٢٩‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ١:٢٨ م

قراءة استراتيجية لسلوك كوريا الجنوبية خلال الحرب ضد إيران

قراءة استراتيجية لسلوك كوريا الجنوبية خلال الحرب ضد إيران

كانت المساعدات الإنسانية وإرسال مبعوث خاص إلى طهران من بين المؤشرات الهامة على النهج الإيجابي والبناء الذي انتهجته كوريا الجنوبية تجاه إيران خلال العدوان الأخير الذي استمر أربعين يومًا.

وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: خلال الهجمات العدوانية الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الأراضي الإيرانية، تميّز سلوك كوريا الجنوبية بمحاولتها إيجاد توازن دقيق بين الضغط الأمريكي، واعتبارات أمن الطاقة، والاعتبارات الإنسانية، وضرورة الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران.

في هذه الأزمة، وعلى عكس بعض حلفاء واشنطن الغربيين، لم تكتفِ كوريا الجنوبية باتخاذ موقف سياسي فحسب، بل وضعت سلسلة من الإجراءات العملية والرسائل السياسية على جدول الأعمال. بدءًا من تخصيص 500 ألف دولار كمساعدات إنسانية لإيران عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وصولًا إلى إيفاد مبعوث خاص إلى طهران للتشاور بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، وغير ذلك.

تتضح أهمية هذا النهج أكثر عندما تؤثر أزمة هرمز بشكل مباشر على الأمن البحري وسلسلة الطاقة في شرق آسيا، ووفقًا للتقارير، حوصرت عشرات السفن المرتبطة بكوريا الجنوبية وطواقمها في الممر المائي. في ظل هذه الظروف، لم تكتفِ سيول بالضغط العسكري الذي توقعه ترامب، بل فعّلت أيضًا قناة الحوار المباشر مع إيران.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار سلوك كوريا الجنوبية نوعًا من النشاط الإيجابي الحذر؛ وهو إجراء يمكن تحليله على ثلاثة مستويات: أولًا، الإجراءات الإنسانية والمواقف السلمية؛ ثانيًا، التفاعل المباشر مع طهران والاهتمام بموقف إيران بشأن أمن هرمز؛ ثالثًا، تجنب الدخول المتسرع في مواجهة عسكرية مع إيران، حتى في ظل دعوة الولايات المتحدة لحلفائها للمساهمة في ضمان أمن مضيق هرمز.

العمل الإنساني في سيول: من تقديم المساعدات لإيران إلى التركيز على خفض التوتر

تتجلى أولى بوادر النشاط الإيجابي لكوريا الجنوبية تجاه إيران في أعمالها الإنسانية ومواقفها السلمية. ففي خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لم تكتفِ سيول بإصدار مواقف عامة وحذرة، بل أعلنت عن تخصيص 500 ألف دولار أمريكي كمساعدات إنسانية لإيران؛ وهي مساعدات ستُستخدم عبر مؤسسات دولية، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، للتخفيف من التداعيات الإنسانية للحرب.

يكتسب هذا العمل أهمية بالغة لأن كوريا الجنوبية حليف استراتيجي للولايات المتحدة، إلا أنها في هذه الحالة سعت إلى عدم تعريف نفسها كحليف سياسي لواشنطن فحسب، بل سعت، على الأقل على الصعيد الإنساني، إلى التمييز بين الشعب الإيراني ومنطق الضغط العسكري.

كما تكمن أهمية هذه المساعدات في رسالتها السياسية والأخلاقية، أكثر من قيمتها المالية. في ظل استمرار الهجمات والضغوط العسكرية التي زادت من الخسائر البشرية والاجتماعية للحرب، أظهر إعلان سيول عن تقديم مساعدات إنسانية أن كوريا الجنوبية لا تتعامل مع الأزمة الإيرانية من منظور أمن الطاقة أو المصالح التجارية فحسب، بل أبدت أيضًا حساسية تجاه تبعاتها الإنسانية.

إلى جانب هذا الإجراء، تجدر الإشارة إلى المواقف الرسمية للرئيس الكوري الجنوبي. ففي رده على استمرار الأزمة، دعا الرئيس لي جاي ميونغ إلى اتخاذ "خطوة جريئة نحو السلام" وشدد على ضرورة خفض التوترات. وفي الوقت نفسه، حاولت الحكومة الكورية الجنوبية، آخذةً في الاعتبار آثار الحرب على أسعار النفط وسلاسل التوريد والأمن الاقتصادي في شرق آسيا، تقديم ضرورة إنهاء الأزمة ليس فقط كمطلب إقليمي، بل أيضًا كمطلب مرتبط بالاستقرار العالمي. بعبارة أخرى، قدمت سيول السلام في هذه المرحلة كضرورة عملية لاحتواء التداعيات الإنسانية والاقتصادية والأمنية للحرب.

بعد آخر لهذا المحور هو مواقف الرئيس الكوري الجنوبي بشأن حقوق الإنسان فيما يتعلق بأفعال الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين. رغم أن تصريحاته التي قارن فيها سلوك الجنود الإسرائيليين بجرائم تاريخية أثارت جدلاً واسعاً ورد فعل من تل أبيب، إلا أنها أظهرت في الواقع حساسية في المناخ السياسي الكوري الجنوبي تجاه الأعمال اللاإنسانية لإسرائيل، وأن سيول مستعدة، على الأقل ظاهرياً، للنأي بنفسها عن الرواية التي تتبنى موقف تل أبيب تماماً. وقد أوضحت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية لاحقاً أن هذا الموقف نابع من حرصها على حقوق الإنسان العالمية.

التواصل المباشر مع إيران وقبول دور طهران في الأمن الإقليمي

يُعدّ اختيار كوريا الجنوبية التواصل المباشر مع طهران لإدارة أزمة الأمن البحري والطاقة مؤشراً آخر على نشاطها الإيجابي تجاه إيران. فخلال حرب الأربعين يوماً بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، أصبح مضيق هرمز أحد أهمّ نقاط القلق بالنسبة للاقتصادات المستوردة للطاقة، بما فيها كوريا الجنوبية.

في ظلّ هذه الظروف، وبدلاً من الاعتماد فقط على التنسيق مع واشنطن، أرسلت سيول مبعوثها الخاص إلى طهران للتشاور مع المسؤولين الإيرانيين بشأن سلامة مرور السفن، ووضع الطواقم الكورية، والحفاظ على أمن الممرات البحرية. تكمن أهمية هذا الإجراء في أن كوريا الجنوبية، على الرغم من تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، قد أقرت فعلياً بأن أمن مضيق هرمز لا يمكن إدارته دون حوار مع إيران.

من منظور استراتيجي، يُمكن اعتبار إرسال مبعوث خاص إلى طهران دليلاً على واقعية سيول الدبلوماسية. في هذه المرحلة، سعت كوريا الجنوبية إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والأمنية، لا سيما في مجالي الطاقة والشحن، من جهة، وإلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران من جهة أخرى.

ويُظهر تأكيد المبعوث الكوري الجنوبي على ضرورة ضمان المرور الآمن للسفن، وأمله في العودة إلى مسار الحوار والسلام، أن سيول لم تتعامل مع الأزمة من منظور الضغط العسكري فحسب، بل رأت أيضاً ضرورة الحل الدبلوماسي.

موازنة حذرة في مواجهة الضغوط الأمريكية وتجنب النزعة العسكرية

يُمكن ملاحظة جانب آخر من النشاط الإيجابي لكوريا الجنوبية خلال حرب الأربعين يوماً بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، وهو تجنب الدخول المتسرع في مواجهة عسكرية مع طهران. فبعد أن دعا دونالد ترامب حلفاء الولايات المتحدة إلى الاضطلاع بدور أكبر في تأمين مضيق هرمز وممرات الطاقة، لم تتخذ سيول، خلافاً لبعض التوقعات، موقفاً عسكرياً فورياً يتماشى مع مبدأ أقصى الضغوط.

وأعلن مسؤولون كوريون جنوبيون أنهم سيدرسون الطلب بعناية، ويقيّمون الخيارات المختلفة في إطار ضمان أمن ممرات الطاقة. عبارةٌ تُعتبر في الأدبيات الدبلوماسية أقرب إلى كونها دلالة على الحذر وكسب الوقت منها إلى إعلان استعداد للدخول في عمليات عسكرية مباشرة.

فمن جهة، تُعدّ كوريا الجنوبية حليفًا أمنيًا للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على واردات الطاقة وأمن الممرات البحرية. لذا، لم يكن بوسع سيول أن تُعارض واشنطن علنًا، وفي الوقت نفسه، كان من شأن التدخل العسكري المباشر في أزمة هرمز أن يُعرّض مصالح البلاد الاقتصادية والأمنية للخطر.

دفع هذا الوضع كوريا الجنوبية إلى تبني سياسة وسطية، أي الحفاظ على تنسيق ظاهري مع الولايات المتحدة، دون الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران. بل وردت تقارير تفيد بأن ترامب كان غير راضٍ عن عدم كفاية دعم بعض الحلفاء، بمن فيهم سيول، بشأن قضية هرمز؛ وهو ما يُظهر أن حذر كوريا الجنوبية كان واضحًا أيضًا من وجهة نظر واشنطن.

من منظور استراتيجي، يُمكن اعتبار هذا السلوك نوعًا من التوازن المُتحفّظ ولكنه ذو مغزى. لم تكن كوريا الجنوبية تنوي التشكيك في تحالفها مع الولايات المتحدة، ولم تكن مستعدة لتحمل التكاليف العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لحرب عدوانية لم تبدأها بشكل مباشر. خاصةً في ظل ارتباط أزمة هرمز بتكاليف الطاقة وسلاسل الإمداد وأمن الشحن، فضّلت سيول اتباع نهج التقييم والتشاور وإدارة المخاطر بدلاً من الانضمام الفوري إلى حشد عسكري. وقد أثبت هذا النهج جدواه في تخفيف حدة التوترات، إذ حال دون انضمام كوريا الجنوبية إلى تحالف عسكري ضد إيران.

التوقعات؛ إدارة الفرص المحدودة في سياق المصالح المشتركة

في المستقبل، يمكن تقييم سلوك كوريا الجنوبية الحذر كفرصة محدودة ولكن يمكن إدارتها لسياسة إيران الخارجية، بدلاً من اعتباره مؤشراً على تغيير استراتيجي من جانب سيول. تواصل كوريا الجنوبية العمل في إطار تحالف أمني مع الولايات المتحدة، ومن الطبيعي ألا تتجاهل اعتبارات واشنطن في الأزمات الإقليمية؛ ومع ذلك، أظهرت تجربة الحرب الأخيرة أن سيول تسعى أيضاً إلى الحفاظ على حد أدنى من التواصل مع إيران، وإدارة التوتر، ومنع الإضرار بمصالحها الاقتصادية والبحرية.

من هذا المنظور، يمكن لإيران، باتباع نهج مدروس، استخدام قدرتها على الحوار بشأن الأمن البحري والطاقة والدعم القنصلي للأجانب والمساعدات الإنسانية، لخلق مسار تواصل أكثر استدامة مع كوريا الجنوبية؛ مسار لا يقوم على توقعات قصوى، بل على مصالح عملية وقابلة للتحقيق لكلا الجانبين.

من وجهة نظر المراقبين، ينبغي أن تكون الأولوية الاستراتيجية لطهران هي تحويل موقف إيران الجيوسياسي إلى لغة دبلوماسية مسؤولة. من خلال التأكيد على دورها في استقرار مضيق هرمز وتأمين طرق الطاقة، تستطيع إيران توجيه رسالة إلى سيول والقوى الآسيوية الأخرى مفادها أن الأمن الإقليمي لن يتحقق عبر الضغط العسكري وإقصاء إيران، بل من خلال الحوار المباشر والاحترام المتبادل وفهم المخاوف المشروعة لكلا الجانبين.

وفي هذا الإطار، يمكن لمقترحات مثل الحوار المنتظم بين المسؤولين السياسيين والبحريين، وإنشاء آلية تشاورية في أوقات الأزمات، والتعاون مع المؤسسات الدولية للإغاثة الإنسانية، وفصل القضايا الإنسانية والاقتصادية عن التوترات الأمنية، أن تسهم في تبديد المفاهيم الخاطئة. ويُعد هذا النهج ميزة لإيران، إذ يُظهر صورة استباقية وعقلانية ومسؤولة لسياسة طهران الإقليمية دون التراجع عن مواقفها المبدئية.

في المقابل، يتعين على كوريا الجنوبية، إذا رغبت في الحفاظ على مصالحها طويلة الأمد في غرب آسيا، أن تنأى بنفسها عن السياسة الانفعالية البحتة وأن تضطلع بدور أكثر فاعلية في إدارة الأزمات. في الوقت الذي تحافظ فيه سيول على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، يمكنها إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع طهران، ورفع مستوى المساعدات الإنسانية من مستوى رمزي إلى آلية أكثر انتظاماً، وتعزيز القنوات الدبلوماسية والتقنية بشأن قضايا مثل أمن الشحن والطاقة وحماية مواطنيها، بدلاً من الاعتماد كلياً على الأطر العسكرية.

رمز الخبر 1970366

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha