الإيرانية مباشرةً بالقوة المسلحة. كما تُعد سياسة الرد خيارًا جديًا: إذ يمكن مواجهة أي عمل عدائي ضد السفن الإيرانية برد متناسب، بما في ذلك مصادرة السفن المرتبطة بالأطراف المتحاربة. لقد ساهم هذا النهج غير المتكافئ، إلى جانب القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، في خلق رادع فعّال.
ب) الدفاع السلبي وتفعيل الممرات البرية والسكك الحديدية:
من خلال تسريع إنشاء ممرات بديلة، تستطيع إيران المساهمة في تقليل الاعتماد على الطرق البحرية الخطرة:
- الممر الشمالي الجنوبي (INSTC) وخط رشت-أستارا: مشروع رئيسي يشهد تقدماً ملحوظاً ويحظى بدعم دولي، ويعزز الربط المباشر مع روسيا والقوقاز وأوروبا. - الممر الشرقي وباكستان: خط سكة حديد تشابهار-زاهدان، الذي يشهد تقدماً كبيراً، سيصبح جاهزاً للتشغيل بحلول نهاية عام ٢٠٢٦. - ممر هرات والطرق الشرقية: يجري استكمال خط سكة حديد خاف-هرات، ويهدف إلى نقل كميات أكبر من البضائع.
تُسهم هذه الممرات، بما توفره من وسائل نقل متعددة، في خلق تنوع لوجستي ودفع إيران نحو مركز إقليمي.
الملخص:
لم ينجح الحصار البحري المزعوم حتى الآن في قطع التجارة الحيوية لإيران، بل على العكس، زاد من تكاليف الطاقة والتأمين والخدمات اللوجستية العالمية، وشتت الموارد العسكرية الأمريكية. ويشير الانخفاض الحاد في حركة المرور في مضيق هرمز، واستمرار التدفق المحدود للصادرات الإيرانية، والتطورات في البحر الأحمر، والأنشطة المحلية في الصومال، إلى حدود الاستراتيجية الأحادية وبداية تحول تدريجي في ميزان القوى البحرية.
يتعين على واشنطن أن تقبل بالحقائق على أرض الواقع: أي تصعيد للتوترات سيُقابل بردود ردع على مستويات مختلفة، بدءًا من القوة البحرية الصلبة وصولًا إلى مجموعة متنوعة من الممرات البرية. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب وساحل الصومال، يُواجه عهد الهيمنة البحرية المطلقة تحديًا، وتبرز الحاجة إلى مقاربات واقعية ومتعددة الأطراف أكثر من أي وقت مضى.
/انتهى/
تعليقك