دبلوماسي عراقي: "العراق قوة متنامية في بيئة مضطربة"

قال سرجون الأكدى (2340-284) "من يحكم بلاد ما بين النهرين يحكم الجهات الأربعة في العالم".

*د.أحمدنعمة حسن الصحاف، دبلوماسي في وزارة الخارجية العراقية ومحاضر في جامعة بغداد؛ كما هو مختص بـ علم الاجتماع السياسي والجماعات

تشهد منطقة الشرق الأوسط اليوم هزات جيوبولتيكية موازية نسبا لتلك التي واجهتها في اعقاب اتفاق سايكس بيكو، والحرب الباردة، والاحتلال السوفيتي لأفغانستان والثورة الإسلامية في ايران. تواجه الولايات المتحدة اثر المتغيرات الراهنة خسائر جمة على مستوى حلفائها في المنطقة حيث اخذت تركيا-الحليف الناتوي الكبير للولايات المتحدة تلتحق بالمحور الروسي، ومصر تقف مترددة مع ميول للارتباط بالحصان الروسي الرابح، ودول الخليج تتصارع فيما بينها وتبتعد تدريجيا عن العباءة الأمريكية، في الوقت الذي تتنامى فيه قوى الدول المناوئة للنفوذ الأمريكي.

في ظل تفتت حلفاء الولايات المتحدة يمثل العراق اليوم فرصة تاريخية كما كتب المفكر الأمريكي فرنسيس فوكوياما في  تغريدة له على موقع "توتير "في 6 كانون الأول 2017 بقوله "يمكن ان يتحول العراق الى قصة نجاح غير متوقعة فالحرب تصنع الدولة والدولة تصنع الحرب".

تكاد الأهمية الجيوبولتيكية للعراق اليوم تتوافق وقواعد أبرز منظري المدرستين الرئيسيتين اللتان تستند اليهما السياسة الخارجية الامريكية وهما المدرسة الليبرالية والمدرسة الواقعية.

وفق المدرسة الليبرالية يكاد يمثل النظام الديمقراطي في العراق اليوم أنموذجا فريدا من نوعه في بيئة تعج بنظم دكتاتورية غير مرشحة للاستقرار، وإعادة المدى المتوسط والطويل، كونه تمكن من امتصاص قوي عدم الاستقرار و الازدهار ، مما يطرح اليوم وفق فرضية هنيكتون إمكانية جعل العراق نقطة لانطلاق الموجة الرابعة للديمقراطية.

ان قوى الجذب التي يتمتع بها العراق في هذا الاطار تتجسد بطرحه فرضية نشر الديمقراطية في المنطقة بشكل طبيعي وتطوري بفعل النجاح الذي حققه الانموذج الديمقراطي – العراق كأطروحة مضادة لألية نشر الديمقراطية عبر التدخل الخارجي التي تنادي بها المدرسة الواقعية التقليدية والتي اثبتت فشلها الذريع في هذا الصدد سيما ان النموذج القائم اليوم في المنطقة والذي افرز اتفاق سايكس بيكو ينتابه تياران اساسيان هما ضعف السلطة المركزية مقابل الرغبة بالبقاء على الانموذج الراهن للدولة ، مما يجعل الديمقراطية النظام الأكثر توافقا مع معطيات التيارين أعلاه.

عليه يوفر الانموذج العراقي فرصة تاريخه لإيجاد حل طويل الامد لإشكالية الاستقرار في المنطقة تقوم على أساس دعم الانموذج العراقي على غرار ما حدث في انموذج المانيا الغربية سابقا ليواصل الانموذج العراقي مسيرة نجاحه والتي ستساعد بشكل غير مباشر على انتشار الانموذج الديمقراطي في المنطقة وفق قواعد نظرية الدومينو، اما المدرسة الواقعية بتيارها الجديد والأكثر شهرة، والذي يطلق عليه بالواقعية الهجومية (offensive realism) بزعامة جون ميرشايمر(john.j.mearsheimer).

على المستوى الأيديولوجي، ان العراق ينتهج قولا الاعتدال في منطقة تعج بالتطرف، وتنبع قوى الاعتدال العراقي من الواقع الفريد و المتنوع لتركيبته الاجتماعية المحاطة بأمم عريقة ثلاث- الفارسية ، والتركية، والعربية- فضلا عن الديانات السماوية والارضية التي انفردت ببعض منها بلاد ما بين النهرين وهذا ما يدفع عادة الباحثين الى الوقوع في مغالطات عند دراستهم للانموذج العراقي من خلال الادعاء بعائدة مكوناته الى الدول المحيطة به متجاهلين بذلك حقيقة التركيب المستقلة للمجتمع العراقي بكافة مؤسساتها.

يتضح التوجه المستقبل أعلاه بجلاء في المدارس الفكرية الفريدة والرائدة لمختلف المكونات الاجتماعية العراقية والتي شكلت محور التيار الوسطي حيث برهنت اغلب الحقب التاريخية بان الفوضى والتطرف في المنطقة ينمو بغياب قوى الاعتدال التي يجسد العراق جزءا كبيرا منها الامر الذي يولد علاقة توافقية بين استقرار العراق واستقرار المنطقة.

ان مقومات القوة الكبيرة التي يتمتع بها العراق عادة ما تمكنه من الصعود ودحض قوى عدم الاستقرار، ثم البروز بمقومات قوى اكبر في الوقت الذي انهارت فيه العديد من الدول التي واجهت أزمات موازية او اقل حدة من تلك التي واجهها العراق، وهذا ربما يفسر سبب فشل اغلب الدراسات التي ذهبت منذ عام 2003 الى ان تفكك وانهيار العراق امرا حتميا وهذا ما يمكن ان نلمسه بوضوح في دراسات جو بايدن (joe biden) نائب الرئيس أوباما التي دعت الى تقسم العراق وفق الخطوط الاثنية على غرار الانموذج البوسني كعلاج للازمات التي واجهها العراق.

بناء على ما تقدم، ان مواجهة العراق لازمات اقتصادية خانقة وهزيمة لأخطر تنظيم إرهابي في التاريخ وكبح القوى الانفصالية اظهر بجلاء مدى فاعلية القوى التي يتمتع بها العراق ، مما دفع العديد من الكتاب الى الاعتقاد بان العراق من الدول المرشحة ان تكون الأكثر استقرارا وازدهارا في المنطقة على المدى المتوسط والطويل./انتهى/

المصدر: تسنيم

رمز الخبر 1881560

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 4 + 11 =