٠٥‏/٠٥‏/٢٠٢٦، ١١:٥٣ ص

كابوس ترامب الاستراتيجي ضد إيران

كابوس ترامب الاستراتيجي ضد إيران

في الأسابيع الأخيرة، برز مصطلح "المأزق الاستراتيجي" الذي تواجهه الولايات المتحدة في مواجهة إيران كأحد أكثر المصطلحات تداولاً في وسائل الإعلام الغربية؛ وهو وضعٌ تجاوز تدريجياً كونه فشلاً مؤقتاً، ليتحول إلى أزمة عميقة على مستوى صنع القرار.

وكالة مهر للأنباء: لا يكمن جوهر هذا الوضع في مجرد فشل في مجال محدد، بل في عجز الولايات المتحدة عن تحويل القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي دائم؛ وهي مشكلة باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، لا سيما في ظل نهج دونالد ترامب.

في هذا السياق، يعكس وصف "الكابوس الاستراتيجي" حقيقة أن جميع الخيارات المتاحة أمام واشنطن مكلفة ولا تضمن النجاح. وقد نشأ هذا الوضع عندما لم تتحقق عملياً الأهداف المعلنة والخفية للولايات المتحدة في المواجهة الأخيرة مع إيران. كانت الفكرة الأولية في واشنطن تقوم على فرضية أنه من خلال ممارسة ضغوط عسكرية واقتصادية ونفسية متزامنة، يمكن إجبار طهران على التراجع في فترة زمنية محدودة. لكن في الواقع، لم تنهار البنية التحتية الرئيسية لإيران كما كان متوقعاً، ولم تضعف إرادتها السياسية.

خلافًا لهذه الحسابات، تمكنت إيران من الحفاظ على زمام المبادرة ميدانيًا بالاعتماد على مزيج من الأدوات العسكرية والناعمة. وكان من أهم عناصر هذا النهج استخدام نموذج الحرب غير المتكافئة، وهو نموذج مصمم أساسًا لتحييد التفوق التقليدي للطرف الآخر. في هذا الإطار، وبدلًا من الانخراط في مواجهة مباشرة ومكلفة، ينصب التركيز على خلق ضغوط محلية واستنزافية وغير متوقعة. وقد حال هذا دون تحقيق الولايات المتحدة، على الرغم من تفوقها العسكري، نصرًا حاسمًا.

إضافةً إلى ذلك، أصبحت الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز، باعتباره أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، عاملًا حاسمًا في المعادلة. وقد زادت قدرة إيران على تعطيل هذا الممر، ولو على مستوى الإمكانات، من تكلفة المخاطرة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها. ولم يقتصر تأثير هذا العامل على تكثيف البعد العسكري فحسب، بل شمل أيضًا الأبعاد الاقتصادية والنفسية للأزمة، وجعل عملية صنع القرار في واشنطن أكثر تعقيدًا.

لكن ربما تبرز أهم علامات المأزق الاستراتيجي في الفترة التي أعقبت انتهاء المرحلة الرئيسية من الصراع. ففي تلك المرحلة، كان يُتوقع أن تتمكن الولايات المتحدة من ترسيخ بعض أهدافها على الأقل، أو رسم مسار جديد لاحتواء إيران. إلا أن الواقع أظهر أنه لم يتحقق أي إنجاز ملموس، بل تعززت قدرات إيران في بعض المجالات. وقد زاد هذا من وضوح الفجوة بين "تصور القوة" و"فعاليتها الحقيقية".

وعلى الصعيد الداخلي للولايات المتحدة، لم تكن هذه الإخفاقات بلا ثمن. فقد أدت التكاليف المالية المتزايدة للحرب، والضغط على الرأي العام، والشكوك حول فعالية السياسات المتبعة، إلى إضعاف موقف ترامب السياسي. وفي ظل هذه الظروف، يُصاحب أي قرار جديد - سواء كان يهدف إلى تصعيد التوترات أو تخفيفها - مخاطر جسيمة. فالاستمرار على النهج الحالي قد يُضعف موارد أمريكا ومصداقيتها، بينما يُنظر إلى التراجع على أنه اعتراف ضمني بالهزيمة.

من جهة أخرى، نجحت إيران في إحباط أحد أهم أهداف الطرف الآخر في هذه المعادلة، وذلك بالحفاظ على تماسكها الداخلي. فقد أثبتت التجربة أن الضغط الخارجي، في كثير من الحالات، عزز التضامن الداخلي في إيران بدلاً من إحداث انقسامات. وكان هذا أحد أبرز الأخطاء في الاستراتيجيات الأمريكية التي لا تزال تتكرر. في الواقع، فشلت واشنطن في فهم دقيق للديناميات الداخلية الإيرانية، مما صعّب عليها وضع سياسات فعّالة.

وعلى الصعيد الإقليمي، زادت التطورات من تعقيد الموقف الأمريكي. فقد أصبح حلفاء واشنطن التقليديون أكثر حذراً من ذي قبل بشأن تكاليف المواجهة المباشرة مع إيران. في المقابل، حاول بعض الفاعلين الإقليميين تجنب التورط في صراع مكلف من خلال تبني سياسات أكثر توازناً. وقد حدّت هذه التغييرات فعلياً من نطاق مناورة أمريكا، وقللت من إمكانية تشكيل إجماع إقليمي ضد إيران.

في ظل هذه الظروف، فإن ما يُشار إليه بـ"الكابوس الاستراتيجي" ليس وضعاً مؤقتاً، بل هو نتيجة تراكم أخطاء في التقدير وعدم القدرة على التكيف مع الواقع على أرض الواقع. تواجه أمريكا معادلةً لم تعد فيها أدوات القوة التقليدية فعّالة كما كانت، وقد استغلّ فاعلٌ كإيران الثغرات القائمة لتغيير موازين القوى لصالحه.

بشكل عام، يمكن القول إنّ المأزق الحالي، قبل كل شيء، هو نتيجة تناقض جوهري: فمن جهة، رغبة أمريكا في الحفاظ على هيمنتها، ومن جهة أخرى، القيود الحقيقية التي تحدّ من ممارسة هذه الهيمنة. وقد بلغ هذا التناقض ذروته في مواجهة إيران، ما جعل لكلّ فعل عواقب غير متوقعة.

في نهاية المطاف، ما يمكن استخلاصه من هذه التطورات هو تغيير تدريجي في قواعد اللعبة. فقد أظهرت إيران قدرتها على إلحاق خسائر فادحة بالطرف الآخر ومنعه من تحقيق أهدافه. ورغم أنّ هذا النموذج قد لا يُفضي إلى نصرٍ كلاسيكيّ كامل، إلا أنّه كان فعّالاً للغاية في خلق الردع والحفاظ على الموقع الاستراتيجي.

وبناءً على ذلك، يجب تحليل "الكابوس الاستراتيجي" لترامب ليس فقط عند نقطة زمنية محددة، بل في إطار اتجاه طويل الأمد. وهو اتجاه تواجه فيه المزايا الأمريكية التقليدية تحديات متزايدة، وقد تمكنت جهات فاعلة مثل إيران، بالاعتماد على مناهج مرنة ومتعددة المستويات، من إعادة تعريف المعادلات بطريقة تجعل من الصعب على واشنطن الإفلات منها.

/انتهى/

رمز الخبر 1970543

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha