٠٩‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ٦:٢٦ م

مقال مدير وكالة مهر؛

الضاحية عاصمة إيران 

الضاحية عاصمة إيران 

في إطار الفكر السياسي للجمهورية الإسلامية تعد الضاحية بمثابة عاصمة إيران، ولا تقل أهميتها عن أهمية طهران هذا النهج لا يعني تدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية بل يعكس أصالة الموقف اللبناني من جبهة المقاومة، التي يمثلها حزب الله، والتي لا تقل أهمية في إيران عن لبنان وستظل قضية حيوية في أي اتفاق محتمل.

وكالة مهر للأنباء - محمد مهدي رحمتي: يمكن القول، بأسلوب غير دبلوماسي وبدافع الضرورة: "لم يكن لبنان ضمن وقف إطلاق النار منذ البداية". يمكن تجاهل تغريدة الوسيط الباكستاني وتاريخ المفاوضات. يمكن اعتبار نقض الوعود عادةً. لكن لا يمكن توقع أن إيران لن تردّ بينما تحترق بيروت تحت وطأة القصف، وأن المحادثات معها ستُثمر.

تضمن إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبول إيران والولايات المتحدة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وبدء المحادثات الوشيكة بين الطرفين للتوصل إلى اتفاق، عدة نقاط أساسية، أولها التأكيد على قبول إيران والولايات المتحدة وحلفائهما وقف إطلاق النار، ثم أكد أن هذا الوقف سيشمل لبنان أيضًا. بعد ذلك مباشرة، غرد وزير الخارجية الإيراني عراقجي، شاكراً رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش الباكستاني المحترم عاصم منير على جهودهما الدؤوبة لإنهاء الحرب في المنطقة: "استجابةً للطلب الأخوي لرئيس وزراء باكستان في تغريدته، وفي ضوء طلب الولايات المتحدة التفاوض بشأن مقترحات باكستان المكونة من 15 نقطة، وإعلان الرئيس الأمريكي قبوله مقترحات إيران العشرة كاملةً كأساس للمفاوضات، أعلن نيابةً عن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني: إذا توقفت الهجمات على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن قواتنا المسلحة القوية ستتوقف أيضاً عن هجماتها الدفاعية". أعاد ترامب نشر هذه التغريدة لاحقاً. أشار هذا التفاعل على شبكة إكس إلى اتفاق واضح قائم على مقترحات الطرفين كأساس لوقف إطلاق النار والمفاوضات. مع أن تغريدة عراقجي لم تذكر لبنان، إلا أن جميع النسخ المنشورة من مقترح النقاط العشر، بغض النظر عن المعيار الذي تختاره الولايات المتحدة، تضع لبنان وحزب الله في صدارة القائمة. بعد ساعات قليلة من هذه الردود الإعلامية والدبلوماسية، بدأت غارات جوية مكثفة وغير مسبوقة على حزب الله في ضواحي بيروت، لدرجة أن بعض المصادر وصفتها بأنها غير مسبوقة منذ عام ١٩٨٢، ووفقًا لمصادر لبنانية، استشهد نحو ٢٠٠ شخص وأصيب نحو ٨٠٠ آخرين في هذه الهجمات. من جهة أخرى، أصدر مكتب نتنياهو بيانًا لم يعتبر فيه وقف إطلاق النار يشمل حزب الله ولبنان، وتحدث عن استمرار الحرب على تلك الجبهة. كان من المتوقع أن يُصحح الجانب الأمريكي هذا الموقف، المخالف لما سبق ذكره، وأن تُمنع جريمة نتنياهو؛ لكن بنهج مختلف تمامًا، حاول كل من ترامب وليفيت وفانس، على التوالي، الإعلان بلغة بعيدة كل البعد عن اللياقة الدبلوماسية أنه لم يكن هناك اتفاق على إدراج لبنان في وقف إطلاق النار منذ البداية. ومن المثير للاهتمام أن الجانب الأمريكي ركز على الادعاء بأن سوء فهم إيران هو ما أدى إلى افتراض أن لبنان مشمول أيضًا في خطة وقف إطلاق النار. تجاهل ردود فعل رئيس الوزراء الباكستاني وسفير بلاده لدى الولايات المتحدة، اللذين أكدا صراحةً على الاتفاق بوقف الحرب في لبنان.

على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، واجهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مفاوضاتها مع الأمريكيين، مشكلة تتمثل في عدم اعتراف بعض الحكومات الأمريكية بالتزامات الحكومات السابقة (مثل الاتفاق النووي)، أو تجاهلها بسهولة لما أقرته الحكومات نفسها واعتبرته أرضية مشتركة، وإنكارها أو تجاهلها لتاريخ القضية (مثل المفاوضات التي جرت قبل حرب الأيام الاثني عشر والحرب الأخيرة). هذا التوجه غير القانوني وغير الأخلاقي في الدبلوماسية الأمريكية حوّل الحوار مع الولايات المتحدة إلى شأن يخص الحكومة الإيرانية، وهو ما لا يُسفر عن نتائج فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى إهدار الفرص وإضعاف إيران.

اعتقد الأمريكيون، بتحريض من الكيان الصهيوني والفكرة الخاطئة التي طرحها نتنياهو، أن على إيران إما الاستسلام الكامل أو السقوط بهجوم قصير المدى؛ فدخلوا حربًا، بحسب غالبية السياسيين والمحللين، فشلت في تحقيق أهدافها. إضافةً إلى تعريض أمن الطاقة في المنطقة والعالم للخطر، عرّضت هذه الخطوة دول الخليج الفارسي، التي كانت متمركزة هناك لسنوات لضمان أمنها، لحرب غير متوقعة. وفي تحييد الفكرة الأمريكية المتمثلة في مهاجمة إيران لإسقاط الجمهورية الإسلامية، كان التضامن الاجتماعي وخروج الشعب إلى الشوارع من أهم العوامل. هذا النهج غير المسؤول من جانب الأمريكيين يعني أن هذه الفئة الاجتماعية المؤثرة والواسعة الانتشار، استنادًا إلى تجارب سابقة وتقييم للمواقف والإجراءات الحالية، لن تدعم المفاوضات الأخيرة التي من المقرر أن تبدأ بخرق سابق للوعد، ولن تدعم الحكومة في اتباع هذا الخيار. في هذه الحالة، ستكون احتمالية التوصل إلى أي اتفاق أقل من ذي قبل، وستجعل الأوضاع الهشة أصلًا أكثر صعوبة.

إذا لم يكن وقف إطلاق النار في لبنان صحيحًا، على عكس ما ورد في الوثائق المنشورة وما أكدته إيران، فإن انتهاك إيران له دعمًا لحزب الله والدولة اللبنانية لا يُعدّ انتهاكًا لوقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين. فمن جهة، لا يُمكن اعتبار إيران مُخطئة في فهم بنود اتفاق وقف إطلاق النار أو مُتهمة بالجهل، ومن جهة أخرى، لا يُمكن إلزامها بالالتزام بوقف إطلاق النار في منطقة غير مشمولة بالاتفاق. إذا كانت الحكومة الأمريكية تسعى لحل القضايا الإقليمية وإجراء محادثات مع إيران، فعليها أولًا توضيح دور نتنياهو في السياسة الخارجية الأمريكية والحدّ منه، ثم المشاركة في الاجتماعات الإقليمية. من الطبيعي في هذه الحالة، أولًا، ألا تتمكن إيران من التفاوض بشأن هذه الحرب الوجودية دون أفق لحل جميع جوانبها، وثانيًا، أن ذلك سيوقع الولايات المتحدة في دوامة تؤدي إلى مواجهة أكثر عنفًا وصعوبة في كل مرة يتدخل فيها نتنياهو بشكل غير متوقع، وسيُورّط الحكومة الأمريكية ويدفع ثمن أوهام رئيس وزراء الكيان الصهيوني.

إذا كان ترامب والولايات المتحدة مستعدين حقًا للتفاوض مع الجمهورية الإسلامية، فلا بد أنهما أدركا مسبقًا أن العلاقة بين الثورة الإسلامية وحركة المقاومة ليست علاقة أب روحي بأتباعه السياسيين، يستغلهم لتحقيق أهدافه السياسية متى شاء، أو يتجاهلهم في أوقات الشدة والضيق انطلاقًا من مبدأ المصلحة الذاتية، ويستخدمهم كورقة ضغط لتحقيق غاياته، كما فعل الكيان والولايات المتحدة مع الجماعات الكردية في العقود الأخيرة.

من هذا المنظور، وفي إطار الفكر السياسي للجمهورية الإسلامية، تُعدّ الضاحية بمثابة عاصمة إيران، ولا تقل أهميتها عن أهمية طهران. هذا النهج لا يعني التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، بل يعكس أصالة الموقف اللبناني من جبهة المقاومة، التي يمثلها حزب الله، والتي لا تقل أهمية في إيران عنها في لبنان، وستظل قضية حيوية ومستمرة في أي حوار أو اتفاق محتمل.

رمز الخبر 1969854

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha