وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: يمر حزب الله في لبنان بواحدة من أكثر مراحل حياته السياسية والعسكرية تعقيدًا وحساسية. يتأثر الوضع الراهن في لبنان والمنطقة بشدة بالتنافسات الجيوسياسية وإعادة تصميم النظام الأمني في غرب آسيا من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. في مثل هذه البيئة، يمكن لأي رد فعل أو قرار غير ناضج أن يعرض للخطر ليس فقط موقف المقاومة، بل أيضًا الاستقرار الداخلي في لبنان. في الأشهر الأخيرة، سعت الولايات المتحدة، باستخدام أدوات اقتصادية وسياسية وإعلامية، ومن خلال الكيان الصهيوني كذراع عسكري لها، إلى الترويج لـ"مشروع نزع سلاح المقاومة" كجزء من ما يسمى بخطة "السلام الإقليمي". ومع ذلك، أثبت حزب الله أنه باتباعه سلوكًا قائمًا على الحكمة والحساب، فإنه قادر على حماية مجالي الردع في مواجهة عدو خارجي وتجنب الصراع الداخلي في آنٍ واحد.
ردع ذكي ضد الهجمات الإسرائيلية
منذ إعلان وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الصهيوني، انتهكت تل أبيب هذا الاتفاق أكثر من أربعة آلاف مرة، وهاجمت الأراضي اللبنانية بعمليات طائرات مسيرة وغارات جوية واغتيالات مستهدفة. الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات هو استفزاز حزب الله لرد فعل كبير، لتبرير حرب واسعة النطاق. ومع ذلك، وخلافًا لتوقعات إسرائيل، لم يقع حزب الله في فخ هذا السيناريو. هذا ما يمكن تسميته "ضبط النفس التكتيكي"، وهو نوع من اتخاذ القرارات الذكية، حيث تحافظ المقاومة، مع الحفاظ على جاهزيتها الدفاعية، على عدم السماح للعدو بإعادة تحديد ساحة المعركة كما يشاء.
أكد الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، في هذا السياق: نحن مستعدون للدفاع، لكننا لن نبادر بالحرب. إذا فُرضت علينا الحرب، حتى لو لم يكن لدينا سوى لوح من خشب، فلن نسمح للعدو بالمرور. تُعبّر هذه الكلمات عن جوهر سلوك حزب الله: الجاهزية الدفاعية القصوى، مع رفض بدء الصراع. ويُعدّ هذا النهج مظهرًا من مظاهر اتخاذ القرارات العقلانية على مستوى الفاعل الوطني.
مشروع نزع السلاح والتوازن الداخلي
إلى جانب التهديد العسكري الخارجي، يواجه حزب الله ضغوطًا سياسية متزايدة لنزع سلاحه؛ ضغوط تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض التيارات اللبنانية الداخلية. في الوقت نفسه، أدت الأزمة الاقتصادية وانهيار النظام المصرفي والخلافات الحزبية إلى هشاشة الوضع الداخلي. في غضون ذلك، قد يكون أي فعل أو رد فعل خاطئ من حزب الله ذريعةً لخلق صراع داخلي. ومع ذلك، فإن حزب الله، مستندًا إلى شرعيته التاريخية في مكافحة الاحتلال، ومؤكدًا أن سلاحه "أدوات دفاع وطني"، سعى إلى منع تحول هذه القضية إلى أزمة داخلية. يُظهر هذا السلوك أن حزب الله، مع تمسكه بمبادئ المقاومة، يحمل أيضًا مسؤولية وطنية على أجندته. في الواقع، لا يسعى الحزب إلى الهيمنة السياسية على لبنان ولا إلى إقصاء منافسيه، بل يُشدد على الحفاظ على استقرار البلاد ومنع الانهيار الاجتماعي.
نظرية صنع القرار في السياسة الخارجية وموقع نموذج الفاعل العقلاني
لفهم سلوك حزب الله بشكل أفضل، يمكن النظر إليه من منظور نظريات صنع القرار في السياسة الخارجية. فبدلاً من التركيز فقط على بنية النظام الدولي، تدرس هذه النظريات سلوك الجهات الفاعلة الوطنية وقادتها في عملية صنع القرار. ومن أهم هذه المناهج نموذج الفاعل العقلاني، الذي اقترحه غراهام أليسون لأول مرة في تحليله لأزمة الصواريخ الكوبية. ووفقًا لهذا النموذج، تُعتبر الحكومة أو المنظمة السياسية "فاعلًا واحدًا" يتخذ، من خلال حساب الأهداف والخيارات والعواقب، القرار الذي يحقق أكبر فائدة متوقعة.
المكونات الرئيسية لنموذج الفاعل العقلاني
1. تعريف المشكلة: يجب أن يدرك الفاعل طبيعة الأزمة بشكل صحيح.
2. تحديد الأهداف: يجب أن تكون الفوائد التي يهدف القرار إلى تحقيقها واضحة (البقاء، الأمن، الشرعية، إلخ).
3. عرض الخيارات: تحديد جميع السبل الممكنة للتعامل مع المشكلة.
٤. تقييم العواقب: دراسة تكاليف وفوائد كل خيار على المديين القصير والطويل.
٥. الخيار العقلاني: اختيار الخيار الذي يُقدم أكبر فائدة وأقل تكلفة.
في هذا النموذج، يُفترض أن يمتلك صانعو القرار معلومات كافية وأن يتصرفوا بناءً على حسابات وتوقعات العواقب بدلاً من ردود الفعل العاطفية أو الأيديولوجية.
حزب الله كفاعل عقلاني
إذا فسرنا سلوك حزب الله في إطار هذا النموذج، يمكننا القول إن الحركة اتخذت قرارات مبنية على حسابات عقلانية في الأشهر الأخيرة:
١. تحديد المشكلة: لا يرى حزب الله الأزمة الحالية مجرد سلسلة من الاشتباكات الحدودية، بل كجهد مُنسق لإضعاف المقاومة وزعزعة استقرار لبنان.
٢. تحديد الأهداف: الهدف الرئيسي هو الحفاظ على الردع ضد عدو أجنبي مع الحفاظ على الاستقرار الوطني والشرعية الداخلية.
٣. الخيارات: من بين الخيارات المختلفة، سواءً كانت ردًا قويًا أو صمتًا تامًا أو سلوكًا استراتيجيًا، اختار حزب الله "السلوك الاستراتيجي".
۴تقييم العواقب: هذا الخيار أقل احتمالاً لانتشار الحرب، وأعظم هيبة وطنية.
5. الخيار النهائي: والنتيجة هي سياسة ضبط النفس التكتيكي التي تجمع بين الردع وتجنب الصراع واسع النطاق.
بعبارة أخرى، نجح حزب الله، كفاعل وطني، في الموازنة بين الأمن القومي والاستقرار الداخلي والمصالح الاستراتيجية لمحور المقاومة، مستخدماً منطق صنع القرار العقلاني.
توازن صعب
من أصعب جوانب صنع القرار لأي فاعل أيديولوجي الحفاظ على التوازن بين المعتقدات المثالية والضرورات العقلانية. وبصفته حركة متجذرة في خطاب المقاومة، يُجبر حزب الله على الموازنة بين المبادئ الأيديولوجية (الدفاع عن القدس ومواجهة الاحتلال) والاحتياجات الحقيقية للشعب اللبناني (الأمن والاستقرار الاقتصادي ومنع الحرب).
يشير نموذج الفاعل العقلاني إلى أن حزب الله، في الظروف الحالية، يتبع منطق "أقصى فائدة ممكنة": لا سلبية ولا مغامرة، بل عمل هادف ومحدود في إطار المصالح الوطنية. تعكس هذه النظرة جانبًا من النضج السياسي، حيث لا يُنظر إلى المقاومة كقوة عسكرية فحسب، بل كفاعل مسؤول في بنية الدولة الوطنية اللبنانية.
حزب الله وإدارة الأزمات متعددة المستويات
إن اتخاذ القرار في مثل هذه البيئة ليس مجرد رد فعل؛ بل هو شكل من أشكال إدارة الأزمات متعددة المستويات. يجب على حزب الله اتخاذ قرارات في آن واحد على ثلاثة مستويات:
المستوى العسكري: الرد على العدوان دون تصعيد الصراع.
المستوى السياسي الداخلي: منع تصاعد الاستقطاب الداخلي.
المستوى الدبلوماسي الإقليمي: الحفاظ على موقع لبنان في المعادلات الإقليمية دون أن يصبح عامل زعزعة للاستقرار.
على جميع المستويات الثلاثة، يؤكد سلوك حزب الله على اتخاذ قرارات عقلانية. ويمكن تفسير هذا السلوك أيضًا من منظور نظرية اللعبة، لأن حزب الله يعمل في وضع مشابه لـ "الجهات الفاعلة العقلانية ذات المعلومات المحدودة": فأفعاله لا تستند إلى العواطف، بل إلى التنبؤ بسلوك الطرف الآخر وتقييم المخاطر.
خاتمة
أظهر نشاط حزب الله في الأشهر الأخيرة أن العقلانية والمقاومة لا يتعارضان، بل إنهما متشابكان. ومن خلال تبني نموذج الطرف العقلاني، تمكّنت هذه الحركة من اتخاذ قرارات في ظل أجواء المنطقة المتوترة، وهي قرارات رادعة، لكنها في الوقت نفسه تمنع نشوب حرب شاملة. ويمكن اعتبار سلوك حزب الله نموذجًا لـ"المقاومة الذكية": مقاومة ليست سلبية ولا مغامرة، بل تعتمد على فهم دقيق لبنية التهديدات والفرص. في هذا النموذج، يُعتبر كل عمل عسكري أو سياسي أو إعلامي جزءًا من حساب عقلاني لبقاء الوطن وشرعيته واستقراره. وفي نهاية المطاف، وكما تؤكد نظريات صنع القرار، تكتسب الحكمة السياسية معناها عندما يختار الطرف، في ظل ظروف عدم اليقين، أفضل الخيارات الممكنة. ويُعدّ حزب الله في لبنان اليوم مثالًا على هذه العقلانية.
تعليقك