باحث لبناني: قضية عاشوراء تجربة مباشرة تجسد الجمال في التاريخ والواقع

أكد الباحث اللبناني "هادي قبيسي" أن تجربة عاشوراء تجربة مباشرة من دون احتجاب حيث يدفعنا لمشاهدة الجمال دون مقدمات لأنه معايشة وعودة إلى لحظة عام 61 للهجرة.

وكالة مهر للأنباء - محمد مظهري: إن مأساة كربلاء هي اساساً ليست قضية عادية تتكرر بل تحمل كل جماليات القيم النبيلة في الشجاعة والتضحية والإباء من أجل المبادئ الدينية  بالمنظور العام؛ لشمولها جوانب متنوعة بيد انها متناغمة مع صميم الطبيعة الإنسانية، فلم تترك فراغا أو عتمة في زاوية ما، إلا وأقامت دليلها المادي ووضعت له دلالاته المعنوية في ثنايا المتن الحكائي للواقعة، بحرارة الحدث الحي النابض بدفق الحياة المعاشة، والقريبة من المتخيل الإنساني. ولتسليط الضوء على جماليات وتأثير هذه الحادثة العظيمة على العقلية الاسلامية أجرت وكالة مهر للأنباء حواراً مع مؤلف كتاب "وارث: فلسفة جمالية كربلائية" هادي قبيسي وفيما يلي نص الحوار:

س: اذا نعتبر استشهاد الامام الحسين في كربلاء تراجيدية، ما هي جماليات هذه الواقعة؟

جمال واقعة كربلاء أنها أظهرت كمالات الإنسان وقدرته على التجرد من الدنيا، هذا في النظرة الواقعية، أما في النظرة الدرامية التراجيدية، فإن هذه الواقعة أنزلت المثالية إلى عالم الأرض، بينما كانت التراجيديا العالمية تحاول أن تحاكي المثالية عبر المسرح، ومن جمالياتها الأساسية أن الإحتدام الدرامي الذي يسمح بظهور وانكشاف الشخصية أمام المشاهد، كان احتداماً كاملاً وشاملاً، لم يبق أي جزء أو أي إمكانية من التحدي أو الصعوبات أو الإنكسارات لم يحصل أمامنا في كربلاء. 

س: ما هو تاثير الثورة الحسينية على المخيلة والعقل الاسلامي سنة وشيعة؟

الشيعة كان لديهم طوال التاريخ عمل مسرحي وفني تسجيلي يعيد التذكير بالواقعة، وهذا ما فسح المجال لهم لتدوين آلاف القصائد التي أشبعت تلك الحادثة بحثاً وفهماً وتشاعراً وجدانياً، غير أنها لم تزل متاحة للمزيد من البحث والتقصي والتحليل، وبنظري أن الواقعة من المنظار التراجيدي لا تزال خارج التناول، لم ندرس حتى الآن الشخصيات ولم نفهمها، ولم نستطع تقديمها، جل ما قدمناه هو الأحداث والإنفعالات. بالنسبة للإخوة من أهل السنة، كان التفاعل مع الحادثة محدوداً ولم يدخل إلى المستوى الشعائري، نعم نقرأ لفريد الدين العطار أبياتاً عن عاشوراء وعن فرادتها، لكنه لا يتجاوز ذلك، وكذلك جلال الدين الرومي، يذكر كربلاء، ولكن بشكل عابر، لم يستفيدون من فرادة وعمق تلك الحادثة، سواءً بالمعنى الشعوري أم الفلسفي والعرفاني. 

س: في كتابك "وارث: فلسفة جمالية كربلائية" تحاول تسليط الضوء على الابعاد الماورائية لحادثة عاشوراء واخراجها من السرد الحدثي المباشر والبعد التاريخي ... كيف نظرت الى الحادثة من هذ ا المنطلق؟

عندما يقول الإمام المجتبى عليه السلام "لا يوم كيومك يا أبا عبد الله"، فهذا يعني أن هذه الحادثة وحيدة في التاريخ، وتشير السيدة زينب عليها السلام إلى أن هذه الفرادة تستجمع الجمال، وليس فيها إلا الجمال "ما رأيت إلا جميلا"، وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وإخباره أنه رأى في الإسراء والمعراج مكتوباً على ساق العرش "إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة"، وكذلك بيت من الشعر الفارسي مفاده "كربلاء سجادة عشق الحسين"، كل ذلك دفعني للبحث عن سر تلك الحادثة وماورائياتها، وكذلك عملت على البحث التاريخي واستفدت منه، واستفدت بشكل رئيسي من الزيارة الجامعة، وبعض القراءات الفلسفية حول الإمامة والخلافة، والهدف ليس إخراجها من السرد التاريخي، بل إن مثاليتها وملكوتيتها مندكة في أرضيتها وترابيتها، وهي اجتماع الباطن والظاهر في لحظة واحدة، وليس ثمة فارق بين الوقائع والجمال، ولذلك كان تعبير السيدة زينب عليها السلام حصرياً، ما رأيت. 

س: كيف يمكن الاستلهام من الامام الحسين عليه السلام في تحرير العقل البشري و توعية الشعوب المسلمة؟

قيمة تجربة عاشوراء، أنها تجربة مباشرة وليس فيها احتجاب، ظهور الجمال في التاريخ والواقع، نعم فهم هذا الجمال والإضاءة عليه، وإبعاد قيود الضبط العقلاني عنه مفيد، لكنه بالأصل ظاهر بلا واسطة، وقائع وأحداث مباشرة، ولذلك كان التفاعل مع الحادثة بهذا الحجم، إنه مشاهدة للجمال دون مقدمات، ولذلك كان الإحياء مطلوباً من خلال البكاء والمعايشة وسماع السرد، وليس من خلال الندوات الثقافية أو المعرفة الفلسفية، بل البكاء هو الأساس، لأنه معايشة وعودة إلى لحظة عام 61 للهجرة، فالشعائر ليست عبثية، بل هي تفتح الباب لمشاهدة الجمال، وإلى ذلك ربما أشار العارف الشيخ بهجت قدس الله سره "إن البكاء على الحسين في مرتبة الشهادة"، لأن ثمة مشاهدة هنا ومعرفة مباشرة بالإمام من خلال رؤية حقيقته المجردة، بدون أي من حجب المادة، وهذه المشاهدة والمعايشة تولد العشق وحب التأسي وحب التضحية والإمتثال لذلك الجمال الإنساني الفريد، وبذلك تولد الثورة من جديد، ولا يتوقف الحسين عن إسقاط الظلم. 

س: الا تخشى ان التاكيد على الابعاد الماورائية يمهد الطريق لدخول الانحرافات والخرافات في القضية الحسينية وابتعادها عن الواقع التاريخي؟ ما هو المنهج الصحيح لتفادي الانحرافات المحتملة؟

الأبعاد الماورائية ينبغي أن تعالج بشكل ينسجم مع توجيهات أهل البيت وأحاديثهم التي كانت بالأصل هي المنطلق لهذه المعالجة والمقاربة، كما ينبغي أن لا تخالف الضوابط الشرعية والتقاليد الشعائرية، ولا تنحو بالواقعة خارج الفهم السياسي والتاريخي وخارج الإحياء الفعلي في الزمان، فعاشوراء ممتدة "كل يوم عاشوراء" ولا يمكن إخراجها من التاريخ، بل إن دورها هو إعطاء الإنسان روحاً جديدة لمواجهة الظلم والفساد الأخلاقي والإنحطاط الروحي. ثانياً لا يمكن فهم ماورائيات كربلاء دون فهم واقعها التاريخي، لا بل اعتماد المنهج الدرامي في التحليل، وفهم الشخصيات الواقعية، ومحاولة معايشة تلك التجربة من خلال التقمص والمحاكاة بحسب المناهج الحديثة في التحليل، لكي نفهم فعلاً ما جرى وما هو الفارق بين الإنسان العادي والإنسان الكربلائي من حيث السلوك والفعل، فيظهر الجمال الفريد. ثالثاً إن الدين الإسلامي يهتم بالماورائيات كما يهتم بالواقعيات المباشرة والمسائل الدنيوية التفصيلية، وكربلاء مثال واضح على ذلك، فهي تستجمع كل مراتب الوجود الإنساني الفردي والإجتماعي، ولذلك في الكتاب، أشرت إلى الجانب القيادي والعسكري والتاريخي كما إلى الجانب الماورائي والمعنوي، فهنا في كربلاء نجد الحل للصراع المنهجي بين المدارس المختلفة : الفلسفة، الفقه، العرفان، التاريخ، الأخلاق، الممارسة الزمانية، فهي بالأصل تأويل جامع لأسس الشريعة، بشرط أن لا نحجب عنها مرتبة من المراتب أو نضيق عليها في منهج واحد أو منهجين، بل نفتحها على كل أبعاد الشريعة، لنحصل على التوازن الفكري والنظري والمعنوي والشعوري في آن./انتهى/

رمز الخبر 1887797

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 4 + 12 =