وكالة مهر للأنباء: لإعادة بناء موقعها الهشّ، تلجأ الإمبريالية الغربية إلى أساليب ما قبل الرأسمالية، من خلال فرض العقوبات، وانتهاك الملكية الخاصة، ومصادرة الأصول الأجنبية والنفط، وانتهاك خصوصية المنازل، واختطاف الرؤساء، بل ومحاولة اغتيال رؤساء الدول".
في السنوات الأخيرة، باتت مؤشرات التراجع التدريجي للنظام الغربي المهيمن أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ ذلك النظام الذي، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي كانت الولايات المتحدة محوره وأوروبا حليفته، قدّم نفسه على أنه "النظام الطبيعي للعالم".
لكن ما يحدث على الساحة الدولية اليوم ليس تغييرًا سطحيًا، بل تحولًا بنيويًا. يمثل هذا تحولاً من عالم أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب، حيث تتشكل فاعلون جدد، وروايات جديدة، وتوازنات مختلفة. في ظل هذه الظروف، يُشبه سلوك الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، ردود فعل متسرعة ومتناقضة أحيانًا من فاعل يرى موقعه مهددًا، أكثر من كونه دليلاً على ثقة قوة مهيمنة بنفسها.
والحقيقة أن الهيمنة، قبل انهيارها على الجبهة العسكرية، تتآكل في مجال الشرعية. فعلى مدى عقود، تمكن الغرب، بالاعتماد على الأدوات القانونية والاقتصادية والإعلامية، من خلق نوع من "القوة الناعمة" التي فرضت نظامه المنشود حتى دون اللجوء إلى القوة المباشرة. لكن اليوم، فقدت هذه الأدوات نفسها فعاليتها السابقة. فالعقوبات الاقتصادية، التي كانت تُقدم كأداة ضغط ذكي، أصبحت الآن أداة متكررة وغير فعالة، لا تفشل فقط في تحقيق الأهداف السياسية المرجوة، بل تُسهم أيضًا في زيادة انعدام الثقة العالمي بالنظام المالي والاقتصادي الغربي.
في غضون ذلك، يُعدّ تحوّل سلوك الغرب من "إدارة النظام" إلى "التعامل مع الفوضى" أحد أهم مؤشرات التراجع. ففي الماضي، سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تبرير أفعالهم ضمن إطار القواعد والمؤسسات الدولية؛ وحتى وإن انتهكوا هذه القواعد عمليًا، فقد وفّروا على الأقل غطاءً قانونيًا لها. أما اليوم، فقد بدأ هذا الغطاء بالتلاشي. فقد تزايدت الإجراءات الأحادية والتهديدات الصريحة وتجاهل المؤسسات الدولية إلى حدٍّ لم يعد يُمكن اعتبارها مجرد تكتيكات، بل ينبغي النظر إليها كدليل على أزمة عميقة في بنية القوى الغربية.
ويعني الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب إعادة توزيع للقوة على المستوى العالمي؛ قوة لم تعد حكرًا على كتلة معينة. وقد حدّ ظهور قوى مثل الصين، وعودة روسيا إلى دورها، وتزايد نفوذ الفاعلين الإقليميين، من هامش المناورة المتاح للغرب.
أدى هذا التحول في موازين القوى إلى وضع الغرب في موقفٍ يُجبره، للحفاظ على موقعه، على استخدام أدواتٍ كان يعتبرها سابقًا منافيةً لمبادئه المعلنة. بعبارة أخرى، وصل الاستعمار الغربي إلى مرحلةٍ بات فيها، للبقاء، مُجبرًا على انتهاك القواعد التي وضعها ذات يومٍ كأساسٍ للنظام العالمي. في هذا السياق، أصبحت المواجهة مع إيران إحدى المحاور الرئيسية لهذه المواجهة. إيران، بوصفها فاعلًا مستقلًا لم يكتفِ بمقاومة الضغوط الخارجية، بل تمكّن أيضًا من تطوير قدراته الرادعة، باتت رمزًا لعجز الاستراتيجيات الغربية. سياسة "الضغط الأقصى"، المصممة لإجبار إيران على تغيير سلوكها، لم تفشل فحسب، بل عززت في الواقع تماسكها الداخلي وقدراتها الدفاعية.
لهذا الفشل تداعياتٌ هامة على الاستراتيجيات الغربية المستقبلية. أولًا، أظهر أن أدوات الضغط التقليدية لم تعد فعّالة، ولا يُمكن الاعتماد عليها لإجبار الفاعلين المستقلين على الاستسلام. ثانياً، لقد دفع ذلك الغرب إلى تبني سلوكيات أكثر خطورة وأحيانًا لا يمكن التنبؤ بها، وهي نتيجة لمحاولة التعويض عن الإخفاقات السابقة أكثر من كونها استراتيجية طويلة الأجل.
من أبرز سمات هذه المرحلة تزايد "الفوضی" في السلوك الدولي للغرب. فبعد أن كانت القواعد الدولية تُستخدم في الماضي كأساس للعمل، ولو بشكل انتقائي، بات من السهل اليوم تجاهل هذه القواعد. لم يُفضِ هذا التوجه إلى إضعاف النظام القائم فحسب، بل ساهم أيضاً في خلق نوع من الفوضى العارمة في العلاقات الدولية. في ظل هذه الأجواء، تتضاءل القدرة على التنبؤ وتزداد احتمالية وقوع أزمات مفاجئة. من جهة أخرى، لا يقتصر تراجع الهيمنة الغربية على كونه ظاهرة سياسية أو عسكرية فحسب، بل له أيضاً أبعاد اقتصادية وثقافية. فالنظام المالي العالمي، الذي هيمن عليه الدولار والمؤسسات الغربية لعقود، يواجه الآن تحديات جسيمة. وتُعد جهود الدول لإنشاء آليات مالية مستقلة، وتقليل الاعتماد على الدولار، وتطوير التعاون الإقليمي، جميعها مؤشرات على هذا التغيير.
أما في المجال الثقافي، فلم تعد الروايات الغربية تتمتع بالجاذبية والتأثير اللذين كانت تتمتع بهما سابقاً، لتفسح المجال أمام روايات محلية متنوعة. في ظل هذه الظروف، يبقى السؤال الأهم: إلى أين سيقودنا مستقبل النظام العالمي؟ هل سيتمكن الغرب من إعادة تعريف دوره والحفاظ على مكانته كقوة رئيسية، أم سنشهد استمرار تراجعه وانحسار نفوذه؟ يعتمد الجواب على هذا السؤال إلى حد كبير على كيفية تعامل الغرب مع الحقائق الجديدة. فإذا استمر هذا التكتل في الإصرار على اتباع نهج الماضي واستخدام أدوات غير فعالة، فمن المرجح أن يتسارع التراجع. أما إذا استطاع التكيف مع الظروف الجديدة وقبول قواعد النظام متعدد الأقطاب، فقد يتمكن من الحفاظ على موقعه، وإن لم يكن كقوة مهيمنة. ومع ذلك، تشير الأدلة المتاحة إلى أن الغرب لم يتقبل هذا الواقع بشكل كامل بعد.
فاستمرار السياسات التصادمية، وتصاعد التوترات، ومحاولة احتواء الفاعلين الصاعدين، كلها مؤشرات على أن قبول نهاية الهيمنة عملية صعبة ومكلفة بالنسبة لهذا التكتل. يشبه هذا الوضع إلى حد كبير المراحل الأخيرة لأنظمة تاريخية أخرى، عندما تحاول القوى المهيمنة، بدلاً من قبول التغيير، وقف التراجع بتكثيف الضغط، وهو جهد أدى في كثير من الحالات إلى نتائج عكسية. في نهاية المطاف، يمكننا القول إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تنافس جيوسياسي، بل هو انتقال من نموذج إلى آخر. فالإمبريالية الغربية، التي كانت تُقدّم نفسها في يوم من الأيام على أنها تجسيد للنظام والقانون، باتت اليوم مُجبرة على التصرّف خارج هذه الأطر من أجل البقاء. ولعلّ هذا التناقض هو أهمّ مؤشر على نهاية حقبة تاريخية؛ حقبة كانت فيها قوة واحدة قادرة على وضع قواعد اللعبة. أما العالم الجديد فهو عالم تتوزّع فيه السلطة، وتتعدّد فيه الأصوات، ولا يستطيع فيه أيّ طرف، حتى أقواهم، أن يُحدّد مصير النظام الدولي بمفرده. في مثل هذا العالم، لا تُعدّ محاولات العودة إلى الماضي عبثية فحسب، بل قد تُفاقم عدم الاستقرار. وإذا أراد الغرب الاستمرار في لعب دور فعّال في هذا النظام، فعليه أن يتقبّل هذا الواقع، وأن ينتقل من موقع الهيمنة إلى موقع الفاعل المسؤول في نظام متعدد الأقطاب. وحتى ذلك الحين، سيستمر هذا الصراع المكلف والخطير أحياناً للحفاظ على نظام لم يعد يتمتع بالتماسك واليقين الذي كان عليه في الماضي، حتى في أذهان مصمميه.

تعليقك