وكالة مهر للأنباء: يذكر موقع " theconversation" الإخباري والتحليلي في هذا التقرير، الذي كتبته "فرح جان"، عالمة السياسة وأستاذة في جامعة بنسلفانيا، أن: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صعّد تهديداته ضد إيران بشكل حاد في 28 يناير/كانون الثاني 2026 (الموافق 8 بهمن 1404)، مُدّعياً أنه إذا لم توافق طهران على مجموعة من مطالب واشنطن، فمن المحتمل أن يُنظّم (ترامب/أمريكا) هجوماً "سريعاً وعنيفاً". كما نقل البنتاغون حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، إلى جانب مدمرات وقاذفات وطائرات مقاتلة، إلى مواقع قريبة من إيران، بهدف التأكيد على هذا التهديد.
على رأس قائمة مطالب الحكومة الأمريكية المتعددة من إيران، يأتي الإنهاء الدائم لبرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني. كما طالبت واشنطن طهران بتقليص برنامجها للصواريخ الباليستية وإنهاء دعمها لما تسميه وكلاءها في الشرق الأوسط.
يبدو أن دونالد ترامب يرى في هذه المرحلة فرصةً لتكثيف الضغط على إيران، التي أضعفتها المشاكل الاقتصادية والاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد مطلع يناير/كانون الثاني.
ويضيف الكاتب: مع ذلك، وبصفتي باحثًا في سياسات الأمن في الشرق الأوسط وانتشار الأسلحة، لديّ مخاوف. في الواقع، قد يكون لأي عمل عسكري أمريكي الآن عواقب وخيمة غير مقصودة في المستقبل؛ من بين هذه العواقب احتمال تسريع انتشار الأسلحة النووية عالميًا.
إيران دولة "على عتبة إنتاج السلاح النووی
ويتابع الكاتب: يبدو انهيار الجمهورية الإسلامية، حتى لو استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية، أمرًا مستبعدًا. فإيران ليست دولة هشة معرضة للانهيار السريع. يبلغ عدد سكانها حوالي 93 مليون نسمة، وتتمتع بقدرة هائلة على الحكم، ولديها نظام متعدد المستويات من أدوات الردع والمؤسسات الأمنية المصممة للصمود في أوقات الأزمات. ويُقدّر قوام الحرس الثوري الإسلامي عادةً بمئات الآلاف من الأفراد، ولديه احتياطيات كبيرة أو قادر على حشدها.
بعد 47 عامًا من الحكم، أصبحت مؤسسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية راسخة بعمق في المجتمع الإيراني. علاوة على ذلك، من غير المرجح أن يؤدي أي تغيير في النظام السياسي الإيراني إلى "بداية من الصفر". في 28 يناير/كانون الثاني، صرّح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للمشرعين بأنه "لا توجد إجابات سهلة" بشأن عواقب انهيار محتمل للنظام. وفي هذا الغموض يكمن الخطر. إيران دولة "على عتبة الإنتاج"، أي أنها تمتلك القدرة التقنية على إنتاج أسلحة نووية، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الكامل. ويضيف الكاتب: إن عدم استقرار الدولة التي تمر بمرحلة انتقالية يشكل ثلاثة مخاطر رئيسية: فقدان السيطرة المركزية على المواد النووية والعلماء، وحافز الفصائل لبيع أو تصدير المعرفة التقنية، ومنطق التسرع في تحقيق الردع قبل الانهيار. وللتاريخ دروسه التحذيرية. فقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات إلى أحداث كادت أن تكون كارثية، وإلى مخاوف بشأن مصير المواد النووية المفقودة.
دروس لهجومٍ محتمل
إن أي عملٍ عسكري أمريكي ضد إيران، بغض النظر عما إذا كان سيؤدي إلى تغيير النظام السياسي القائم، ستكون له عواقب وخيمة على الانتشار النووي العالمي. كون إيران كدولة على"عتبة انتاج السلاح النووي" نتيجة خيارٍ استراتيجي قائم على ضبط النفس. ولكن عندما استهدفت إسرائيل والولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025 (خرداد 1404)، وجّه ذلك الهجوم، إلى جانب تهديدات ترامب الأخيرة، رسالةً واضحة مفادها أن موقف "العتبة" لا يُؤمّن أمنًا موثوقًا.
الرسالة واضحة للدول الأخرى الساعية إلى امتلاك الطاقة النووية، وهي تستند إلى سلسلة من الدروس القاسية المستفادة على مدى العقود الثلاثة الماضية في مجال منع الانتشار النووي. تخلّت ليبيا عن برنامجها النووي عام 2003 لتطبيع العلاقات مع الغرب؛ ومع ذلك، وبعد ثماني سنوات فقط، أدّت غارات الناتو الجوية لدعم الثوار إلى القبض على معمر القذافي ومقتله.
تخلّت أوكرانيا أيضاً عن ترسانتها النووية عام ١٩٩٤ مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ولكن بعد عشرين عاماً، في عام ٢٠١٤، ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم وشنت عملية عسكرية خاصة هناك في فبراير ٢٠٢٢.
والآن، يمكننا إضافة إيران إلى هذه القائمة؛ دولة مارست مستوىً من ضبط النفس، ومع ذلك استُهدفت بقصف أمريكي عام ٢٠٢٥، وتواجه الآن احتمال هجوم آخر.
لم يغب هذا الدرس عن ذهن كبير مستشاري إيران، مهدي محمدي، الذي صرّح على التلفزيون الرسمي في ٢٧ يناير قائلاً: "مطالب واشنطن هي نزع سلاحكم حتى نتمكن من مهاجمتكم متى شئنا".
إذا كان التخلي عن البرنامج النووي يؤدي إلى تغيير النظام السياسي، وتسليم الأسلحة يؤدي إلى العدوان، والبقاء في حالة "الخطر" يؤدي إلى هجوم عسكري، فبحسب هذا المنطق، لا يمكن تحقيق الأمن الحقيقي إلا من خلال امتلاك الأسلحة النووية، وليس من خلال مفاوضات للتخلي عنها أو وقف تطويرها قبل اكتمالها. إذا استطاع النظام في إيران الصمود أمام أي هجوم أمريكي، فأعتقد أنه سيواصل برنامجه النووي بكثافة أكبر.
مصداقية الوكالة الدولية للطاقة الذرية
علاوة على ذلك، فإن التهديد الأمريكي أو العمل العسكري لتدمير البرنامج النووي لأي دولة من شأنه أن يقوض البنية الدولية لمنع الانتشار النووي. وحتى الهجمات الإسرائيلية والأمريكية السابقة على إيران، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعمل وفقًا لمهمتها المتمثلة في الكشف والإبلاغ والتحقق. وقد أثبت رصدها لإيران فعالية نظام التفتيش.
لكن الهجمات العسكرية، أو حتى التهديد الجدي بها، ستؤدي إلى انسحاب المفتشين، وتعطيل استمرارية الرصد، وإرسال رسالة مفادها أن الالتزام بالقواعد لا يضمن الأمن. بعبارة أخرى، إذا كان الالتزام بالقواعد لا يوفر الحصانة، فلماذا ينبغي اتباعها؟ إن ما هو على المحك هو مصداقية الوكالة والثقة في منظومة الدبلوماسية والرصد الدوليين برمتها لاحتواء المخاوف النووية.
تأثير الدومينو
تراقب جميع الدول التي تدرس خياراتها النووية عن كثب تطورات هذه المواجهة الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران. لم تُخفِ السعودية، الخصم الإقليمي لإيران، طموحاتها النووية؛ فقد صرّح ولي عهدها، محمد بن سلمان، علنًا بأنه إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا، فإن السعودية ستحذو حذوها.
ومع ذلك، فإن أي هجوم أمريكي محتمل على إيران لن يُطمئن بالضرورة حلفاء واشنطن في الخليج الفارسي، بل قد يزيد من قلقهم. كانت الضربات الأمريكية على إيران في يونيو/حزيران 2025 تهدف إلى حماية إسرائيل، لا السعودية ولا حتى إيران نفسها. قد يستنتج قادة الخليج الفارسي أن العمل العسكري الأمريكي سيقتصر على شركاء مُختارين ولن يشمل بالضرورة جميع الحلفاء. وإذا كان الدعم الأمريكي انتقائيًا وليس شاملًا، فقد يكون الرد المنطقي هو التوجه نحو ضمانات ودروع مستقلة.
فعلى سبيل المثال، يُشكّل تعميق التعاون الدفاعي السعودي مع باكستان النووية حاجزًا ضد عدم القدرة على التنبؤ بالتصرفات الأمريكية وعدم الاستقرار الإقليمي. استثمرت السعودية بكثافة في القدرات العسكرية الباكستانية، ويعتقد العديد من المحللين بوجود تفاهمات بشأن الترسانة النووية الباكستانية.
في الوقت نفسه، أعربت تركيا عن استيائها من الترتيبات النووية لحلف الناتو، وأبدت بين الحين والآخر اهتمامًا بامتلاك قدرات نووية مستقلة. ففي عام ٢٠١٩، تساءل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: لماذا لا تمتلك تركيا أسلحة نووية بينما يمتلكها آخرون في المنطقة؟ إن أي هجوم على إيران، لا سيما إذا عارضته تركيا، قد يُسرّع من جهود أنقرة الاستباقية وبناء دروعها النووية، بل وقد يؤدي إلى برنامج أسلحة محلي جاد.
ومن غير المرجح أن تقتصر هذه الموجة من النزعات النووية على الشرق الأوسط. فقد حافظت كوريا الجنوبية واليابان على عدم امتلاكهما أسلحة نووية، ويعود ذلك في الغالب إلى ثقتهما في قدرة الولايات المتحدة على الردع الشامل والمظلة النووية. إن الانتشار الإقليمي للأسلحة النووية، وخطر نقل المعرفة والعلماء والتكنولوجيا من إيران غير المستقرة، قد يثير تساؤلات في سيول وطوكيو حول مدى مصداقية الضمانات الأمريكية!
هل يلوح في الأفق نظام مضاد؟
تُدرك الأنظمة الملكية العربية هذه المخاطر تمامًا، وهو ما يُفسر جزئيًا سبب ضغطها على إدارة ترامب للامتناع عن أي عمل عسكري ضد إيران.
إن البنية الأمنية الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة مُعرّضة للخطر بالفعل، وستزداد هشاشةً إذا ما نوّع شركاء واشنطن فی اللخليج الفارسي علاقاتهم الأمنية واتخذوا تدابير احترازية ضد أي تقلبات أمريكية.
لذا، فإن تهديدات إدارة ترامب وهجماتها المُحتملة ضد إيران قد لا تُؤدي إلى زيادة النفوذ الأمريكي، بل إلى تراجعه وأهميته، في ظل انقسام المنطقة إلى مناطق نفوذ مُتنافسة. ولعلّ الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الوضع الراهن سيُعلّم جميع الدول الطامحة لامتلاك السلاح النووي أن الأمن لا يُمكن تحقيقه إلا من خلال "امتلاك القنبلة".
/انتهى/
تعليقك