٠٨‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ١:١٢ م

سقوط الوهم الأمريكي.. حرب كان يفترض أن تُخضع إيران

سقوط الوهم الأمريكي.. حرب كان يفترض أن تُخضع إيران

 كلما طال أمد الحرب الأمريكية على إيران، تتسع الفجوة بين رواية الانتصار التي تروج لها واشنطن وواقع الميدان، في ظل تزايد التساؤلات داخل الولايات المتحدة حول الكلفة البشرية والعسكرية والاقتصادية للحرب ومدى تحقيقها أهدافها المعلنة.

وكالة مهر للأنباء: تتحول الحرب الأمريكية على إيران تدريجياً إلى قضية داخلية في الولايات المتحدة. فما كان يفترض في البداية أن يكون استعراضاً لقوة واشنطن وإثباتاً لقدرتها على فرض إرادتها على طهران، بات اليوم يواجه أسئلة جدية بشأن الكلفة البشرية والعسكرية والاقتصادية للصراع.

وفي ظل هذه الظروف، لم تعد الانتقادات الموجهة إلى سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتصرة على معارضيها في الخارج، بل بات عدد من السياسيين الأمريكيين يحذرون أيضاً من نتائج هذه الحرب وتداعياتها.

كريس مورفي يسلط الضوء على كلفة الحرب

سلط السيناتور الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت كريس مورفي الضوء على تداعيات الحرب على إيران، مقدماً صورة عن حجم الكلفة التي تتحملها الولايات المتحدة نتيجة هذا الصراع.

وقال مورفي إن 18 أمريكياً قتلوا، وإن مليارات الدولارات من الأضرار لحقت بالقواعد الأمريكية، كما تراجعت مخزونات الصواريخ الأمريكية بشكل كبير.

وأشار كذلك إلى الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها المزارعون الأمريكيون، فضلاً عن ارتفاع أسعار البنزين إلى نحو خمسة دولارات، بما يؤكد أن تداعيات الحرب لم تعد محصورة في القواعد العسكرية وساحات القتال، بل امتدت إلى الحياة اليومية للمجتمع الأمريكي.

لكن الجزء الأهم في تصريحات مورفي لم يكن حديثه عن الخسائر والأضرار، بل تقييمه لوضع إيران، إذ أكد أن إيران أصبحت «أقوى من أي وقت مضى»، معتبراً أن ترامب يعاني بصورة خطيرة من الوهم.

وتشكل هذه التصريحات ضربة مباشرة للرواية التي تتبناها الإدارة الأمريكية بشأن نتائج الحرب، والتي تسعى إلى تقديم الهجمات العسكرية واسعة النطاق باعتبارها مرادفاً للانتصار.

معيار الانتصار.. تحقيق أهداف الحرب

المشكلة الأساسية في هذه الرواية هي أن الانتصار في الحرب لا يمكن قياسه فقط بعدد الهجمات أو كمية القنابل المستخدمة أو حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للجانب الآخر.

فالمعيار الحقيقي يتمثل في تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية التي اندلعت الحرب من أجلها. فإذا كان الهدف من الحرب إضعاف إيران، والقضاء على قدرتها على المقاومة، وإجبار طهران على قبول مطالب واشنطن، فإن استمرار قدرة إيران على المواجهة والرد وإعادة بناء قدراتها يعني أن هذه الأهداف لم تتحقق.

وفي المقابل، دفعت الولايات المتحدة ثمناً كبيراً لمواصلة الحرب، يتمثل في انخفاض مخزونات الصواريخ، وتزايد الضغوط على القواعد العسكرية، وسقوط قتلى أمريكيين، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية للصراع.

وتكتسب هذه الكلفة أهمية أكبر عندما يكون الطرف المقابل لا يزال يمتلك القدرة على مواصلة الحرب. ففي الحرب الاستنزافية، لا يتعلق الأمر فقط بمن وجه الضربة الأقوى، بل بالسؤال عن الطرف الذي يمتلك قدرة أكبر على تحمل الضربات ومواصلة القتال.

معضلة ترامب

من هنا، تواجه رواية ترامب بشأن الانتصار تحدياً جدياً. فقد تتمكن الإدارة الأمريكية من الحديث عن نجاح العمليات العسكرية والأضرار التي لحقت بإيران، لكن إذا كانت هذه العمليات لم تتمكن من ردع طهران عن مواصلة مقاومتها، فإن النتيجة النهائية ستظل بعيدة عن التعريف التقليدي للانتصار.

فالانتصار العسكري يجب أن يتحول في نهاية المطاف إلى مكسب سياسي مستدام، وإلا فإن الهجمات واسعة النطاق قد تتحول إلى مجرد حرب استنزاف تستنزف الطرفين وتفرض عليهما كلفة متزايدة.

ومن هذا المنظور، تكتسب تصريحات مورفي أهمية أكبر، إذ إنه ينقل اهتمام الرأي العام الأمريكي من صور الهجمات واستعراض القوة العسكرية إلى «فاتورة الحرب».

وتشمل هذه الفاتورة الخسائر البشرية، واستهلاك مخزونات الأسلحة، والأضرار التي لحقت بالقواعد، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة بالنسبة إلى الأمريكيين.

وعندما توضع هذه الكلفة إلى جانب عدم تحقيق الأهداف الرئيسية للحرب، يصبح التساؤل عن النجاح الحقيقي لهذه العمليات أمراً لا مفر منه.

ماذا يعني أن تصبح إيران «أقوى»؟

ينبغي أيضاً النظر إلى الحديث عن «قوة إيران» في هذا الإطار. فالقوة لا تعني فقط زيادة عدد المعدات العسكرية، بل تشمل القدرة على الحفاظ على التماسك السياسي، ومواصلة النشاط الاقتصادي، وإعادة بناء القدرات الدفاعية، والحفاظ على القدرة على الرد، والأهم من ذلك، منع العدو من فرض إرادته السياسية.

فإذا تمكنت إيران، رغم تعرضها لهجمات واسعة، من مواصلة المواجهة، فإن ذلك يشير بحد ذاته إلى أن الاستراتيجية الأمريكية لم تتمكن من تحقيق النتيجة التي صُممت الحرب من أجلها.

حرب طويلة وكلفة متصاعدة

في المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة مهمة، إذ إن الحروب الطويلة تفرض على واشنطن كلفة تتجاوز بكثير العمليات العسكرية المباشرة.

فهي تستنزف مخزونات الأسلحة، وتعرض القوات والمعدات للخطر، وتخلق ضغوطاً اقتصادية، وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى تعميق الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة.

وكلما طال أمد الحرب، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تستحق نتائج الحرب كل هذه الكلفة؟

لذلك، لا يمكن تقييم الحرب على إيران من خلال صور الهجمات والبيانات الرسمية الأمريكية وحدها، بل يتضح واقع الميدان من خلال مقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج الفعلية.

فإذا كانت الولايات المتحدة، رغم استخدام قدراتها العسكرية الهائلة، لم تتمكن من إخضاع إيران، ولم تستطع القضاء على قدرتها على المقاومة، وفي الوقت نفسه واجهت خسائر بشرية وتراجعاً في مخزونات الأسلحة وضغوطاً اقتصادية، فإن الحديث عن الانتصار يصبح أمراً بالغ الصعوبة.

انهيار وهم الانتصار السهل

لقد خسرت الولايات المتحدة هذه الحرب، ليس فقط بسبب الكلفة الباهظة التي تكبدتها، بل أيضاً لأنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها الرئيسية.

والأهم من ذلك أن هذا الفشل لم يعد مجرد قراءة يقدمها خصوم واشنطن، إذ بدأت أصوات الانتقاد ترتفع من داخل البنية السياسية الأمريكية نفسها، مع تحذير سياسيين مثل كريس مورفي من الفجوة بين كلفة الحرب ونتائجها.

وفي نهاية المطاف، فإن ما يتهاوى اليوم ليس مجرد استراتيجية عسكرية، بل وهم الانتصار الأمريكي السهل على إيران؛ ذلك الوهم الذي افترض إمكانية إخضاع دولة بقوة النيران وحدها.

لكن واقع الحرب أظهر أن القوة الحقيقية لا تختزل في القدرة على شن الهجمات، بل تكمن أحياناً، وبصورة أهم، في القدرة على الصمود والرد ومواصلة المواجهة.

وإيران، على الأقل وفق المعطيات الواردة في هذا الطرح، لا تزال صامدة.

رمز الخبر 1973656

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha