١٩‏/٠٣‏/٢٠٢٦، ٣:٠٠ م

خاص لمهر.. مسلسل الإغتيالات في إيران

لماذا فشلت استراتيجية "قطع الرأس" في الحرب على الجمهورية الإٍسلامية

لماذا فشلت استراتيجية "قطع الرأس" في الحرب على الجمهورية الإٍسلامية

تُعرَّف استراتيجية "قطع الرأس" على أنها عملية تحييد لقيادات دولة أو منظمة ما، بهدف شلّ قدرتها على القتال عوضاً عن قتالها، وبذلك تحقيق نصرٌ سريع ومنخفض التكلفة. حاول العدو الصهيوأمريكي اتباع هذه الاستراتيجية في حربه على إيران، ولكن اليوم، وبعد مضي عشرين يوماً على الحرب، أثبتت هذه الوصفة فشلها الذريع.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: لابدّ أن نشوة النصرالسريع والرخيص الذي حققته استراتيجية "قطع الرأس" في فنزويلا، دفعت بترامب إلى الظن أن اغتيال قائد الثورة الإسلامية كفيل بأن يؤدي إلى انهيار النظام في إيران. أو على الأقل سيدخل الجمهورية الإسلامية في حالة من الشلل والتخبط، تنتهي بقبول أحد عناصر النظام بـالاستسلام غير مشروط على "الطريقة الفنزويلية".

بالطبع ومما لاشكّ فيه أن شهادة الإمام الخامنئي كان لها ما لها من أثر في النفوس، سواء في إيران أوالمنطقة أوالعالم أجمع. ولكن التعويل على انهيار النظام الإيراني لمجرد اغتيال قياداته هو ليس سوى "سذاجة "، وإذا دلّ على شيء، فهو يدل على جهل العدو التام بطبيعة النظام والمجتمع في إيران.

ولكن صَدَق من سمَّى الكِبَر بأم الخطايا، فهذا العدو الذي يتغنّى بقدراته الاستخباراتية ( وهو إدعاء لا يمكن إنكاره في الجانب الفني والتقني)، أعماه غروره أن يرى ما يمكن لأي قارئ للتاريخ المعاصر في إيران أن يراه.

هذه المقالة هي محاولة متواضعة لتسليط الضوء على بديهيات بسيطة، ولكن يمكن للجهل بها أن يأخذ بصاحبه إلى قراءة خاطئة تماماً للمشهد في إيران، سواء كان باحث سياسي بسيط، أو كبرى أجهزة الاستخبارات العالمية:

للمرة المليون...إيران ليست ديكتاتورية!

إن تفرّد الجمهورية الإسلامية في الشكل والمضمون، قد توقع الباحث (على افتراض موضوعيته وسلامة نواياه) في حالة من الإبهام، حيث أنها لا تنطبق مع القوالب الجاهزة لأشكال الحكم التي تطرح عادةً في كتب السياسة، وخصوصاً الغربية منها.

ليس الهدف من هذه المقالة تفصيل وتشريح شكل النظام في إيران. فذلك يحتاج إلى بحث مفصل خارج عن سياق مقالنا. ولكن يكفي الإشارة إلى أن الشعب الإيراني شأنه شأن أي ديمقراطية أخرى، يقوم بانتخاب رئيس الجمهورية (كرئيس للسلطة التنفيذية) وممثليه في مجلس الشورى الإسلامي (كسلطة تشريعية) عن طريق انتخابات مباشرة تجري كل أربع سنوات.

ولكن مايميز الجمهورية الإٍسلامية عن باقي الحكومات، هي أن الشعب الإيراني - إلى جانب الانتخابات البرلمانية والرئاسية - يقوم بانتخاب أعضاء مجلس آخر يسمى بمجلس "خبراء القيادة" ، يضم هذا المجلس نواباً عن جميع فئات المجتمع الإيراني بما فيها الأقليات القومية وأهل السنة.

تتمثل وظيفة هذا المجلس بانتخاب قائداً للثورة الإسلامية أو مايعرف بـ(الولي الفقيه)، ثم الرقابة على أداء مهامه وأهليته للبقاء في المنصب. لذلك فإن قائد الثورة الإسلامية هو مُنتخب في الواقع ولا ينصّب نفسَه بنفسِه، وانتخابه يأتي من قبل أشخاص منتخبين من قبل الشعب بشكل مباشر.

وكا أسلفنا مسبقاً، فإن الولي الفقيه يخضع للرقابة والسؤال من قبل مجلس "خبراء القيادة". بالإضافة إلى أنّ صلاحيات الولي الفقيه مشروطة بأهليته وقدرته على أداء واجباته، والدستور الإيراني (الذي تم سنّه باستفتاء شعبي)، نصّ بشكل واضح على إمكانية عزل الولي الفقيه في حال فقدانه لشروط الأهلية المحددة في الدستور، أي أن صلاحيات قائد الثورة، مقيّدة و ليست مطلقة، و تنبع من القانون و لا تتجاوزه!

ولكن كيف لهذا أن يؤثرعلى قراءة الأحداث في إيران؟

الجواب يكمن في آلية عمل النظام الديكتاتوري. حيث أن القضاء على المنافسين أو الشركاء في السلطة غير كافٍ ليتمكن الديكتاتور من فرض سلطته المطلقة، إنما يستوجب ذلك تقويض أي آلية قانونية، وتفكيك أي قوى اجتماعية وسياسية " قد " تنتج فرد أو هيئة تشاركه السلطة مستقبلاً. ليتحول بذلك – هو شخصياً- إلى المرجع الأول والأخير لكافة شؤون الدولة. وفي هذه الحالة، فإن غياب الحاكم لأي سبب من الأسباب، يُدخِل النظام كله في حالة تعليق. ولكن في المقابل، فإن الدستور الإيراني قد سن قوانين تعالج مسألة غياب الولي الفقيه وآليات تقسيم مهامه، وآليات انتخاب خلفه بشكل واضح.

إن أداء الجمهورية الإسلامية الوظيفي بعد سلسلة الإغتيالات الواسعة التي طالت قيادات الصف الأول والثاني وربما الثالث، والتنسيق بين القوات المسلحة والجهاز الدبلوماسي، كفيل لإثبات أن عملية اتخاذ القرار في إيران تتم عن طريق أُطُر قانونية وعمليات تفاعلية بين مراكز متعددة ومتوازنة للسلطة، وليس على "فرامين" من صاحب السلطان.

وإن استبسال القوات المسلحة في الدفاع عن البلاد دون حادثة استسلام أو انشقاق عسكري واحدة، والحضور الشعبي الواسع لملايين الإيرانيين في الساحات دعماً لبلادهم دون أن نشهد ولو مظاهرة واحدة للمطالبة بإسقاط النظام، يدل على أن الجمهورية الإٍسلامية هي نظام شرعي وذو قاعدة اجتماعية قوية يمثل ملايين الإيرانيين.

إن رهان العدو على سقوط النظام بعد اغتيال سماحة القائد الشهيد ورفاقه من قيادات القوات المسلحة ورموز الدولة رحمهم الله جميعاً، ينشأ من فهمٍ خاطئ لهذه الحقيقة البسيطة.

إدارة فريدة...

بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، واجهت الثورة الفتية خطراً داهماً تمثل بمجموعة واسعة من الإغتيالات قامت بها مجموعات مسلحة كانت في أغلب الأوقات ترتبط بجهات أجنبية، كمنظمة المنافقين (المعروفة باسم مجاهدي خلق) و منظمة الفرقان وغيرهم. كانت تهدف هذه الإغتيالات ببساطة إلى إسقاط الثورة عن طريق تصفية مسؤوليها الجدد.

وبالفعل، نجحت هذه المجموعات بتصفية عدد كبير من المسؤولين. حتى أنهم تمكنوا في أحد العلميات من اغتيال رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس الاستخبارات إلى جانب عدد كبير من رفاقهم دفعةً واحدة.ومن الجدير بالذكر أن الإمام علي الخامنئي نفسه رحمه الله، كان هدفاً لأحد هذه المحاولات أثناء توليه لرئاسة الجمهورية، وفقد على أثرها يده اليمنى.

ولكن هذه الإغتيالات كان لها أثر آخر، فقد دفع هذا التهديد الدائم بالمسؤولين الجدد إلى تطوير نوعاً خاصاً من الإدارة مقتبس من تاريخ الإٍسلام وسيرة الرسول الأكرم وآل البيت في الغزوات. أسلوب يقوم على الإيثار بالسلطة بين الرئيس والمرؤوس، ومشاركة الصلاحيات والمهام بين كل مسؤولٍ ونائبه، بما يضمن استمرار تسيير الأمور في حال استشهاد أي منهما.

أضف على ذلك أن القسم الأكبر من مسؤولي الجمهورية الإٍسلامية، وعلى رأسهم الشهداء الذين اغتالهم الكيان الصهيوني، هم في الأصل خرّيجي جبهات القتال أثناء الحرب الإيرانية العراقية المفروضة. فاحتمالية استشهاد أي قائد على الجبهات استوجبت نفس الآلية في الإدارة و توزيع المهام.

لذلك فإن الحقيقة التي يعجز العدو عن فهمها، هي أن المناصب بالنسبة لمسؤولي الجمهورية الإٍسلامية تكليف وليست تشريف. وإن فكرة الاستشهاد كانت حاضرة دائمة في أسلوب حياتهم وإدارتهم لشؤون الدولة، لذلك لم يتوانى أي منهم عن تعيين عدة نواب يشاركوه الصلاحيات، وكل نائب بدوره يعين عدة نواب، أسلوبٌ يضمن استمرارية العمل وإنجاز المهام في حال استشهاد أي منهم.

مباشرة الرد الإيراني بعد 15 ساعة فقط خلال حرب الـ12 يوماً ، وبعد 30 دقيقة فقط خلال حرب "رمضان". بالإضافة إلى الإنسجام في طبيعة الرد العسكري كماً ونوعاً، و التدرج في التصعيد ونوعية السلاح المستخدم والأهداف المستهدفة، إلى جانب إدارة ملف بالغ الحساسية كمضيق هرمز بمرونة وتمييز بين الأهداف المشروعة والدول الصديقة، كلها أدلة تظهر نجاح وفعالية أسلوب الإدارة الإسلامي الفريد الذي يجمع بين اللامركزية والتنسيق والإنسجام.

أنا وابن عمي على الغريب

لاشك أن الحصار الإقتصادي المفروض على إيران لما يقارب النصف القرن، ألحق أضراراً جسيمة بالبنية القتصادية والإجتماعية للبلاد. فقد سببت العقوبات معضلات اقتصادية أبرزها التضخم والبطالة، صعّبت على الإيرانيين حياتهم اليومية وضيقت الخناق على طبقات المجتمع الدنيا.

دفع هذا الأمر بالإيرانيين إلى الاحتجاج على تردّي الأوضاع الاقتصادية أكثر من مرة. كان آخرها الحراك المشروع في يناير الماضي والذي قامت أطراف أجنبية وجماعات مسلحة إرهابية باستغلاله وتبديله لحمام دم راح ضحيته أكثر من 3 آلاف إيراني.

لابد أن مشاهد الاحتجاجات على الضغوط الاقتصادية، خلقت تصوراً خاطئاً في واشنطن وتل أبيب أن اغتيال قيادات الحكومة، سيدفع بالشعب الإيراني إلى الشوارع لإسقاط النظام.

فعلاً، لقد دفعت الإغتيالات بالشعب الإيراني للنزول إلى الشوارع، ولكن خلافاً لتوقعات نتانياهو وترامب، كان احتشادهم حزناً وعزاءً على الشهداء. ولقد شاهد العالم أجمع على شاشات التلفاز نزول الملايين من الإيرانيين إلى شوارع طهران وبقية المدن الإيرانية، وتجمعهم في الساحات تحت النار والقصف لإدانة اغتيال الشهيد آية الله الخامنئي وبقية القيادات.

وهذا يعيدنا بالذاكرة إلى "صدام حسين" الذي افترض يوماً أن تفكيك جيش البهلوي، و حداثة الجمهورية الإٍسلامية وافتقارها للسلاح، بالإضافة إلى الضمانات الغربية بتلقيه دعم استخباراتي وعسكري غير محدود، سيجعل من إيران لقمة سائغة، و سيتمكن من "تناول العشاء في طهران خلال أٍسبوع" حسب تعبيره. لم يعلم صدام حينها أنه سيحتفل بعد 8 سنوات باستعادة مدن الجنوب العراقي كأكبر إنتصار لقواته المسلحة!

إن جرائم الحرب واستهداف المدنيين التي ارتكبها الكيان الصهيوني في عدوانه على طهران، وتوهمات بعض دويلات المنطقة حول الجزر الإيرانية الثلاث، والحديث عن دعم نتانياهو لجماعات إنفصالية. خلقت نوعاً من التوجس والتخوف لدى الإيرانيين. وإن أي شخص لديه ولو معرفة بسيطة بالمجتمع الإيراني، سيعرف ماذا تعنى "الروح الفارسية"، لذلك لايعدو التعويل على دعم الشعب الإيراني للغزو الخارجي لبلاده أن يكون ضربٌ من السذاجة والحماقة ينمّ عن جهل تام.

خلاصة القول...

لقد حاول الكيان الصهيوني والعدو الأمريكي اتباع "وصفة" جاهزة لإدارة حربهم على إيران، تقوم على أساس" قطع الرأس" وتحقيق نصر سريع. فقد تصور العدو أنه سيتمكن باغتياله قيادات الصف الأول العسكرية والأمنية والسياسية، وعلى رأسهم قائد الثورة الإٍسلامية آية الله الشهيد على الخامنئي، من إسقاط الجمهورية الإسلامية أو على الأقل إخضاعها.

ولكن مالبثت هذه الإستراتيجية أن برهنت أنها بنيت على أوهام وتصورات خاطئة. فمالم يتخيله العدو أن يستنفذ جميع بنك أهدافه خلال الأيام الأولى للحرب، وفي المقابل أن يستمر النظام في طهران بإدارة شؤون البلاد والمجتمع وجبهات الحرب بفعالية تامة.

إن قدرة الجمهورية الإٍسلامية على الإستمرار بعد استشهاد أغلب رموزها، تنبع من مشروعية و شعبية النظام السياسي الحاكم ، وأسلوب الإدارة الإسلامي الفريد للمسؤولين، وموقف الفرد الإيراني من بلاده وموقعها التاريخي.

/انتهى/

رمز الخبر 1969373

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha