٠٨‏/٠٢‏/٢٠٢٦، ٣:٢٤ م

معادلة مستقبل المنطقة ومواجهة النظام العالمي مع محور المقاومة

معادلة مستقبل المنطقة ومواجهة النظام العالمي مع محور المقاومة

تشير التحولات المتسارعة التي شهدتها الساحة الدولية خلال الأشهر الأخيرة إلى أنّ العالم يقف على أعتاب تحوّل جذري في بنية القوة والنظام الحاكم. فما يُطرح اليوم تحت عناوين من قبيل «السلام» و«إعادة الإعمار» و«إدارة الأزمات».

وكالة مهر للأنباء: تشير التحولات المتسارعة التي شهدتها الساحة الدولية خلال الأشهر الأخيرة إلى أنّ العالم يقف على أعتاب تحوّل جذري في بنية القوة والنظام الحاكم. فما يُطرح اليوم تحت عناوين من قبيل «السلام» و«إعادة الإعمار» و«إدارة الأزمات» لا يعدو كونه غطاءً سياسياً لمشروع أعمق وأكثر خطورة، مشروع لا يستهدف مستقبل غزة فحسب، بل يطال مصير النظام الدولي وتوازنات القوة على مستوى العالم.

غزة، هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة والمحاصَرة، التي لا تتجاوز مساحتها بضع مئات من الكيلومترات المربعة، تحوّلت إلى ذريعة لتدخّل واسع النطاق من قِبل فاعلين دوليين، في مشهد لا يتناسب فيه حجم القضية مع عدد الأطراف المنخرطة فيها. إنّ مشاركة عشرات الدول، وطرح حضور عدد كبير من رؤساء الدول في إطار ما يُسمّى «مجلس السلام»، يشكّل دليلاً واضحاً على أنّ القضية الحقيقية ليست غزة ولا حتى فلسطين، بل إعادة تعريف مرجعية القرار في العالم.

غزة… ذريعة لتجاوز النظام الدولي القائم

بعد الحرب العالمية الثانية، تشكّل النظام الدولي على أساس مؤسسات كالأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومنظومة القانون الدولي. ورغم أنّ هذا النظام خدم عملياً مصالح القوى الكبرى، إلا أنّه حافظ – شكلياً على الأقل – على مظاهر القانون، والتعددية، وآليات العمل الجماعي. اليوم، يُقدَّم هذا النظام من قِبل التيار الحاكم في الولايات المتحدة بوصفه نظاماً عاجزاً ومتقادماً، ويُسعى إلى استبداله ببنية جديدة لا تقوم على القانون، بل على القوة والثروة وفرض الإرادة.

في هذا السياق، فإنّ إنشاء مجالس فوق ـ دولية ذات قيادة مركزية يعني عملياً تهميش منظمة الأمم المتحدة وتقويض شرعية المؤسسات الدولية. ويعبّر هذا التوجّه عن محاولة واضحة لنقل العالم من نظام شبه قانوني إلى نظام سلطوي مُشخَّصَن، تُستبدل فيه القواعد المتوافق عليها دولياً بإرادة قوة مهيمنة واحدة.

تصدّع المعسكر الغربي وموقف أوروبا

وقد قوبل هذا التوجّه برفض واضح من قِبل جزء مهم من العالم الغربي، ولا سيما أوروبا، التي تدرك جيداً أنّ انهيار النظام القانوني الدولي سيهدد قبل كل شيء أمنها واستقرارها. إنّ الموقف الأوروبي الرافض للتغييرات الجيوسياسية المفروضة، ورفض استبدال القانون الدولي بتفاهمات شخصية ومؤقتة، يعكس دخول العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا مرحلة من التباعد البنيوي.

كما أنّ السعي إلى إضعاف أو تحييد مؤسسات كحلف شمال الأطلسي (الناتو) يندرج ضمن هذا الإطار، إذ إنّ تفكيك التحالفات المستقرة يفتح المجال أمام إنشاء هياكل جديدة خاضعة لإرادة قائد أو محور ضيق من القوى، لا لإجماع مؤسسي طويل الأمد.

الشرق الأوسط… ساحة تنفيذ مشروع الهيمنة

على المستوى الإقليمي، جرى اختيار الشرق الأوسط ليكون الساحة الرئيسية لتنفيذ هذا المشروع. فمخطط «الشرق الأوسط الجديد» يقوم على إضعاف سيادة الدول، والتفكيك العملي لبُناها السياسية، وترسيخ التفوق الشامل للكيان الصهيوني. وفي هذا النموذج، تُكلَّف بعض الدول العربية بتأمين الأعباء المالية والنفطية والعسكرية للمشروع، لتتحوّل فعلياً إلى أذرع داعمة للأمن والاقتصاد الإسرائيليين.

وفي ظل هذه المعادلة، لا تُحل القضية الفلسطينية، بل تُفرَّغ بصورة ممنهجة من أي دور حقيقي للشعب الفلسطيني. إذ يُراد لغزة أن تُدار من دون أهلها، ومن دون إرادتهم، ومن دون أي حق سيادي لهم، في مشهد يمثّل استمراراً للاحتلال ولكن بصيغة جديدة وأكثر تعقيداً.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية… العائق الجوهري أمام مشروع الهيمنة

في مواجهة هذا النظام المفروض، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها القوة الوحيدة التي تقف في وجهه بصورة مبدئية وجذرية. هذا الموقف ليس خياراً سياسياً ظرفياً، بل نابع من هوية الثورة الإسلامية ومبانيها العقائدية. فمنذ انطلاقتها، رفضت الجمهورية الإسلامية شرعية النظام العالمي القائم على استكبار القوى الكبرى، واعتبرت نفسها ملتزمة بالدفاع عن المستضعفين في العالم.

ويقوم هذا الثبات على الإيمان الراسخ بـ ولاية الفقيه بوصفها امتداداً لخط الإمامة في عصر الغيبة. فوفقاً لمباني الفقه الشيعي الإمامي، فإنّ إدارة المجتمع الإسلامي في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تقع على عاتق الفقيه الجامع للشرائط، الذي يتولى القيادة والولاية العامة نيابةً عن الإمام المعصوم.

واليوم، تتجسّد هذه الولاية الإلهية في شخص سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله العالي)، الفقيه العادل، الواعي بمتطلبات العصر، الشجاع والحكيم، الذي يتصدر مواجهة نظام الهيمنة العالمي. وتمثل قيادته الضمانة الأساسية لاستقلال وعزة إيران الإسلامية، كما تشكّل محور تماسك واستمرارية محور المقاومة في المنطقة بأسرها.

صراع منطقين: الهيمنة أم العدالة

ما يشهده العالم اليوم هو صراع بين منطقين متناقضين:

منطق الهيمنة، الذي ينظر إلى العالم بوصفه ملكاً للقوى الكبرى، ولا يعترف بحق الشعوب إلا في الخضوع؛

ومنطق العدالة، الذي يستند إلى الوعد الإلهي بأنّ المستقبل للصالحين والمستضعفين.

وانطلاقاً من إيمانها الراسخ بوعد الله تعالى، واعتقادها الحتمي بظهور المنقذ الموعود، تؤكد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنّ أي نظام قائم على الظلم والاستكبار محكوم بالزوال. فالمقاومة اليوم تمثّل تمهيداً لنصر الغد، والثبات في مواجهة هذا المشروع العالمي يشكّل جزءاً من المسار التاريخي لتحقيق العدالة الموعودة وبناء عالم أكثر إنصافاً.

الخلاصة

تكشف التطورات المحيطة بغزة أنّ القضية الجوهرية لا تتعلق بإدارة أزمة محلية، بل بمحاولة منظّمة لإعادة صياغة النظامين العالمي والإقليمي. إنّ الاستخدام الأداتي لمفهوم «السلام» لتأسيس هياكل فوق ـ دولية يؤدي عملياً إلى إضعاف المؤسسات الدولية، وتهميش إرادة الشعوب، وترسيخ نظام قائم على الهيمنة. وقد تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة اختبار لهذا المشروع، فيما أُريد لغزة أن تكون أداة لإضفاء الشرعية عليه. وفي مواجهة ذلك، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، استناداً إلى مبانيها العقائدية ومبدأ ولاية الفقيه، عائقاً أساسياً أمام هذا النظام المفروض. إنّ مستقبل المنطقة والعالم سيتحدد في إطار هذا الصراع بين منطقين متضادين: هيمنة القوة في مقابل العدالة والمقاومة، وهو صراع سيحدّد ملامح النظام العالمي القادم.

"بقلم: حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد هادي ملكي محلل في الشؤون السياسية و الدولية"

رمز الخبر 1968227

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha