٢٥‏/٠٢‏/٢٠٢٦، ٩:٣٨ ص

الصيام والقرآن… في سرِّ اجتماع الجوع والنور

الصيام والقرآن… في سرِّ اجتماع الجوع والنور

جوعٌ يُضعف سلطان الجسد، ونورٌ يقوّي سلطان الروح، حتى يستوي الإنسان على صراط العبودية، ويخرج من رمضان وقد تبدّل حاله، لا أن يخرج منه كما دخله.

وكالة مهر للأنباء: اعلم ـ وفّقك الله لمراضيه ـ أنّ من دقائق الحكمة الإلهية، ولطائف العناية الربانية، أن جعل سبحانه شهر رمضان موسوماً بذكر القرآن، ومقترناً بشأنه، فقال جلّ من قائل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.

ولم يقل: الذي فُرض فيه الصيام، مع أنّ الصيام أبرز شعائره وأظهر معالمه. وذلك لأنّ شرف الزمان إنما يُستمدّ من فيض الوحي، لا من مجرّد كفِّ الجوارح عن الطعام والشراب. فالصيام عبادة، وأما القرآن فهو روح العبادات وسرُّها.

وبيان ذلك: أنّ الصيام في حقيقته فعلُ تخليةٍ وكفٍّ، إذ هو إمساكٌ عن المباحات، وتضييقٌ على النفس في مطالبها، حتى تخفّ حدّة الشهوة، ويضعف سلطان الجسد. وأما القرآن فهو فعلُ تحليةٍ وإمداد، إذ هو نورٌ يُقذف في القلب، وهدايةٌ تُلقى في السرّ، فينقلب به ميزان الإنسان، وتستقيم به فطرته.

ولما كان الإنسان مركّباً من عنصرين: عنصرٍ أرضيٍّ أُخذ من سلالةٍ من طين، وعنصرٍ علويٍّ نُسب إلى أمر الله ونفخته، كانت فيه جاذبيتان: جاذبيةُ الطين إلى أسفل، وجاذبيةُ الروح إلى أعلى. فإذا غلبت الأولى أثقلته إلى حضيض الشهوة، وإذا قويت الثانية ارتفع إلى أفق العبودية.

فشرع الله الصيام ليكسر سورة الطين، ويضعف داعي الغريزة، وأنزل القرآن ليقوّي داعي الروح، ويغذّي سرّ الإنسان بنور المعرفة. فإذا اجتمع الكسر والتنوير، والتخلية والتحلية، وُلد من ذلك مقامُ التقوى، وهي الغاية التي نطق بها التنزيل، إذ قال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فالتقوى ثمرة هذا الاجتماع المبارك بين الجوع والنور.

ثم تأمّل ـ رحمك الله ـ ما ورد في الخبر الشريف: «إنَّ هذا القرآن مأدبةُ الله، فتعلّموا مأدبته ما استطعتم».

وفي لفظ المأدبة لطيفةٌ لغويةٌ دقيقة؛ فإنها إن ضُمَّت دالها دلّت على الطعام الذي يُدعى إليه الناس، وإن فُتحت دالها أفادت معنى الأدب والتهذيب. وكأنّ القرآن جامعٌ بين المعنيين؛ فهو غذاء، لكنه غذاء الأرواح لا الأجساد، وهو أدب، لكنه أدب السماء الذي يُهذّب به الإنسان.

فليس المراد من الجلوس إلى القرآن تحريك اللسان فحسب، بل تربية الجَنان، ولا المقصود إحصاء الحروف، بل إقامة الحدود. ومن اقتصر على التلاوة دون التعلّم، كان كمن حضر المأدبة فلم يذق طعامها، أو ذاق ولم ينتفع.

فينبغي لطالب الكمال أن يجلس إلى القرآن جلسة المتعلّم المتأدّب، لا جلسة القارئ المستعجل. ينظر في الآية نظر من يطلب إصلاح خُلُقه، وتقويم اعوجاجه، وتزكية سريرته. وكما يشترط أهل الحديث وثاقة الراوي لقبول خبره، فكذلك يشترط القرآن وثاقة السلوك لقبول دعوى الانتساب إليه. فكم من قارئٍ للآية، والآيةُ خصمُه يوم القيامة!

واعلم أنّ من أعظم آفات هذا الزمان هجر القرآن، والهجر على أنحاء؛ وليس هو ترك المصحف وإغلاقه فحسب، بل قد يكون مع كثرة القراءة. فإن الهجر الحقيقي أن تُتلى الآية ولا تُعمل، وأن تُسمع الموعظة ولا تُثمر.

فلا يكن همُّك في هذا الشهر عدد الأجزاء التي تختمها، بل عدد الآيات التي تختم عليك أبواب الغفلة. ولا تسأل: كم قرأتُ من القرآن؟ بل قل: كم قرأني القرآن؟ كم آيةً كشفت لي عيباً كنت أستره عن نفسي؟ كم آيةً وضعت يدها على جرحٍ خفيٍّ في قلبي، فنبّهتني إلى دوائه؟

واجعل القرآن في بيتك دستوراً حياً، تُرجَع إليه الخصومات، وتُوزن به الأخلاق، ويُقاس به الصدق في المعاملات. فإن الصيام إن لم يصحبه نور القرآن، كان جوعاً مجرداً، وإن اقترن به صار جُنّةً من النار، وجُنّةً من رذائل النفس وأهوائها.

فهذه ـ أيّدك الله ـ حكمة اجتماع الصيام والقرآن في شهرٍ واحد:

جوعٌ يُضعف سلطان الجسد، ونورٌ يقوّي سلطان الروح، حتى يستوي الإنسان على صراط العبودية، ويخرج من رمضان وقد تبدّل حاله، لا أن يخرج منه كما دخله.

ومن لم يتبدّل قلبه في هذا الموسم، فليتهم نفسه، فإن في الفيض سعة، وفي النور إشراقاً، ولكن القابلية هي المعيار .

وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين.

بقلم : سماحة آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري

رمز الخبر 1968706

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha