٢٣‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ١٠:٠١ م

لماذا يُعتبر "التفاوض" غير ممكن في ظل الحصار البحري والتهديدات؟

لماذا يُعتبر "التفاوض" غير ممكن في ظل الحصار البحري والتهديدات؟

أثبتت التجارب أن الدخول في مفاوضات تحت الضغط لا يُفضي إلى انتزاع تنازلات فحسب، بل قد يُفضي أيضاً إلى نوع من "الإذلال السياسي".

وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: إن سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير تجاه إيران، هو في المقام الأول انعكاس للصراع بين منطقين مختلفين في السياسة الخارجية: من جهة، منطق "الضغط لإقامة المفاوضات" الذي تنتهجه واشنطن، ومن جهة أخرى، منطق "رفض المفاوضات تحت الضغط"، الذي يُعدّ أحد المبادئ الراسخة في سلوك الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

في الوقت نفسه، تكمن النقطة الأساسية في أن إيران لا ترفض المفاوضات رفضاً قاطعاً، بل إنها لا تقبل بنوع محدد من المفاوضات: المفاوضات التي تُفرض بالتهديدات والحصار والإكراه. وقد أظهرت التجارب السابقة أن مثل هذه المفاوضات لا تُحقق أي نتائج لطهران فحسب، بل قد تُؤدي أيضاً إلى تكاليف إضافية، بل وإلى إضعاف الموقف الاستراتيجي للبلاد.

في الحادثة الأخيرة، يمكن تحليل فرض الولايات المتحدة للحصار البحري واستمراره بدقة ضمن هذا الإطار. لا يُعدّ هذا الإجراء مجرد أداة ضغط اقتصادي أو عسكري، بل يحمل رسالة سياسية واضحة: "التفاوض، ولكن من موقع ضعف". بعبارة أخرى، تسعى واشنطن إلى تهيئة ظروف تُجبر إيران على الاختيار بين أمرين: إما قبول المفاوضات تحت الضغط، أو تحمّل تكاليف متزايدة.

لكن رد طهران على هذه المعادلة كان محسومًا مسبقًا. فقد صرّحت إيران بوضوح أنه ما دام الحصار البحري والضغوط المصاحبة له مستمرين، فلن تكون هناك مفاوضات. ينبع هذا الموقف من مبدأ محدد في السياسة الخارجية؛ مبدأ قائم على ثلاثة مبادئ: "الشرف، والحكمة، والمصلحة".

مبدأ "الشرف" يعني أن إيران لا تقبل أن تُفسّر المفاوضات على أنها تراجع أو استسلام. في العلاقات الدولية، تُعدّ طريقة الدخول في المفاوضات بنفس أهمية النتيجة. إذا جلست دولة ما على طاولة المفاوضات من موقع ضعف، فسيكون للطرف الآخر اليد العليا منذ البداية، وسيُهيمن على الحوار لصالحه.

يشير مبدأ "الحكمة" إلى ضرورة أن تُبنى أي مفاوضات على حساب دقيق للتكاليف والفوائد. فالمفاوضات التي يستخدم فيها الطرف الآخر أدوات التهديد والضغط معًا تُعدّ غير متوازنة جوهريًا، وتكون احتمالية التوصل إلى اتفاق مستقر ومتوازن ضئيلة للغاية.

أما مبدأ "المصلحة" فيؤكد على ضرورة ضمان المصالح الوطنية. فإذا لم تُحقق المفاوضات فوائد ملموسة للدولة، أو حتى أدت إلى إضعاف موقفها، فإنها تُصبح غير مُبررة أساسًا.

في ضوء هذا، يُمكننا فهم سبب عدم تراجع إيران أمام الضغوط الأمريكية الأخيرة، بل وتعبيرها عن موقفها بشكل أكثر وضوحًا من ذي قبل. وقد أدى هذا الموقف، في الواقع، إلى زعزعة المعادلة التي وضعتها واشنطن، ووضعها أمام مأزق استراتيجي.

عند هذه النقطة، كرّر دونالد ترامب النمط المألوف نفسه في سلوكه. نمطٌ يُمكن اعتباره مزيجًا من "التهديد الأقصى" و"الانسحاب عند اتخاذ القرار". في البداية، تحدث بلهجة حادة وحاسمة عن إنهاء وقف إطلاق النار، وحاول تهيئة المناخ النفسي لصالحه بتحديد مواعيد نهائية متتالية. كان الهدف واضحًا: إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات عبر زيادة الضغط.

لكن عندما لم تُثمر هذه الضغوط، ورفضت طهران تغيير موقفها، واجهت واشنطن خيارًا صعبًا. فتصعيد التوتر قد يُفضي إلى عواقب خارجة عن السيطرة؛ من اضطراب أسواق الطاقة العالمية إلى اتساع نطاق الصراع في المنطقة. في المقابل، كان التراجع وتمديد وقف إطلاق النار، رغم تكلفته السياسية الباهظة، أقل خطورة.

وكان الخيار النهائي هو الخيار الثاني. هذا ما يُشير إليه المحللون بـ"ترامب دائمًا يتراجع"، وهو نمطٌ تُعتبر فيه التهديدات أوراق مساومة لا مقدماتٍ للعمل.

لكن المسألة لا تقتصر على سلوك ترامب، بل الأهم من ذلك، عواقب هذا النمط على الطرف الآخر. عندما ترى دولة ما أن مقاومة الضغوط تؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع الطرف الآخر، فإنها تصبح بطبيعة الحال أكثر تحفيزًا لمواصلة هذا النهج. وهذه هي الدورة نفسها التي تتجلى بوضوح في العلاقات الإيرانية الأمريكية.

من جهة أخرى، أثبتت التجربة أن الدخول في مفاوضات تحت الضغط لا يؤدي فقط إلى عدم تقديم تنازلات، بل قد يؤدي أيضًا إلى نوع من "الإذلال السياسي". في مثل هذه الظروف، لا ينظر الطرف الآخر إلى المفاوضات على أنها عملية متكافئة، بل كوسيلة لترسيخ تفوقه. وستكون النتيجة اتفاقًا يختل فيه التوازن بشكل كبير لصالح أحد الطرفين.

في الواقع، يكون للتفاوض معنى عندما يتمتع الطرفان بحد أدنى من التوازن. لا يعني هذا التوازن بالضرورة تساويًا تامًا في القوة، بل يعني عدم قدرة أي طرف على فرض إرادته على الآخر بشكل منفرد. في غياب هذا التوازن، يصبح ما يحدث أشبه بـ"إملاء الشروط" منه إلى مفاوضات حقيقية.

وبناءً على ذلك، يُعد إصرار إيران على تخفيف الضغط قبل الدخول في أي حوار ضرورة استراتيجية. هذا الموقف، في الحقيقة، محاولة لإعادة التوازن إلى المعادلة. توازنٌ لا غنى عنه لأي مفاوضات، فبدونه محكوم عليها بالفشل أو الوصول إلى نتيجة.

ومن منظور أوسع، تُظهر هذه المواجهة أيضًا قصور سياسة "الضغط الأقصى". تقوم هذه السياسة على افتراض أن زيادة الضغط ستجبر الطرف الآخر في نهاية المطاف على قبول الشروط.

ولكن عمليًا، عندما يمتلك الطرف الآخر مستوىً من الصمود والردع، قد تكون النتيجة عكسية: مزيد من الضغط، ومزيد من المقاومة.

في مثل هذه الظروف، لا يؤدي الاستمرار على هذا النهج إلى تحقيق الأهداف المرجوة فحسب، بل قد يُفضي أيضًا إلى تآكل مصداقية التهديدات. في العلاقات الدولية، تُعدّ المصداقية من أهمّ الأصول. فإذا تكررت التهديدات مرارًا دون أن تُترجم إلى إجراءات عملية، فإنها تفقد فعاليتها تدريجيًا.

عمومًا، ما حدث بين إيران والولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة هو دليل على وجود فجوة أعمق في منطق السياسة الخارجية لكلا الجانبين. فمن جهة، محاولة الإكراه من خلال الضغط والتهديدات؛ ومن جهة أخرى، التأكيد على مبدأ أن التفاوض لا يُجدي نفعًا إلا إذا انطلق من موقف قائم على الكرامة والحكمة والمصلحة.

في الوقت نفسه، أثبتت التجربة أن تجاهل هذه المبادئ لا يُسفر إلا عن خسائر فادحة وإذلال. ولهذا السبب اختارت إيران، على الأقل في الظروف الحالية، مسارها بوضوح: رفض المفاوضات تحت الضغط والتأكيد على حقيقة أن أي حوار لا يمكن أن يكون ذا مغزى إلا إذا أخذ في الاعتبار التوازن والاحترام المتبادل والمصالح الحقيقية.

رمز الخبر 1970199

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha