٢٧‏/٠١‏/٢٠٢٦، ١٠:٥٣ ص

تناقضات قانونية في قرار ضد إيران/ لماذا تبقى حقوق الإنسان رمزية؟

تناقضات قانونية في قرار ضد إيران/ لماذا تبقى حقوق الإنسان رمزية؟

أصدر ممثلو الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا ضد إيران، ورغم عدم تحقيق الإجماع الذي كانت الدول الغربية تسعى إليه في التصويت، إلا أن ذلك أثار شكوكًا جدية حول قدرة الغرب على بناء توافق في الآراء حتى في قضايا حقوق الإنسان ضد إيران؛ وهي شكوك ازدادت حدةً في ضوء أدائهم المزدوج.

وكالة مهر للأنباء: عُقد اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، سويسرا، يوم الجمعة 23 فبراير/شباط، ومن بين الدول الـ 46 الحاضرة، صوّتت 21 دولة ضد القرار وامتنعت عن التصويت، بينما صوّتت 25 دولة من الكتلة الغربية لصالح القرار. وفي رأيهم، ذكّرت أغلبية معارضي القرار الأعضاء الآخرين في هذه المؤسسة بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي، بما في ذلك احترام السيادة الإقليمية وعدم التدخل في شؤون الدول.

انتقادات لتناقضات الغرب في مجال حقوق الإنسان

على الرغم من أن جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، التي عُقدت يوم الجمعة بهدف توحيد الآراء ضد إيران، وبناءً على اقتراح من أيسلندا وألمانيا ومقدونيا الشمالية وجمهورية مولدوفا والمملكة المتحدة، إلا أنها وفرت منصةً لدولٍ أكثر استقلاليةً لتسليط الضوء على بعض التناقضات في آراء المجلس. اعتبر الممثل الكوبي الاجتماع مثالاً على ازدواجية المعايير، وانتقد تجاهل العقوبات، قائلاً إن نص القرار لم يتضمن كلمةً واحدةً عن التدابير القسرية الأحادية. ودعا إلى إنهاء هذه التدابير ضد إيران، مؤكداً في الختام أن مستقبل هذا البلد يجب أن يُحدده الشعب الإيراني وحده، لا أحد سواه. كما اعتبر الممثل البيلاروسي الاجتماع محاولةً لاستخدام آليات مثل مجلس حقوق الإنسان، وذكّر بمسألة العقوبات وآثارها السلبية على الاقتصاد الإيراني.

أما الممثل الفيتنامي، فبينما شدد على الحوار والتعاون القائم على الاحترام باعتبارهما الحل الأمثل، أوضح أن قضايا حقوق الإنسان لا ينبغي أن تكون أداةً للضغط على الحكومات والتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة. كما حذر ممثل باكستان من أن الحركات الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم قد استُغِلّت مرارًا وتكرارًا، وأن الانتقائية في التعامل معها تُعرِّض مهمة مجلس حقوق الإنسان العالمية للمساءلة، وأن شعب وحكومة باكستان قادران تمامًا على حلّ التحديات دون ضغوط خارجية.

ورفض ممثل روسيا التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة، وأعرب عن قلقه إزاء مساعي القوى الأجنبية لزعزعة الاستقرار في إيران، مؤكدًا أن تصرفات معارضي البلاد غير المسؤولة تُعدّ تدخلاً سافرًا في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة وانتهاكًا صريحًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وشدد ممثلو الدول الممتنعة عن التصويت في هذا الاجتماع على ضرورة تجاوز ازدواجية النهج في مؤسسات مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حتى لا يتحقق ما يصبو إليه الغرب من هذا الاجتماع، ألا وهو بناء إجماع عالمي ضد إيران.

وصف علي بحريني، سفير ومندوب الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدائم لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، اجتماع مجلس الأمن بأنه إجراء قائم على الضغط، وقال: "لم يكن مؤيدو هذا الاجتماع ونتائجه مهتمين حقًا بحقوق الإنسان للإيرانيين، وإلا لما فرضوا عقوبات لا إنسانية تنتهك الحقوق الأساسية لكل إيراني". كما أشار إلى التطورات الداخلية ونهج الحكومة في الاستماع إلى مطالب الشعب، قائلاً: "أعلن الرئيس الإيراني علنًا أنه كلف فرقًا مختلفة بالتحقيق بدقة في أسباب وعوامل هذه الأحداث بهدف تحديد جذور العنف والقضاء عليها".

وفي جزء آخر من كلمته، انتقد بحريني ازدواجية معايير بعض الحكومات الغربية، واصفًا نهجها بالتدخلي والقائم على الاستغلال السياسي لآليات حقوق الإنسان، وشدد على أن الدول المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان في قضايا مختلفة لا يمكنها استخدام هذه الآليات لفرضها على غيرها.

بعد إقرار القرار، أصدر المكتب التمثيلي للجمهورية الإسلامية الإيرانية بيانًا وصف فيه نتائج الاجتماع بأنها عملٌ مُسيّسٌ بشكلٍ واضح، ورفضه قائلًا: "لم يكن مُبادرو هذا العمل مُهتمّين بصدقٍ بحقوق الشعب الإيراني؛ وإلا لما فرضوا عقوباتٍ لا إنسانية تُنتهك بشكلٍ خطيرٍ الحقوق الأساسية للشعب". وصوّتت سبع دول، هي الصين وكوبا والهند وإندونيسيا والعراق وباكستان وفيتنام، ضد هذا القرار. وبناءً على هذا القرار، مُدّدت مهمة المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في إيران لمدة عام، ومُدّدت مهمة لجنة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق بشأن إيران لمدة عامين.

نهج مجلس حقوق الإنسان المزدوج تجاه إيران

بذل واضعو ومقترحو هذا القرار جهودًا حثيثة لحشد أصوات جميع أعضاء مجلس حقوق الإنسان البالغ عددهم 46 عضوًا، في حين شكك ما يقرب من نصف هذه الدول في ازدواجية معايير هذه القوانين. وبغض النظر عن دوافع الضغوط التي تمارسها الدول الغربية على إيران، فإن مبدأ عدم التدخل، وفقًا لخبراء القانون الدولي، يُعدّ من القواعد الأساسية والضرورية للقانون الدولي العرفي، وهو منصوص عليه في المادة 2، الفقرة 7، من ميثاق الأمم المتحدة وفي الوثائق التفسيرية اللاحقة. وبموجب هذا المبدأ، يُحظر أي تدخل من جانب الدول، سواء بالقوة أو غيرها، في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدولة أخرى، بما في ذلك نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وينص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 (إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول) صراحةً على أنه "لا يحق لأي دولة التدخل، لأي سبب كان، في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدولة أخرى". وتُعدّ الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة أمثلة واضحة على هذا التدخل.

كما أن "التهديد" باستخدام القوة، شأنه شأن استخدامها الفعلي، يُعد انتهاكًا للمادة 2، الفقرة 4، من ميثاق الأمم المتحدة، وقد انتهكت حكومة الولايات المتحدة الميثاق في هذا الصدد. لم يتقدم التصويت لصالح الولايات المتحدة ومقترحي هذا القرار، وهذا يُعيدنا، قبل كل شيء، إلى السؤال الجوهري التالي: ما هو دور مجلس حقوق الإنسان حين قُتل أكثر من 70 ألف شخص في غزة؟ وهل يقتصر اهتمام هذا المجلس على قضايا حقوق الإنسان في دول مُحددة؟ لا يُمكن اعتبار غياب التوافق في هذا القرار نهجًا جزئيًا تجاه القضية، أو تأثرًا بالأوضاع في إيران، ويبدو أن العديد من دول العالم قد واجهت على الأقل هذا التساؤل: هل هدف واضعي هذه القرارات والاجتماعات هو حقًا حقوق الإنسان؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم تتجاوز هذه القرارات كونها رمزية، ولم تُفضِ إلى إجراءات عملية في مجازر مثل تلك التي وقعت في غزة؟

قوبل قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتصويتات سلبية أو امتناع عن التصويت من دول تمثل شريحة كبيرة من سكان العالم، حيث يتجاوز عدد سكان الهند والصين وحدهما ثلاثة مليارات نسمة. هذه الدول هي من الاقتصادات الرائدة في العالم، وتتمتع بقوة عسكرية كبيرة، أو هي قوى صاعدة، ويشير تصويتها السلبي وامتناعها عن التصويت في مجلس حقوق الإنسان إلى أنها لم تعد حريصة على دعم الكتلة الغربية كما كانت في السابق، ومن جهة أخرى، لم يعد الضغط الذي تمارسه هذه الكتلة فعالاً كما كان.

ويُظهر تحليل الأصوات أن عدداً من الدول الآسيوية تسعى إلى ترسيخ مكانتها في الكتلة الغربية، بينما تتجه دول أخرى في قارتي أفريقيا وأمريكا الجنوبية نحو مزيد من الاستقلال. وقد جعل نهج الغرب المزدوج تجاه هذه المؤسسات قرار مجلس حقوق الإنسان ذا طابع رمزي إلى حد ما، ولكن يبدو أن غياب التوافق الذي يسعى إليه الغرب قد أضر بهذه المؤسسة وقراراتها أكثر من أي وقت مضى، محولاً إياها إلى أداة للضغط على الدول.

لم يتمكن مؤيدو هذا القرار حتى من الحصول على الرأي الإيجابي من دول أكثر اعتدالاً مثل البرازيل وجنوب إفريقيا وتايلاند، مما يعني أن الحكومات التي غالباً ما تتبع السياسات الأوروبية والأمريكية لم تنضم إليهم، على الأقل في هذا السياق، مما يوضح أن الدول قد توصلت تدريجياً إلى استنتاج مفاده أن مثل هذه التدابير ليست مصممة لتحسين وضع حقوق الإنسان، بل في إطار استراتيجية الاحتواء والضغط السياسي.

/انتهى/

رمز الخبر 1967792

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha