٢٩‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ٣:٣٣ م

مشهد الرضا (ع) عاصمة العشق والولاء؛ الزائرون يغمرهم كرم الإمام الرؤوف

مشهد الرضا (ع) عاصمة العشق والولاء؛ الزائرون يغمرهم كرم الإمام الرؤوف

تزامناً مع ذكرى ميلاد الإمام الرضا (ع)، امتلأت أروقة وساحات الحرم الرضوي بالبهجة والنور والإخلاص، وتحولت مدينة مشهد إلى موئل عشاق يجمع الزائرين من جميع أنحاء البلاد.

وكالة مهر للأنباء: بمناسبة ذكرى الولادة المباركة للإمام الرضا (ع)، أقيمت مراسم تغيير راية وغطاء ضريح الإمام الرضا (ع) بحضور متولي العتبة الرضوية المقدسة، كما دقت طبول النقارة في حرم ثامن الحجج (ع) صباح يوم الميلاد. وامتلأت ساحة "الثورة" (إنقلاب) بالفرح والنور والصلوات. لقد حول ذكر الزائرين وأناشيدهم العاشقة، مع دقات النقارة، ساحة الثورة الإسلامية في الحرم الرضوي إلى بحر من الحب والولاء.

في ذلك اليوم الذي ارتدت فيه مشهد الرضا (ع) حلة مختلفة، تجمع الزوار منذ الصباح الباكر في صحن شمس الشموس ؛ بعضهم مستندون إلى الجدران، وبعضهم جالسون على البسط، وكثيرون واقفون.

في يوم ميلاد الإمام، سلطان خراسان، جاء كل فرد بنية معينة؛ أحدهم للشكر، وآخر لقضاء حاجة، وكثيرون فقط لتهنئة الإمام الذي يسكن قلوبهم.

كانت الساحة غارقة في النور، والقلوب في هياج، والفضاء المحيط بالحرم مليئاً بشعور مشترك؛ شعور لا يمكن اختباره إلا في يوم ميلاد الإمام الرضا (ع).

في هذه الساحة الغارقة في الشوق والنور، لكل إنسان قصته؛ أحدهم بتحديقه الملتصق بشباك (شباك الحرم)، يسعى للتخفيف من ألم قديم، وآخر في جلبة الصلوات المتتالية يبحث عن ضالته في روحه. كانت مشهد اليوم عاصمة العشق والولاء بلا منازع؛ فضاء تقلصت فيه المسافة بين "العبد" و"المولى" إلى أدنى حد، في سلام بسيط وزيارة مباشرة. وكأن الإمام الثامن، بذراعيه المفتوحتين، دعا القلوب المتعبة من جميع أنحاء إيران إلى وليمة معرفية، ليغسلوا في يوم مجيء النور، على مائدة كرم الإمام الرؤوف، ليس فقط أجسادهم، بل أرواحهم أيضاً في ينابيع محبته الصافية.

وفي الوقت نفسه، تزامناً مع حلول ذكرى ميلاد الإمام الثامن (ع)، تناول الخبراء والباحثون الدينيون، في أحاديثهم لمراسل "مهر"، مختلف أبعاد سيرة الإمام الرضا (ع) وكيفية تطبيقها في الحياة اليومية المعاصرة.

مشهد الرضا (ع) عاصمة العشق والولاء؛ الزائرون يغمرهم كرم الإمام الرؤوفأبعاد "الجهاد" من منظور القرآن والإمام الرضا (ع)

أوضح حجة الإسلام حسين مهدوي بارسا، الباحث الديني، في حديث لمراسل وكالة "مهر" للأنباء، أبعاد الجهاد من منظور القرآن والإمام الرضا (ع)، متناولاً فلسفة الجهاد وأنواعه والاستراتيجيات الأساسية لمواجهة العدو. وأكد أن الجهاد في الإسلام هو أداة للدفاع عن المجتمع وحماية الحق، وليس وسيلة للهيمنة والسيطرة.

واستناداً إلى الآية القرآنية "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ" (الحج، 78)، أشار الباحث إلى أن القرآن الكريم شدد على مبدأ الجهاد في آيات متعددة، مؤكداً أن الجهاد في الإسلام أمر حتمي وضروري. وأضاف أن آيات كثيرة مثل "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا..." (الحج، 39) و"فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا" (الفرقان، 52) تطرح الجهاد بوضوح لمواجهة الظلم والدفاع عن الحق. وأوضح أن القرآن يأمر بعدم طاعة الكفار، والقيام، بالاعتماد على القرآن، بجهاد كبير في المجال العقائدي والثقافي.

