وكالة مهر للأنباء: لم تعد التطورات الجارية في المنطقة مجرد أحداث متفرقة، بل باتت تعكس صراعاً مفتوحاً بين نهجين متقابلين: نهج تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية قائم على الاستقلال وتعزيز الردع ورفض الهيمنة الخارجية، ونهج آخر تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها يسعى إلى فرض ترتيبات إقليمية عبر أدوات عسكرية واقتصادية وسياسية. هذا الصراع تجاوز ساحات المواجهة التقليدية، ليمتد إلى عمق البنى السياسية والاقتصادية في دول المنطقة.
الضغط الخارجي وتعطيل القرار السياسي: حالة العراق نموذجاً
يبرز المشهد العراقي كأحد أبرز تجليات هذا الصراع، حيث تعثّر مسار تشكيل السلطة التنفيذية وسط تجاذبات حادة. هذا التعثّر لا يمكن فصله عن الضغوط الخارجية، خاصة مع تزامنه مع قيود على وصول العراق إلى جزء من موارده المالية في الخارج.
هذه الأدوات الاقتصادية تُستخدم بوضوح للتأثير على القرار السياسي، ومنع تشكّل حكومة تتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية، وقدرة على اتخاذ مواقف متوازنة أو منسجمة مع محور إقليمي معين. وعليه، فإن الأزمة السياسية لا تعكس خللاً داخلياً فحسب، بل تعكس أيضاً شدة التنافس الدولي على توجيه مستقبل العراق.
الخدمة الإلزامية: ضرورة أمنية أم تشتيت سياسي؟
في خضم هذه التحديات، يطرح موضوع إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية، رغم أن العراق يمتلك أعداداً كبيرة من القوات العسكرية والأمنية. هذا الطرح يثير تساؤلات حول جدواه الفعلية، خصوصاً في ظل تجربة حديثة أثبتت أن الحسم في مواجهة التهديدات الأمنية، كما حدث في الحرب ضد تنظيم داعش، جاء عبر قوات شعبية متطوعة مثل الحشد الشعبي.
بناءً على ذلك، يرى مراقبون أن طرح الخدمة الإلزامية في هذا التوقيت قد لا يكون استجابة لحاجة أمنية بقدر ما هو محاولة لإعادة تشكيل بنية القوة داخل الدولة، وربما إضعاف الدور الذي لعبته القوى الشعبية في السنوات الماضية.
بين الجيش العقائدي والجيش الإجباري: دروس من الماضي
التجربة التاريخية للعراق خلال حقبة النظام السابق أظهرت محدودية فعالية الجيوش القائمة على الإكراه، حيث ارتبطت الخدمة العسكرية حينها بممارسات قمعية وعقوبات صارمة، ما أدى إلى تراجع الروح المعنوية وتفشي ظاهرة التهرب.
في المقابل، أظهرت التجربة الحديثة أن القوات التي تستند إلى دافع عقائدي ووطني تمتلك قدرة أكبر على الصمود والتأثير. ومن هنا، فإن العودة إلى نماذج تقليدية قد تطرح إشكاليات تتعلق بالفاعلية والقبول المجتمعي.
دول الخليج الفارسي والمعادلة المعقدة: بين الاستضافة والاصطفاف
على المستوى الإقليمي، تلعب بعض دول الخليج الفارسي دوراً محورياً في هذا الصراع، من خلال استضافة قواعد عسكرية أجنبية تُستخدم في عمليات تستهدف أطرافاً إقليمية. هذا الواقع يضع هذه الدول في موقع حساس، حيث تصبح جزءاً من معادلة أمنية لا تتحكم بالكامل في مساراتها.
وفي الوقت ذاته، تصدر مواقف سياسية ناقدة تجاه إيران، ما يعكس حالة من التناقض بين الدور الميداني والموقف السياسي. هذا التباين يسلط الضوء على محدودية هامش القرار المستقل لدى هذه الدول في ظل ارتباطها بالمنظومة الأمنية الغربية.
تراجع القدرة الأمريكية: من التصعيد إلى الحذر
في المقابل، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة تواجه قيوداً متزايدة في الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة. ويتجلى ذلك في التحول التدريجي نحو الخطاب الدبلوماسي، والتردد في اتخاذ خطوات تصعيدية مباشرة.
كما أن حساسية الأسواق العالمية، خصوصاً أسواق الطاقة، لأي توتر في المنطقة، تفرض على صناع القرار في واشنطن حسابات أكثر تعقيداً، ما يحد من هامش التحرك العسكري، ويعزز في المقابل أهمية أدوات الردع لدى الأطراف الأخرى.
تعزيز الردع وتغيّر قواعد اللعبة
في هذا السياق، برزت إيران كفاعل إقليمي استطاع تطوير قدراته الدفاعية والردعية، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً في مجالات أخرى مرتبطة بالبنية التحتية والاقتصاد. هذا التطور ساهم في تغيير معادلة القوة، بحيث باتت أي مواجهة محتملة تنطوي على كلفة عالية وغير محسوبة النتائج.
هذه المعطيات دفعت نحو إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية لدى مختلف الأطراف، وأكدت أن ميزان القوى في المنطقة لم يعد أحادياً كما كان في السابق.
خاتمة: نحو توازن جديد في المنطقة
المشهد الإقليمي يتجه نحو تثبيت توازن قوى جديد، تلعب فيه الدول التي تمتلك استقلالية القرار دوراً متزايداً. وفي المقابل، تواجه الدول التي تعتمد بشكل كبير على الحماية الخارجية تحديات متصاعدة في ظل تحولات البيئة الدولية.
الشرق الأوسط اليوم يقف أمام مفترق طرق: بين استمرار نماذج الاعتماد على الخارج، أو التوجه نحو بناء منظومات إقليمية أكثر استقلالاً. والمؤشرات الحالية توحي بأن مسار التحول قد بدأ بالفعل، وأن ملامح مرحلة جديدة آخذة في التشكّل.
" الشيخ محمد هادي ملكي محلل في الشؤون السياسية و الدولية"
/انتهى/

تعليقك