وكالة مهر للأنباء: ان البيت الأبيض يسعى إلى الحد من تداعيات ارتفاع الأسعار على المستهلكين الأمريكيين عبر أدوات متعددة، من بينها زيادة واردات الوقود من روسيا، غير أن هذه المساعي تواجه قيودا اقتصادية وسياسية تحد من قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.
وفي أحدث تطور، توصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لزيادة إمدادات الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية. ووفقا لتقارير منشورة، من المقرر طرح شحنات جديدة من الوقود الروسي على مراحل، فيما خففت واشنطن مؤقتا القيود المفروضة على واردات الديزل الروسي لتسهيل هذه العملية.
وتهدف الخطوة إلى زيادة المعروض والحد من ارتفاع الأسعار، إلا أن الكميات الأولية للشحنات تظل محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك الأمريكي، ما يجعل تأثيرها الفعلي على أسعار الوقود للمستهلكين غير محسوم.
هاريس تنتقد سياسة ترامب في ملف الوقود
وفي هذا السياق، انتقدت كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأمريكي السابقة ومنافسة ترامب في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، نهج الإدارة الأمريكية في التعامل مع ارتفاع أسعار الوقود.
وقالت هاريس، في منشور على منصة «إكس»، إن الحرب الأمريكية على إيران تسببت في ارتفاع حاد بأسعار البنزين والديزل، ووصفت شراء الوقود من فلاديمير بوتين بأنه مؤشر على الضعف، معتبرة أنه يسهم في تمويل الحرب الروسية، من دون أن يضمن تخفيف أعباء المعيشة عن الأسر الأمريكية.
وأكدت أن الأمريكيين بحاجة إلى قيادة تضع مشكلاتهم الاقتصادية في مقدمة أولوياتها، مشيرة إلى أن الشعب الأوكراني يستحق أيضا استمرار دعم حلفائه.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت أثار فيه قرار ترامب تخفيف القيود على واردات الوقود الروسي تساؤلات بشأن جدواه الاقتصادية، فضلا عن اعتراضات داخل الولايات المتحدة ومن جانب داعمي أوكرانيا.
وبعيدا عن التجاذبات الحزبية في واشنطن، يبقى السؤال الأساسي هو مدى قدرة الاتفاق مع موسكو على خفض أسعار الوقود بصورة ملموسة، وما إذا كان سيشكل حلا فعليا أم مجرد إجراء محدود لاحتواء ضغوط السوق على المدى القصير.
لماذا لا يكفي الاتفاق مع روسيا لخفض الأسعار؟
لا تتحدد أسعار البنزين والديزل في الولايات المتحدة بحجم الواردات من دولة بعينها، بل تتأثر بمجموعة من العوامل، تشمل أسعار النفط الخام، وقدرات المصافي، وتكاليف النقل، والضرائب، ومستويات المخزون، والتوازن بين العرض والطلب في الأسواق المحلية والعالمية.
وبالتالي، فإن زيادة واردات النفط ومشتقاته لا تؤدي بالضرورة إلى انخفاض فوري في الأسعار بمحطات الوقود، نظرا لتأثير عوامل متعددة في التكلفة النهائية خلال مراحل الإنتاج والتوزيع.
وقد تسهم زيادة واردات الديزل الروسي، في حال وصول الشحنات ودخولها شبكة التوزيع، في تخفيف جزء من ضغوط الإمدادات، لكنها لا تضمن انخفاض الأسعار. إذ يعتمد تأثيرها على حجم الشحنات الفعلي، ومواعيد التسليم، وأوضاع المصافي، والظروف العامة للأسواق.
كما أن الديزل والبنزين منتجان مختلفان، ولا تؤدي زيادة المعروض من أحدهما بالضرورة إلى انخفاض مماثل في سعر الآخر.
وعليه، لا تقتصر المشكلة التي تواجه إدارة ترامب على إيجاد مورد جديد للوقود، بل تتمثل في إدارة مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية المؤثرة في أسواق الطاقة. وفي حال استمرار اضطرابات الإمدادات العالمية وتصاعد حالة عدم اليقين المرتبطة بالأزمات الإقليمية، فلن تكون الاتفاقات المحدودة كافية وحدها لتحقيق استقرار مستدام.
التكلفة الداخلية للسياسة الخارجية الأمريكية
تكتسب أزمة أسعار الوقود أهمية خاصة بالنسبة إلى ترامب، لارتباطها المباشر بتكاليف النقل وأسعار السلع والنفقات اليومية للأسر الأمريكية. فارتفاع أسعار الديزل لا يؤثر في السائقين والمزارعين فحسب، بل قد يؤدي أيضا إلى زيادة تكاليف نقل البضائع، بما يفرض ضغوطا إضافية على قطاعات اقتصادية مختلفة.
وبذلك، تتجاوز تداعيات أزمة الطاقة محطات الوقود لتنعكس على تكاليف المعيشة والاقتصاد الأسري بصورة أوسع.
وفي ظل هذه الظروف، يتطلب أي تحرك لاحتواء الأسعار تقييما دقيقا لتداعياته الاقتصادية والسياسية. فقد يسهم الاتفاق مع روسيا في تغطية جزء من احتياجات السوق على المدى القصير، لكنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن انعكاساته على سياسة العقوبات الأمريكية المفروضة على موسكو، وعلى الدعم الذي تقدمه واشنطن لأوكرانيا.
وهكذا، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام معادلة معقدة، إذ إن معالجة مشكلة اقتصادية داخلية قد تترتب عليها تكاليف دبلوماسية واستراتيجية.
وفي المحصلة، لا يمكن تقييم جهود ترامب للسيطرة على أسعار الوقود بمجرد إعلان اتفاقات جديدة أو التعهد بزيادة الإمدادات، بل بمدى انعكاس هذه الإجراءات فعليا على نفقات المستهلكين. وما دامت العوامل الأساسية لارتفاع الأسعار قائمة، فقد لا تتجاوز الإجراءات المؤقتة تخفيف جزء من الضغوط، من دون معالجة مستدامة للمشكلة.
وفي هذا الإطار، تطرح العلاقة بين الأزمات الخارجية والتكاليف الداخلية تساؤلا بشأن ما إذا كانت السياسات الأمريكية الرامية إلى إدارة الأزمات الدولية قد أسهمت في نهاية المطاف في تحميل الاقتصاد الأمريكي والمواطنين أعباء إضافية.

تعليقك