وكالة مهر للأنباء: لم يكن حدث إدراج حزب الله اللبناني وحركة أنصار الله اليمنية ضمن قائمة تجميد الأموال في العراق مجرد “خطأ إداري” كما جرى تقديمه لاحقًا، فالحادثة، على صغرها الزمني، أطلقت ضوءًا كاشفًا على توازنات عميقة داخل الدولة العراقية، وعلى حقيقة الصراع الجاري بين محوري الغربي والمقاومة:
محورٍ غربي يسعى إلى إعادة رسم القرار العراقي وفق مصالحه.
محورٍ مقاومٍ يتجذر في الوجدان العراقي بصفته ظهيرًا للمظلوم وداعمًا لمعركة الأمة ضد الاحتلال والهيمنة.
وبين هذين الخطين، انفجرت وثيقةٌ نُشرت في الوقائع العراقية، ثم سقطت خلال ساعات، لتكشف ما هو أخطر من مجرد “سوء تدقيق”.
أولاً: ما وراء القرار - الضغط باسم الامتثال
الواضح أن القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تواصل استخدام أدوات مالية وقانونية لدفع العراق إلى تبني تصنيفاتها الخاصة للجماعات المقاومة. فحزب الله — الذي يُعد لدى جمهوره العربي رمزًا لتحرير الأرض ومواجهة إسرائيل — مصنّف في واشنطن كمنظمة إرهابية. وكذلك الحال مع جماعة أنصار الله، التي تخوض في اليمن معركة وجود ضد تحالف دولي تقوده قوى كبرى.
عبر بوابة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تحاول واشنطن إدخال العراق في “نادي التصنيفات” الذي لا يرى في المقاومة سوى رقم في قوائم الإرهاب. وفي لحظة ضغط مالي على بغداد، يبدو أن أطرافًا داخلية حاولت تمرير ما لم يُمرَّر سياسيًا منذ سنوات.
ثانيًا: لماذا سقط القرار بهذه السرعة؟
سقط القرار لأنه لم يكن له مكان داخل الواقع العراقي، وحين تم نشره، كان واضحًا منذ اللحظة الأولى أنه يفتقر إلى قاعدة سياسية وشعبية تسمح له بالبقاء.
العراق لا يرى المقاومة عدوًا
العراقي الذي اكتوى بنار داعش، ويعرف من وقف إلى جانبه في اللحظات الصعبة، لا يمكن أن يتعامل مع حزب الله أو أنصار الله بمنطق الإرهاب، فالمقاومة هنا ليست “تنظيمات”، بل رموزٌ لخط أخلاقي وسيادي.
ضغط القوى الوطنية والمقاومة
سارعت القوى القريبة من محور المقاومة إلى إعلان رفضها، ليس من باب السياسة فقط بل من باب الهوية. فالعلاقات بين العراق وهذه القوى ليست علاقات عابرة، بل نتاج تاريخ طويل من الدعم المتبادل، خصوصًا في الحرب على الإرهاب.
الحكومة لا تستطيع دفع ثمن مواجهة المحور
الحكومة العراقية، مهما اختلفنا أو اتفقنا معها، تدرك أن التورط في خطوة كهذه يفتح بابًا من الأزمات الداخلية والإقليمية لا طاقة لها بها، ولذلك كان التراجع سريعًا، وحاسمًا، وحاضرًا قبل أن تتحول الحادثة إلى صدام أوسع.
ثالثًا: الدلالات - صراع مشاريع لا صراع وثيقة
الحادثة ليست قضية إدراج وحذف، بل إنها تعبير عن معركة أعمق داخل العراق:
مشروع يريد ربط القرار العراقي بالكامل بالغرب، ومعاييره، وضغوطه، ومصالحه.
ومشروع آخر ينتمي إلى محور المقاومة، يرى أن العراق يجب أن يكون مستقلاً، متوازنًا، ومتماهيًا مع قضايا الأمة لا مع إملاءات الخارج.
إسقاط القرار خلال ساعات كان إعلانًا واضحًا بأن المشروع الثاني ما يزال حاضرًا بقوة.
ليس لأنه الأكثر صخبًا، بل لأنه الأقرب إلى نبض الشارع، والأكثر انسجامًا مع تجارب العراقيين ومعاركهم المشتركة.
رابعًا: رمزية حزب الله والحوثيين في الوعي الشعبي
من المهم قراءة الجانب النفسي للحدث:
حزب الله لدى العراقيين ليس حزبًا سياسيًا خارج الحدود، بل قصة انتصار عربي نادرة.
أنصار الله يُنظر إليهم كقوة تقاتل ظلمًا عالميًا فُرض على اليمن.
استهداف هذه القوى ليس استهدافًا لكيانات خارجية، بل استهداف للرمزية التي شحنت الوعي العربي بفكرة المقاومة ذات الكرامة.
ومن هنا جاء الرفض العراقي ليس بوصفه موقفًا سياسيًا، بل موقفًا وجدانيًا.
خامسًا: ماذا بعد؟
التراجع السريع لا يعني أن الضغوط توقفت، بل يعني أن العراق ما زال ساحة صراع بين مشروعين، وأن أي محاولة لتمرير قرارات تمسّ محور المقاومة ستُواجَه بردٍ شعبي وسياسي يفرض التوازن.
كما أن الحادثة توجه رسالة واضحة:
"العراق، مهما اختلفت حكوماته، لا يمكن جره إلى مربع معاداة قوى المقاومة في المنطقة."
خلاصة:
ظهر قرار إدراج “حزب الله” و“أنصار الله” في قائمة تجميد الأموال داخل جريدة الوقائع العراقية، والجريدة الرسمية لا تنشر شيئًا بالصدفة، فالنشر فيها يعني دخول القرار حيّز التنفيذ قانونيًا. وبعد ساعات فقط، اختفى القرار من الموقع، وظهرت رواية “الخطأ الإداري”. لكن هذه الرواية لم تقنع أحدًا، لأن النشر يمر بسلسلة مراجعات ولا يمكن أن يحدث تلقائيًا.
تغريدة عباس العرداوي أكدت الحقيقة: حذف القرار من الإنترنت لا يلغي أثره القانوني، ولا يمكن الرجوع عنه إلا بقرار جديد يُنشر بالطريقة نفسها. وهذا يعني أن القرار ما زال قائمًا قانونيًا، رغم محاولة التراجع عنه إعلاميًا.
ببساطة، ما حدث لم يكن خطأً بل خطوة حقيقية جرى التراجع عنها تحت ضغط سياسي، وبقي أثرها القانوني قائمًا، يكشف حجم الحساسية التي يعيشها العراق بين مقتضيات القانون وحسابات السياسة.
"بقلم: سبطين الجبوري، خبير في الشؤون العراقية"
تعليقك