وتناول مهدوي بارسا فلسفة الجهاد من منظور الإمام الرضا (ع)، حيث نقل قوله في إحدى مناظراته: "إِنَّمَا جُعِلَ الْقِتَالُ لِإِزَالَةِ الْفِتْنَةِ وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ". وبناءً على هذا القول، يكون القتال مشروعاً عندما يكون للدفاع ضد الظلم وإقامة العدل. وأكد الباحث أن الجهاد وسيلة لحماية المجتمع ودفع الفتنة، وليس أداة للتوسع أو الهيمنة.

وأشار الباحث الديني إلى أنواع الجهاد في أقوال الإمام الرضا (ع)، الذي قسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: الجهاد مع العدو الظاهر، والجهاد مع الشيطان، والجهاد مع النفس. واعتبر الإمام أعلى مراتب الجهاد هو الجهاد مع العدو الذي يشن الحرب على المسلمين. وأوضح مهدوي بارسا أن كلمة "أفضل" تعني الأرفع مكانة، وليس بالضرورة الأصعب، معتبراً أن جهاد النفس هو أصعب أنواع الجهاد.

وقدم الباحث الديني "جهاد التبيين" كجزء مهم آخر من الجهاد في منظور الإمام الرضا (ع)، وهو الجهاد الذي يُدافع فيه عن الحقيقة بالعلم والحوار والمناظرة. ونقلاً عن قول الإمام: "إِنَّ بِدْعَةً يُضِلُّ بِها أَحَدٌ عَنْ وَلَايَتِنا أَهْوَنُ مِنْ نَصْبِ حَرْبٍ لَنا عَلَى السُّيُوفِ"، أضاف الباحث أن "إحداث الانحراف الفكري والبدعة أخطر من الحرب الصعبة، لأن الضربة الاعتقادية الخفية تُغني العدو عن الحرب المعلنة". وأوضح أن هذا التعبير يدل على أن "جهاد التبيين" في منطق الإمام يسبق الجهاد العسكري في الأهمية. واستشهد بأمثلة تاريخية لمناظرات الإمام الرضا (ع) مع الجاثليق ورأس الجالوت والمتكلمين والزنادقة والصوفية، معتبراً هذه المناظرات مثالاً واضحاً على "الجهاد الكبير" الذي ذكره القرآن "جِهَادًا كَبِيرًا".

وتحدث الباحث عن دور الإمام الرضا (ع) في فضح وجه المأمون، مشيراً إلى أنه على الرغم من محاولات المأمون إظهار نفسه كشخصية محبة للعلم والمناظرة، إلا أن الإمام الرضا (ع) كشف، من خلال حضوره في المناظرات وسلوكياته الحكيمة، حقيقة شخصيته السياسية. واعتبر هذا الإجراء نموذجاً لـ"الجهاد الإعلامي"، لأن الإمام، دون الدخول في حرب ظاهرية، كشف النقاب عن وجه الحاكم.

واختتم الباحث الديني كلمته مستشهداً بالآية الكريمة "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا" (البقرة، 190)، مؤكداً أن الجهاد في الإسلام يرتبط دائماً بالعدالة والأخلاق والامتناع عن العدوان، وأن تعاليم الإمام الرضا (ع) تقدم خريطة طريق دقيقة وشاملة لمواجهة العدو في المجالات العسكرية والثقافية والعقدية والأخلاقية.

مشهد الرضا (ع) عاصمة العشق والولاء؛ الزائرون يغمرهم كرم الإمام الرؤوفالسيرة الاجتماعية والعبادية والعائلية للإمام الرضا (ع)

استعرض حجة الإسلام مهدي رجائي خراساني، أمين جبهة رجال الدين الشعبيين، أبعاداً من سيرة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) الاجتماعية والعبادية والعائلية، مؤكداً على ضرورة اقتداء مجتمع اليوم بأسلوب ومنهج الإمام الرضوي وأكد أنه كان في غاية التواضع في تعامله مع الآخرين، حتى أنه كان يؤكد على حضور الخدم ومن هم أقل مستوى اجتماعياً إلى جانبه عند بسط مائدة الطعام، قائلاً: "إلهنا وإلههم واحد، ونحن جميعاً من أب وأم واحد".

وأضاف أن الإمام كان رحيماً، حسن الخلق، ووقوراً في تعامله مع الناس، فلم يكن يقطع كلام أحد، ولا يمد رجليه أمام الآخرين، وكان دائماً أنيقاً ومنظماً عند حضوره في التجمعات.

وأشار رجائي خراساني إلى السيرة العبادية للإمام الرضا (ع)، فقال: كان الإمام حريصاً على أداء الصلاة في أول وقتها، والنوافل اليومية، والتهجد لأداء صلاة الليل. ومن أبرز سمات سيرته العبادية صلاته أربع ركعات بصورة صلاة جعفر الطيار خلال جزء من صلاة الليل.

وتابع: كان الإمام الرضا (ع) يردد بعد صلاة الظهر مئة مرة شكراً لله، وبعد صلاة العصر مئة مرة حمداً لله، وكان يستغفر الله سبعين مرة في اليوم. كما كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر (الخميس الأول من الشهر، والخميس الأخير، والأربعاء الأوسط من الشهر)، وكان يتحلى بالإحسان الكثير للفقراء.

وفي معرض حديثه عن السيرة العائلية للإمام، قال رجائي خراساني: كان الإمام يولي اهتماماً خاصاً للأسرة، حتى أنه كان يؤكد على أناقة الرجل وهو في بيته. فكان الإمام يختضب (يصبغ شعره بالحناء)، قائلاً: إن استعداد الرجل وأناقته لزوجته يُحدثان زيادة في العفة والطهارة داخل الأسرة.

وأضاف: كان الإمام (ع) رحيماً جداً بالبنات، وكان يقول: "إن الله أرحم بالنساء". وأكد في قول له قيم إن شكر الله إلى جانب شكر الوالدين هو ما يُقبل من العبد.

مشهد الرضا (ع) عاصمة العشق والولاء؛ الزائرون يغمرهم كرم الإمام الرؤوفتبيان أبعاد مختلفة من سيرة الإمام الرضا (ع) في نمط الحياة المعاصر

أكدت أقدس سادات سيدي، خبيرة دينية متخصصة في شؤون الأسرة، أن الاستفادة من نماذج سيرة الإمام الرضا (ع) يمكنها إصلاح وتقوية أسلوب حياتنا اليوم، موضحةً أبعاداً مختلفة من سيرته العبادية والاجتماعية والعائلية.

عرّفت الخبيرة الدينية مفهوم "سيرة الإمام الرضا (ع)"، موضحة أن السيرة في اللغة العربية تعني "الطريقة والحركة والأسلوب"، وتُطلق في المجال الديني على منهج وسلوك المعصومين (ع) في مختلف مجالات الحياة. واستشهدت بالآية 21 من سورة الأحزاب، مؤكدة أن القرآن يلزم المسلمين بالاقتداء بسيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع) وتطبيقها في حياتهم.

وفقاً للخبيرة الدينية، فإن المحور الهام من السيرة الرضوية هو "معاشرة الآخرين". وأوضحت أن الإمام الرضا (ع) كان وقوراً وهادئاً في حديثه، ومستمعاً جيداً، وأن هذه النقاط يمكن أن تشكل نموذجاً مهماً في الأمر بالمعروف والتواصل مع المراهقين. وأضافت أن الإمام أكد على عدم الدخول في جدال ومشاحنات عقيمة مع منكري الحق والمعاندين، بل الابتعاد عنهم، وهذا الأمر يوضح واجبنا في تفاعلاتنا الاجتماعية اليوم.

اعتبرت سيدي البعد الآخر من سيرة الإمام الرضا (ع) هو "السلوك مع الأسرة"، فقالت: أوصى الإمام بأن تكون المرأة كسيدة البيت أمينة في غياب زوجها، وأن تخلق جواً دافئاً وهادئاً للأسرة باهتمامها وأناقتها، وهو عمل أجر وفقاً لقول النبي (ص) كأجر "حارس الجبهة ليلاً ونهاراً".

واختتمت الخبيرة الدينية حديثها قائلة: إن اتباع السيرة الرضوية في الحياة يجعلنا في عداد المجاهدين في سبيل الله، ويحقق النمو الروحي والاجتماعي للمجتمع.

/انتهی/

رمز الخبر 1970373

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha