٢١‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ١٢:٥٤ م

خطأ ترامب الإدراكي: إيران لن تتفاوض تحت الضغط والتهديدات

خطأ ترامب الإدراكي: إيران لن تتفاوض تحت الضغط والتهديدات

يكاد يكون من المستحيل فهم سلوك السياسة الخارجية الإيرانية دون فهم عميق للصلة بين الثقافة والتاريخ والاستراتيجية. وهنا تحديدًا أخطأ العديد من صناع القرار الأمريكيين، ودونالد ترامب على وجه الخصوص.

وكالة مهر للأنباء: يكاد يكون من المستحيل فهم سلوك السياسة الخارجية الإيرانية دون فهم عميق للصلة بين الثقافة والتاريخ والاستراتيجية. وهنا تحديدًا أخطأ العديد من صناع القرار الأمريكيين، ودونالد ترامب على وجه الخصوص. فافتراضهم الأساسي بسيط: زيادة الضغط ورفع التكاليف وبثّ شعور بالإلحاح سيجبر الطرف الآخر على التراجع. قد يكون هذا النموذج قد نجح في العديد من القضايا التجارية أو حتى في بعض الصراعات السياسية، لكنه مع إيران لا ينجح فحسب، بل غالبًا ما يُفضي إلى نتيجة عكسية.

المسألة ليست مجرد اختلاف تكتيكي؛ فنحن نواجه تناقضًا عميقًا في مستوى "فهم العالم". طوال مسيرته المهنية، سواء في مجال الأعمال أو السياسة، اعتمد ترامب على نموذج محدد: ممارسة أقصى قدر من الضغط لكسر إرادة الطرف الآخر. في هذا السياق، يُعدّ "الوقت" سلاحًا. كلما زاد الضغط وقصرت المهلة، زادت احتمالية استسلام الطرف الآخر. هذا هو المنطق الكامن وراء العديد من قراراتها المتعلقة بإيران: عقوبات قاسية، وتهديدات علنية، واستعراضات إعلامية لخلق شعور بالإلحاح.

لكن إيران في جوهرها تلعب وفق قواعد مختلفة في هذه اللعبة. ففي عقلية إيران الاستراتيجية، لا يُعدّ "الوقت" عائقًا، بل ميزة. ويعكس مفهوم "الصبر الاستراتيجي"، الذي يتكرر مرارًا في الأدبيات الإيرانية الرسمية وغير الرسمية، منظورًا تاريخيًا. فدولةٌ ذات تاريخ يمتد لآلاف السنين، ونجت من أزمات عديدة وضغوط خارجية، لا تتأثر بسهولة بالمهل القصيرة. في هذا السياق، يُنظر إلى نفاد صبر الطرف الآخر على أنه علامة نجاح، لا ضعف.

بعبارة أخرى، ما تسميه واشنطن "زيادة الضغط" يُفسَّر في طهران على أنه "علامة على إلحاح الطرف الآخر". وتزداد هذه المسألة تعقيدًا عند دمجها مع العنصر الثقافي. ففي الثقافة الإيرانية، التفاوض تفاعل قائم على الاحترام المتبادل. تلعب اللغة والنبرة وأسلوب التعامل مع الطرف الآخر دورًا حاسمًا في تشكيل مناخ الحوار. فالتهديدات والإذلال لا تُحفّز على تقديم تنازلات فحسب، بل تُؤدي مباشرةً إلى مزيد من المقاومة.

في هذا السياق، عندما يتحدث الرئيس الأمريكي علنًا عن "إخضاع إيران"، أو يستخدم لغة أقرب إلى ساحة المنافسة التجارية منها إلى الدبلوماسية، تكون النتيجة متوقعة: إغلاق باب التفاوض.

لا تكمن المشكلة في أن إيران لا تتفاوض تحت الضغط فحسب، بل الأهم من ذلك، أنها تعتبر "المفاوضات تحت الضغط" عديمة الجدوى. فمن وجهة نظر طهران، يكون للتفاوض معنى عندما يدخل الطرفان الحوار على قدم المساواة نسبيًا وبحد أدنى من الاحترام المتبادل. وهذا أحد الاختلافات الرئيسية في التصور بين الجانبين.

في واشنطن، يُقاس النجاح غالبًا بالإنجازات الملموسة: اتفاق رسمي، أو توقيع تاريخي، أو بيان مشترك. أما في طهران، فقد يكون تعريف النجاح مختلفًا تمامًا. يُعتبر مقاومة الضغوط، والتمسك بالخطوط الحمراء، ومنع فرض مطالب الطرف الآخر، بحد ذاته "انتصارًا" حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق. ذلك لأن الثقافة الإيرانية تشترط في أي اتفاق الحفاظ على مبادئ الشرف والحكمة والمصلحة. وإلا، فإن توقيع اتفاق تحت الضغط لن يحقق أي مكسب للشعب الإيراني. هذا الاختلاف في تعريف النجاح يعني أن الطرفين لن يتفقا على الهدف النهائي حتى لو دخلا في مفاوضات.

من هذا المنظور، واجهت سياسة الضغط القصوى التي انتهجها ترامب تناقضًا داخليًا منذ البداية. فقد كان يحاول إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات برفع التكاليف، ولكنه في الوقت نفسه كان يخلق ظروفًا تُفسَّر فيها أي مفاوضات، من وجهة نظر إيران، على أنها استسلام. لم تُسفر هذه المقاربة عن أي تقدم في المفاوضات، بل عن إغلاق تام لمسار الدبلوماسية.

ثمة نقطة أخرى مهمة تتمثل في اختلاف فهم مفهوم "الاستعجال" لدى كلا الجانبين. ففي نموذج ترامب الذهني، يُعدّ خلق شعور بالاستعجال لدى الطرف الآخر أداةً أساسية. وهذا هو المنطق نفسه المُستخدم في المعاملات التجارية: فإذا شعر الطرف الآخر بأن وقته ينفد، فسيسارع إلى تقديم تنازلات.

لكن في حالة إيران، يعمل هذا الافتراض بطريقة معاكسة تمامًا. فإيران لا تخشى العمليات المطولة فحسب، بل إنها في كثير من الأحيان ترى فيها مصلحتها. إذ يُمكن أن يُغيّر مرور الوقت المعادلات الإقليمية والدولية، ويُضعف التحالفات، ويُقلّل الضغط. وفي مثل هذه الظروف، يُنظر إلى التسرّع في التوصل إلى اتفاق على أنه يضرّ إيران أكثر مما ينفعها.

لهذا السبب، كلما زاد تركيز الجانب الأمريكي على المواعيد النهائية والتهديدات، اتسعت الفجوة مع طهران. ولا يعود هذا التباعد إلى اختلاف المصالح فحسب، بل هو متجذر أيضًا في اختلاف "رؤية اللعبة". ترى الولايات المتحدة أنها تمارس ضغوطًا للتوصل إلى اتفاق أفضل، بينما تعتبر إيران هذا السلوك دليلاً على الضعف وعدم الاستقرار من جانبها. ونتيجة لذلك، لا يوجد حافز لتقديم تنازلات، بل تزداد المقاومة.

في ظل هذه الظروف، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن استخدام الأدوات نفسها التي أثبتت فعاليتها في حالات أخرى للتوصل إلى اتفاق مع إيران؟ والإجابة، بالنظر إلى التجارب السابقة، ليست مبشرة.

أكد داني سيترينوفيتش، الباحث في معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي وضابط المخابرات السابق، في مذكرة له، أنه إذا ما أُريدَ إرساء مسار لخفض التوترات والتوصل إلى تفاهم، فسيتطلب هذا المسار حتمًا تغييرًا جذريًا في النهج. الخطوة الأولى هي التسليم بأن إيران ليست فاعلاً "تقليديًا" بالمعنى الكلاسيكي، وأنها سترد بالمثل على الضغوط غير التقليدية بنتائج غير متوقعة. أما الخطوة الثانية فهي التخلي عن فكرة "النصر السريع". ففي حالة إيران، لا يوجد حل سريع أو استعراضي. أي تقدم يتطلب وقتًا وصبرًا وانخراطًا مستمرًا، وهي العناصر التي افتقرت إليها أو غابت عن نهج ترامب.

الحقيقة أن سياسة الضغط والترهيب تجاه إيران ليست غير فعالة فحسب، بل غالبًا ما تؤدي إلى تعميق الانقسامات. هذه ملاحظة واقعية تكررت مرارًا في السنوات الأخيرة. لم يدرك ترامب هذه الحقيقة، أو ربما لا يريد إدراكها. لقد دخل في واحدة من أكثر قضايا السياسة الخارجية تعقيدًا بنفس العقلية التي حققت له النجاح في الاتفاقيات التجارية. لكن إيران ليست شركة تجارية ولا طرفًا مفاوضًا يمكنه العودة سريعًا إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات بزيادة التكاليف. قواعد اللعبة مختلفة هنا، وإلى أن يُفهم هذا الاختلاف، فإن أي محاولة لإجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بالضغط والترهيب ستُبعدها عن النتيجة المرجوة بدلًا من تقريبها منها.

رمز الخبر 1970140

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha