ايران.. من دعم الاسلام السياسي الى تحالف مع القوميين العرب

أصبحت علاقات القوميين العرب بإيران والتي تتجسد في العلاقات القائمة بين دمشق وطهران، إستراتيجية اكتست طابعاً مؤسساتياً ما تثير الاسئلة عن امكانية استمرار هذا التحالف والمفارقات المحتملة.

وكالة مهر للأنباء - محمد مظهري: بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 تعرض النظام الاسلامي الجديد لمختلف اتهامات من الجانبين الغربي والعربي تحت عناوين مثل "محاولة التدخل في الشؤون الداخلية" وفي فترة ما تحولت الى تهديد للنهضة العروبية حيث قام الرئيس العراقي السابق صدام حسين - والذي لم يفارق ظله ضحاياه الى يومنا هذا -باستخدام هذه الورقة لتحشيد عربي ضد الجمهورية الاسلامية في حربها التي طالت 8 سنوات. واليوم بذريعة الدفاع عن الاسلام السني تسعى بعض الدول في الخليج الفارسي والتي تتطلع الى قيادة العالم الاسلامي الى تهميش ايران بين المسلمين.
بالعودة الى ماضي العالم العربي نرى ان هناك مشروعين عربيين متنافسين مازالا باقيان في ذاكرة المواطن العربي رغم تأرجحهما بين قوة وفتور طوال تاريخهما بعد الثورات العربية على الاستعمار. وهما مشروع الاسلام السياسي الذي تجسد في الاخوان المسلمين باعتبارها أكبر منظمة اسلامية تتمتع بشعبية واسعة بين الدول الاسلامية ومشروع العروبة الذي سطع نجمه ايام جمال عبد الناصر  والتحالفات العربية لمواجهة اسرائيل واليوم يتجسد في الايديولوجيات القومية المتناثرة هنا و هناك في انحاء العالم العربي.
 أما إيران حدّدت مشروعها منذ وقت مبكر وأصبحت ركائز هذا المشروع الذي يمضي بخطى ثابتة واضحةً بعد انتصار الثورة الاسلامية عام 1979 حيث أكدت اولاً على الايديولوجيا الاسلامية داعية الدول المسلمة الى الوحدة والتقارب والاصطفاف في مواجهة الغرب وثانياً حاولت اعادة القضية الفلسطينية الى الواجهة بينما الدول العربية معظمها كانت تفضّل التسوية والتخلص من عبء القضية.
وخلافا لما تصورته الأبواق الخليجية وما زالت تروج لها تبين على مر الزمن ان توجهات طهران تنسجم لحد كبير مع المشروع الاسلامي الذي يتقبل فكرة التقارب بين مختلف المذاهب والطوائف  وكذلك المشروع العروبي الذي يحتضن القضية الفلسطينية ويساند فكرة المقاومة.
والجهات التي تتهم ايران بانها لديها مشروع توسعي وتصفه بالصفوي والمجوسي تتجاهل ان قوة الدول بمشاريعها واتهام هذا بالصفوي وذلك بالعثماني لن يحل مشكلة العالم العربي وهي حالة اللامشروع او فتور المشروعين الاسلامي والقومي فيه.  
اما ايران التي تبحث عن مشاريع منسجمة مع توجهاتها الاقليمية لا تجد امامها سوى هذين الخيارين بينما النقطة المشتركة بين المشروعين هي الوحدة فالاول يدعو الى الوحدة الاسلامية والثاني يناشد الوحدة القومية.
هل هناك مفارقات؟ نعم. المشروع الاسلامي يمكن يتحول الى مشروع طائفي يحاول تهميش او الغاء الطوائف الاخرى والمشروع القومي ربما يتحول الى مشروع عنصري لا يتقبل القوميات الاخرى.
اما المشروع الاسلامي الجامع الذي ينبذ الافكار الطائفية والتكفيرية ويركز على مفهوم الوحدة وتوحيد الأمة الاسلامية والعروبة التي لا تضيق المجال على القوميات الأخرى وبل تحتضنها بصدر رحب لا تواجه تناقضات سواء في داخلها او في علاقاتها مع المشاريع الوحدوية الأخرى.
ورغم التصادم الدموي على كراسي الحكم من خمسينيات إلى ثمانينيات القرن الماضي،  وبالنظر الى توجهات رواد القومية الأوائل والقوميون الجدد من الكواكبي وعبده إلى عبد اللطيف شرارة وساطع الحصري يمكن القول بأن التيار العروبي و تيار الاسلام السياسي تجمعهما قواسم مشتركة وجذور واحدة بداية من مصر، وصولًا إلى حكم البعث في سوريا. 
ومن جهة اخرى لا یمکن لأحد انكار تأثيرات الادارة الفارسية في الحضارة العربية ودور الدين الاسلامي والثقافة العربية في تشكيل الهوية التاريخية لدى الايرانيين وعلى مر الزمن اندمجت الهويات في منطقتنا وانبثقت قواسم مشتركة تجمع بينها تعبد الطريق للبحث عن مشاريع منسجمة او متقاربة لحد ما على اساس المصالح والتاريخ المشترك شرط الا نعتمد على المشاريع الاجنبية دون الشعوب والهويات الاقليمية. 
من هذا المنطلق يمكن اعتبار علاقات القوميين العرب بإيران إستراتيجية والتي تتجسد في العلاقات القائمة بين بين دمشق وطهران، حيث اكتست طابعًا مؤسساتيًا.
اما الذين يتحدثون عن نموذج الرئيس العراقي السابق صدام حسين باعتباره حامي البوابة الشرقية للأمة العربية وقائد عروبي تصدى لايران يتناسون ان صدام هو الذي قام بغزو الكويت بعد فشلها الذريع في اركاع الجمهورية الاسلامية وكأنّ الكويت ليست جزءا من العالم العربي وهؤلاء يحاولون تقديم صورة عن ايران كسبب الازمات والحروب في المنطقة دون ان يتذكروا ان ايران هي الدولة التي لم تشن حرباً على أحد منذ 150 عاماً والحرب الايرانية-العراقية اندلعت بعد الاجراءات الاستفزازية والتوسعية لصدام حسين ومحاولته لضم الاهواز الايرانية الى العراق. وها هي السعودية التي تقصف اليمن ليلا ونهارا امام اعين المجتمع الدولي تحت ذريعة مواجهة المد الايراني ولا يخفى على احد ان الرياض اخذت تفرض نفسها في الشؤون الداخلية اليمنية  منذ عام  1934وحتى يومنا الحالي بذريعة تأمين الحدود والتصدي للحوثيين. ولنسأل المطبلين للعدوان على اليمن عن تاريخ الحروب التي نشبت بين السعودية واليمن خلال اعوام 1934 و1943 و1969 و1978 ومن المسؤول عن تلك الحروب؟ ايران والمشروع التوسعي الايراني؟ 
ولنسال من يدعي ان ايران سبب مشاكل المنطقة .. اي دول ساهمت وشاركت في تمزيق و تشتيت ليبيا؟ ايران والمشروع الصفوي المجوسي على حد قولهم او الغباء الخليجي والمشاريع التوسعية لدول لا تعرف حجمها الحقيقي؟
باعتقاد راقم هذه السطور ايران ليس لديها مشكلة مع المشاريع الاقليمية، اسلامية كانت او عروبية وبل تجد فيها ارضية وفرصة للتحالف والاستقواء على الغرببين شرط ان هذه المشاريع ترتكز وتعتمد على تاريخها واصولها وليست على المخططات الاستعمارية التي تحاول بث الفرقة والفتنة باسم الدين او تتجه نحو تقسيم الدول وتشكيل الدويلات باسم القومية. علينا الا ننسى ان اي مشروع قومي یدعم تقسيم دولة اخرى سينقلب عليه السحر لاننا محتومون بجغرافيا هذه المنطقة التي تتشكل من قوميات وطوائف مختلفة عاشت وتعايشت على مر القرون. للأسف التوجه السائد بين بعض الجيران في الخليج الفارسي يؤيد ويشجع التقسيم للآخرين دون ان تكترث لعواقبها.. الاصرار على فصل الاهواز او كردستان او آذربيجان من ايران التي تشكلت من فسيفساء قومي مآلها تقسيم العراق وسوريا اللتين تحتضنان المكونات الكردية والتركية الى جانب الاختلافات الطائفية فيهما والسعودية ايضا ليست بمنأى عن هذه التحديات كونها تحتضن مكونات مذهبية.
باختصار ، لا يخفى على احد ان ايران تحتاج الى تحالفات اقليمية مع دول الجوار من تركيا والعراق الى المحيط الاطلسي ومرورا بدول الخليج الفارسي ولو اختلفنا على التسميات المهم ان المشاريع الاقليمية منها التركية والعربية الى جانب المشروع الايراني يجب ان يتم انعاشها بدلا عن الاتكال على المشاريع الغربية والامريكية المزيفة التي لا تفيد الشعوب. طبعا لا بد من المنافسة بين المشاريع الى جانب التاكيد على القواسم المشتركة ومجالات التعاون التي كفتها ترجح لصالح الجميع. 


 

رمز الخبر 1897390

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • 4 + 12 =