وكالة مهر للأنباء- رسول حسين أبو السبح: لم يكن اتفاق إسلام آباد، منذ اللحظة الأولى، اتفاقاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، لم تكن هناك وثيقة موحدة، ولا بنود معلنة، ولا أطراف جلست جميعها حول الطاولة نفسها، كان هناك فقط إعلان سياسي متسرع، أريد له أن يظهر كإنجاز دبلوماسي كبير، فيما كانت الطائرات الحربية لا تزال تحلق، والصواريخ لا تزال تُجهَّز، والقرار العسكري للكيان الإسرائيلي لم يتوقف لحظة واحدة.
ما كشفته التسريبات الغربية، ولا سيما ما نشرته صحيفة Wall Street Journal، لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل جوهر الأزمة كلها، الكيان الصهيوني، الطرف الذي يقود أوسع حرب في المنطقة منذ سنوات، لم يكن شريكاً فعلياً في صياغة الاتفاق، كل ما جرى أنه أُبلغ، عبر مكالمة هاتفية قصيرة، قبل دقائق من الإعلان العالمي عن الهدنة.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية، كيف يمكن لاتفاق لوقف إطلاق النار أن يصمد، بينما الطرف الأكثر تورطاً في الحرب لم يوقّع عليه، ولم يلتزم به، ولم يعترف أصلاً ببنوده؟
منذ الساعات الأولى بعد إعلان الهدنة، كان الجواب واضحاً في الميدان، الجنوب اللبناني تعرض لسلسلة غارات جديدة، استهدفت قرى ومناطق مدنية، فيما استمر القصف والتهديد ضد الداخل الإيراني، أي إن الكيان الصهيوني لم يكتفِ برفض الهدنة عملياً، بل تعامل معها كأنها لا تعنيه، وكأن من أعلنها لا يملك أي قدرة على إلزامه.
هذه الوقائع تكشف أن ما سُمّي «اتفاق إسلام آباد» لم يكن سوى، «هندسة غموض» متعمدة، تركت التناقضات معلقة، وأجلت الانفجار بدلاً من منعه.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية دخلت التفاوض من منطلق واضح، أي تهدئة لا يمكن أن تكون حقيقية إذا استُثني لبنان، وإذا بقيت جبهة المقاومة مفتوحة أمام العدوان، بالنسبة لطهران، كان وقف الاعتداء على لبنان جزءاً أساسياً من أي تفاهم، لأن الحرب هناك ليست ملفاً منفصلاً، بل امتداد مباشر للصراع في المنطقة.
في المقابل، كان الكيان الصهيوني يتحرك بمنطق مختلف تماماً، فهو يرى أن الحرب على لبنان، وتحديداً على المقاومة فيه، هي جوهر خطته العسكرية الحالية، ولذلك لم يكن مستعداً لأن يقبل بأي صيغة تتضمن وقفاً للعمليات في الجنوب اللبناني، وهكذا وُلد الاتفاق مشلولاً منذ لحظته الأولى، إيران تتحدث عن هدنة تشمل لبنان، بينما “الكيان” يتصرف وكأن لبنان خارج أي تفاوض.
النتيجة أن الطرف الذي انتهك جميع الحقوق خرج إلى الإعلام معلناً انتصاره، بينما الحقيقة أن الجمهورية الإسلامية لهذه اللحظة هي من يقرر متى وكيف.
واشنطن قالت إن الخطة الإيرانية أُلقيت في «سلة المهملات»، وإن أهدافها العسكرية تحققت بالكامل هذا ما تعود عليه الرأي العام من تزييف وتحريف للحقائق، في المقابل، أعلنت طهران أن الخطة ذاتها هي الإطار الذي تم الاتفاق عليه، وأن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني انتهكا بنودها قبل أن يجف حبرها.
لكن الأخطر من كل ذلك هو الدور الباكستاني، لقد قدمت باكستان نفسها بوصفها الوسيط والضامن، و استضافت المسار الذي انتهى إلى الإعلان عن الهدنة، ومن هنا فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية لا تتوقف عند حدود تنظيم الاجتماعات أو إصدار البيانات، عندما تتولى دولة دور الوساطة، فإنها تصبح مطالبة بحماية الاتفاق، ومساءلة من يخرقه، لا أن تكتفي بالصمت أو الاختباء خلف العبارات الدبلوماسية.
رئيس الوزراء الباكستاني اليوم أمام اختبار حقيقي، فإذا كانت إسلام آباد قد قبلت أن تكون الجسر بين الأطراف، فعليها أيضاً أن تتحمل مسؤولية انهيار هذا الجسر عندما يقصف الكيان الصهيوني جنوب لبنان، ويواصل اعتداءاته على إيران، بعد ساعات فقط من إعلان وقف إطلاق النار.
إن الصمت الباكستاني في هذه اللحظة لن يُفسَّر على أنه حياد، بل على أنه تخلٍّ عن دور الوسيط، بل وربما غطاء غير مباشر لاستمرار العدوان، الوسيط الحقيقي لا يكتفي بجمع المتخاصمين في غرفة واحدة، بل يواجه الطرف الذي ينسف التفاهمات، ويسميه باسمه، ويطالبه علناً بالالتزام.
وكان يفترض بباكستان، فور وقوع أول غارة على جنوب لبنان بعد إعلان الهدنة، أن تعلن بشكل واضح أن الكيان الصهيوني هو الطرف الذي خرق الاتفاق، وأن تدعو إلى جلسة طارئة، وأن تستخدم ما لديها من علاقات واتصالات للضغط باتجاه وقف الاعتداءات.
أما الاكتفاء بانتظار «اجتماع الجمعة» في إسلام آباد، فيما الطائرات تقصف والحدود تشتعل، فهو يعني عملياً أن الهدنة لم تكن سوى فترة استراحة قصيرة بين جولة وأخرى من الحرب.
إن ما يجري اليوم يثبت مرة أخرى أن المشكلة ليست في غياب المبادرات، بل في غياب الإرادة الحقيقية لإلزام الكيان الصهيوني بأي اتفاق، فمنذ عقود، تتكرر الصورة نفسها، تُعلن التفاهمات، ثم تُخرق خلال ساعات، ثم يُطلب من الآخرين أن يتحلوا بـ «ضبط النفس»، بينما يستمر العدوان بلا محاسبة.
لكن إيران، ومعها قوى المقاومة في المنطقة، لم تعد تنظر إلى هذه المعادلة بوصفها قدراً لا يمكن تغييره، الرسالة التي تريد طهران إيصالها واضحة، لا يمكن الحديث عن استقرار في المنطقة بينما يُترك لبنان مكشوفاً، ولا يمكن الحديث عن وقف إطلاق نار بينما تستمر الغارات على الأرض.
ولهذا فإن الأيام المقبلة لن تكون اختباراً لإيران، بل اختباراً لباكستان، وللدول التي ادعت أنها رعت التهدئة، هل ستجرؤ على تسمية الطرف الذي خرق الاتفاق؟ هل ستطالب بمساءلته؟ أم أنها ستترك «هندسة الغموض» تنهار بالكامل تحت وقع القصف؟
إذا لم تتحرك إسلام آباد الآن، فإن الاجتماع المقبل لن يكون اجتماعاً لإنقاذ الاتفاق، بل مناسبة للإعلان عن موته رسمياً، وعندها سيتضح أن المشكلة لم تكن في تعقيد الصراع، بل في أن الوسطاء سمحوا منذ البداية بولادة هدنة بلا ضمانات، واتفاق بلا توقيع، وسلام بلا قوة تحميه.
/انتهی/
تعليقك