وكالة مهر للأنباء، حجّة الإسلام والمسلمين محمد هادي ملكي، محلّل في الشؤون السياسية والدولية: مجموعة التحركات الدبلوماسية والأمنية المحيطة بالعراق تكشف عن مسار خفيّ تسعى من خلاله القوى الدولية إلى ابتكار ترتيبات جديدة يمكن أن تؤثر مباشرة في التوازنات الأمنية وحتى في الحدود السياسية للدول.
«مشاريع السلام» أم هندسة صامتة للتقسيم؟
خلال الأسابيع الأخيرة، طُرحت مبادرات تحت عناوين «السلام الإقليمي» و«خفض التوتر» من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ غير أنّ المضمون الفعلي لهذه المبادرات يتجاوز فكرة «التهدئة» أو «إدارة الأزمات». فالإطار الحقيقي لتلك الخطط يقوم على إعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط تمهيداً لتقليص وزن الدول المستقلة، وتوسيع نفوذ القوى الخارجية، والانزلاق التدريجي نحو تفتيت «ناعم» للدول.
هذه المشاريع، رغم مظهرها الهادئ، تُدار عبر لقاءات غير معلنة واتصالات تتم خارج المؤسسات الرسمية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اللقاءات السرّية التي جرت على هامش قمة شرم الشيخ مع رئيس وزراء عراقي سابق، وهي لقاءات تُعدّ عملياً تمهيداً لمسار التطبيع مع الكيان الصهيوني وتجاوز الخطوط الحمراء للأمن القومي العراقي.
وتحمل هذه المبادرات رسالة واضحة: إن الدخول غير المدروس للعراق في هذه الترتيبات قد يعرّضه لسيناريو «السورنة»، أي سحبه إلى نزاعات استنزافية، وإضعاف الدولة المركزية، وفتح الطريق أمام مشاريع التقسيم.
الاستراتيجية الهجومية الجديدة للكيان الصهيوني
بالتوازي مع هذه التحركات السياسية، فعّل الكيان الصهيوني استراتيجية هجومية جديدة على حدوده الشمالية وفي محيط العراق. تل أبيب، العالقة داخلياً في أزمات سياسية وأمنية، تحاول استغلال الفوضى الإقليمية لترسيخ موقعها في بيئة مضطربة.
وتشير تحليلات عديدة إلى تعاون وثيق بين واشنطن وتل أبيب لإقامة «منظومة أمنية جديدة» في المنطقة، في إطار مساعٍ لتغيير موازين القوى السياسية والعسكرية على حساب الدول المستقلة ومحور المقاومة. هذه المنظومة تهدد ليس فقط الحدود القائمة، بل بنية الدول العربية الداخلية التي قد تتعرّض للتآكل والتشظي.
لبنان… مركز الضغط ومفتاح المواجهة
يشكّل لبنان أحد الميادين الرئيسة لهذا المشروع. فالحملات الإعلامية والضغوط السياسية ومحاولات إضعاف المقاومة تصاعدت خلال السنوات الماضية، ودخلت في الأشهر الأخيرة مرحلة أكثر حدّة. وعلى الرغم من ذلك، ما تزال المقاومة في لبنان العامل الأساس في منع تنفيذ المخططات الهادفة إلى التفتيت وإشعال الفتن المصطنعة.
ويرى محللون أنّ السبب الرئيس وراء هذا الضغط هو الدور الردعي الذي تمارسه المقاومة في مواجهة المشاريع التي تستهدف تقسيم المنطقة. وبالتالي، فإن ضرب لبنان والمقاومة يأتي تمهيداً لخطط أكبر يجري إعدادها في الإقليم.
العراق… ضرورة الابتعاد عن الفتن المصنّعة
وفي خضم هذا المشهد، يواجه العراق اختباراً حاسماً. فالدخول في مشاريع تُصاغ خارج حدوده سيزجّ به في نزاعات استنزافية ومسارات قد يصعب الرجوع عنها. سيناريوهات مثل التطبيع القسري مع الكيان الصهيوني أو إضعاف المنظومة الدفاعية، تمثّل مدخلاً عملياً لاستنساخ نموذج «السورنة».
وفي هذا السياق، تأتي تصريحات آية الله السيد ياسين موسوي، إمام جمعة بغداد، بشأن مكانة الحشد الشعبي. فقد أكد أنّ الحشد «ليس مشروعاً عابراً»، بل هو سدٌّ استراتيجيٌّ حال دون سقوط العراق بيد داعش، ويقف في وجه المخططات الأميركية والصهيونية الرامية إلى إضعاف الدولة. ومن هنا، فإن الضغط لإضعاف الحشد يمثّل جزءاً من مشروع أوسع يستهدف إزالة آخر خطوط الدفاع عن وحدة العراق.
خلاصة القول
تكشف الوقائع السياسية والأمنية والإعلامية الأخيرة أن المنطقة تقف عند بوابة مرحلة جديدة من إعادة ترسيم خريطة الشرق الأوسط بصمت، تقوم على ثلاثة مسارات رئيسة:
1. تمرير مشاريع «السلام» التي تشكّل في واقعها خارطة طريق للتقسيم الناعم والهيمنة الخارجية.
2. تصعيد التحركات الصهيونية لإحكام السيطرة في منطقة تعيش حالة اضطراب.
3. محاولة كسر قوة الردع في لبنان واستهداف البنى الدفاعية في العراق، وفي مقدمتها الحشد الشعبي.
وعليه، فإن الحفاظ على وحدة العراق واستقراره يتطلّب تجنّب الفتن المصنّعة، والتمسك بعناصر القوة الوطنية، وفي مقدمتها المقاومة الشعبية، لعدم تحويل العراق إلى ساحة لاختبار المشاريع الأجنبية واستنساخ سيناريوهات مدمّرة كالتي شهدتها سوريا.
/انتهى/
في وقتٍ يعود فيه الشرق الأوسط إلى واجهة التوترات الأمنية والسياسية، تزداد المؤشرات الدالّة على دخول المنطقة مرحلة جديدة ومعقّدة من إعادة الهيكلة الاستراتيجية.
رمز الخبر 1965752
تعليقك