وكالة مهر للأنباء: في أدبيات العلاقات الدولية، ولا سيما في مواجهة القوى العظمى، ثمة مبدأ غير مكتوب ولكنه متكرر: يعتمد سلوك القوى بشكل أكبر على "إدراكها للإرادة السياسية للطرف الآخر" منه على قدراتها العسكرية أو الاقتصادية الموضوعية. بعبارة أبسط، ما يحدد مسار الأحداث ليس مقدار القوة فحسب، بل درجة "مصداقية استخدام تلك القوة". ضمن هذا الإطار، يشير بعض المحللين الغربيين، بمن فيهم لورا بلومنفيلد، المستشارة السابقة لوزارة الخارجية الأمريكية، إلى منطق سلوكي بسيط ولكنه عميق، مستندين إلى مقولة منسوبة إلى آية الله الخميني (رض): أن الخوف في مواجهة القوة قد يُشعل فتيل الضغط، وأن المقاومة قد تكون نقطة توقفه.
يمكن دراسة هذه الفرضية، بغض النظر عن التقييمات السياسية أو الأيديولوجية، على مستوى تحليل سلوك القوى. ففي العلاقات الدولية، عادةً ما تتصرف القوى بناءً على إدراكها "للتكاليف والفوائد". إذا قُدِّرَت تكلفة ممارسة الضغط بأنها منخفضة، يزداد الضغط؛ وإذا زادت التكلفة أو وُوجهت بمقاومة مستمرة، يُعدَّل السلوك. لذا، فإن القضية الرئيسية ليست القوة العسكرية فحسب، بل "معدل الردع المُدرَك".
في هذا الإطار، يُعدّ الخوف عاملاً حاسماً. فالخوف، في صورة تراجعات متتالية، يُرسل رسالة واضحة إلى الطرف الآخر: أن حدود السلوك قابلة للتغيير. في مثل هذه الحالات، يُوسِّع الطرف الآخر نطاق الضغط، ليس بالضرورة بدافع العداء، بل استناداً إلى منطقه العقلاني. لأنه في حساباته، احتمال النجاح مرتفع وتكلفة التقدم منخفضة. هذه هي النقطة التي يتحول عندها الضغط من إجراء محدود إلى مسار تأثير تدريجي. تأثير لا ينطوي بالضرورة على صراع مباشر، بل من خلال تغييرات تدريجية في السلوك، وزيادة المطالب، وتوسيع نطاق التأثير.
في المقابل، عندما يتبنى أحد الأطراف نمطاً سلوكياً مختلفاً في مواجهة الضغط الخارجي، تتغير المعادلة. لا يعني هذا النمط مواجهة عاطفية أو ردود فعل متسرعة، بل يعني "مقاومة متماسكة ومستدامة وقابلة للتنبؤ". في هذه الحالة، يواجه الطرف الآخر واقعًا جديدًا: وهو أن تكلفة الضغط تتزايد وأن قنوات التأثير المعتادة لم تعد فعّالة كما كانت.
النقطة الأساسية هنا هي التمييز بين "الوقوف" و"قطع العلاقات الدبلوماسية". لا يعني الوقوف إغلاق أبواب الحوار، بل تحديد خطوط حمراء واضحة وموثوقة. في الواقع، يتحقق الوقوف الفعّال عندما يتوصل الطرف الآخر إلى قناعة بأن تغيير سلوكه لا يمكن تحقيقه من خلال الضغط التدريجي، بل فقط من خلال اتفاقيات حقيقية ومتوازنة. هنا تتحول الدبلوماسية من كونها مفروضة إلى أداة متبادلة، وليست آلية أحادية الجانب لتحقيق مكاسب سياسية.
على المستوى التحليلي، يمكننا القول إن القوى العظمى تدخل مرحلة "إدارة التوتر" عندما تواجه عقبة ثابتة؛ عقبة لا تنهار تحت وطأة الضغوط قصيرة الأجل ولا تتغير مع التهديدات الدورية. في مثل هذه الحالة، يُجبر الطرف الآخر على إعادة النظر في حساباته. عادةً ما تعني إعادة التعريف هذه خفض سقف التوقعات والتوجه نحو نقاط اتفاق دنيا ولكنها مستقرة.
من هذا المنظور، لا تُعدّ العلاقة بين الضغط والمقاومة علاقة خطية وبسيطة، بل علاقة سلوكية وديناميكية. فالضغط، إذا واجه مقاومة هشة، يشتد؛ أما إذا واجه مقاومة مستقرة وغير متوقعة، فإنه يتجه نحو الاعتدال. هذا الاختلاف الدقيق هو ما يُحدد مسارات مختلفة في السياسة الخارجية.
في العديد من التحليلات الاستراتيجية، يُشدد على أن "اتساق السلوك" أحد أهم عناصر الردع. ويعني اتساق السلوك أن الطرف الآخر قادر على توقع نمط معين من ردود الفعل بمرور الوقت. وعندما تتوافر هذه القدرة على التنبؤ، تتغير حسابات التكلفة والعائد، وتصبح قرارات ممارسة الضغط أكثر صعوبة. في المقابل، عندما تحدث انتكاسات مفاجئة أو ردود فعل غير متماسكة، يجد الطرف الآخر نفسه أمام مجال أوسع للتجربة والخطأ.
في هذا السياق، يمكن القول إن ما يُشار إليه أحيانًا بـ"صيغة المواجهة" هو في الواقع مزيج من ثلاثة عناصر: أولًا، تحديد الخطوط الحمراء بوضوح؛ ثانيًا، الحفاظ على اتساق السلوك مع مرور الوقت؛ وثالثًا، منع تحوّل الضغط الخارجي إلى أداة لتغيير داخلي غير مكلف. كلما ضعفت هذه العناصر الثلاثة، اتسعت مساحة المناورة المتاحة للطرف الآخر.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن التمسك بالسياسة الخارجية لا يعني إنكار حقائق القوة. لا يمكن لأي فاعل في النظام الدولي أن يعمل بمعزل عن القيود الهيكلية. لذا، تُعرَّف المقاومة الفعّالة دائمًا ضمن إطار واقعي، لا مكان فيه للسلبية أو المغامرة. بل الأهم هو الموازنة الدقيقة بين التكلفة والفائدة في كل مرحلة من مراحل التفاعل.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن المنطق الذي يحكم هذا النهج يستند إلى مبدأ بسيط ولكنه حاسم: في السياسة الدولية، لا يتخذ الطرف الآخر قراراته بالشعارات، بل بمجموعة من السلوكيات المتكررة. فإذا كانت هذه السلوكيات مؤشرات على الضعف والتراجع، يزداد الضغط؛ وإذا كانت مؤشرات على التماسك والمقاومة، يتحول الضغط نحو الإدارة والتعديل.
من هذا المنظور، لا يدور النقاش الرئيسي حول الاختيار بين التفاوض أو المواجهة، بل حول جودة السلوك وأهميته في كلا المجالين. فالمقاومة، إذا كانت ذكية ومثابرة، قادرة على إخراج مسار التفاوض من حالة الفرض وتحويله إلى عملية أكثر توازناً. وعلى العكس، فإن غيابها سيحول حتى أفضل الفرص الدبلوماسية إلى أداة ضغط.
وختاماً، فإن ما يُطرح في هذا النوع من التحليل على أنه "صيغة للمواجهة" ليس في الواقع سوى نمط سلوكي: نمط يمكن للخوف بموجبه أن يُطلق العنان لتوسع الضغط، ويمكن للمقاومة أن تكون نقطة توقف أو إعادة تعريف له.
وختاماً، فإن ما يُطرح في هذا النوع من التحليل على أنه "صيغة للمواجهة" ليس في الواقع سوى نمط سلوكي: نمط يمكن للخوف بموجبه أن يُطلق العنان لتوسع الضغط، ويمكن للمقاومة أن تكون نقطة توقف أو إعادة تعريف له. في هذا السياق، يمكن القول إن تبني إيران نهجاً قائماً على المقاومة والتمسك بخطوطها الحمراء في مواجهة الضغوط الخارجية يُغير تدريجياً حسابات الطرف الآخر. فعندما تُرسل رسالة مقاومة متماسكة ومستدامة، سيُجبر الطرف الآخر على إعادة النظر في أدواته ومستوى مطالبه. هذا التوجه، بدلاً من تصعيد التوتر، قد يُسهم في إدارته والحد من الضغوط الأحادية. من هذا المنظور، يمكن اعتبار بعض المؤشرات الأخيرة نتاجاً لهذا التغيير في ميزان القوى؛ وهو تغيير قائم على زيادة تكلفة الضغط وتقليل فعالية السياسات المفروضة.
تعليقك