٠٧‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ١٠:١٠ م

لماذا كانت الحرب مع إيران أغبى خيار في هذا القرن؟

لماذا كانت الحرب مع إيران أغبى خيار في هذا القرن؟

إذا ما قيّمنا الحروب بمعايير العقلانية الاستراتيجية، والموازنة بين التكاليف والفوائد، وتقييم العواقب، فإن العدوان الأخير من جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران يتصدر بلا شك قائمة أكثر القرارات العسكرية غير العقلانية في القرن الحادي والعشرين.

وكالة مهر للأنباء: إذا ما قيّمنا الحروب بمعايير العقلانية الاستراتيجية، والموازنة بين التكاليف والفوائد، وتقييم العواقب، فإن العدوان الأخير من جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران يتصدر بلا شك قائمة أكثر القرارات العسكرية غير العقلانية في القرن الحادي والعشرين؛ حربٌ بدت منذ بدايتها وكأنها تنمّ عن خطأ فادح في التقدير، واليوم، مع مرور الوقت، باتت أبعاد هذا الخطأ أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

إن العنصر الأول والأهم في تحليل هذه الحرب هو تجاهل الحقائق الأساسية لإيران. يبدو أن مخططي هذه العملية ما زالوا يتخذون قراراتهم ضمن إطار نماذج قديمة؛ نماذج تُجبر دولةً ما على التراجع في وقت قصير عن طريق الضغط العسكري. هذا في حين أن إيران ليست دولة هشة، بل هي فاعل راسخ ذو عمق استراتيجي، وبنية تحتية محلية، وخبرة تمتد لعقود في مقاومة الضغوط الخارجية. إن مقارنة إيران بأمثلة مثل العراق أو أفغانستان خطأٌ كلّف الولايات المتحدة ثمناً باهظاً، وتكراره يدل على عجزها عن التعلم من الماضي.

إضافةً إلى هذا الخطأ الإدراكي، لا بد من الإشارة إلى مسألة سوء تقدير العواقب الإقليمية والدولية. فمن الطبيعي ألا يقتصر أي صراع مع إيران على حدودها الجغرافية. فمنطقة غرب آسيا، نظراً لتشابك المصالح والجهات الفاعلة وخطوط الطاقة، شديدة التأثر بتداعيات الأزمات. ولهذا السبب، فإن أي عمل عسكري ضد إيران لن يؤثر على أمن المنطقة فحسب، بل سيؤثر أيضاً على استقرار أسواق الطاقة العالمية، وخطوط الشحن، وحتى الاقتصاد الدولي. وما نشهده اليوم من تزايد المخاوف بشأن أمن الطاقة وتقلبات السوق ليس إلا جزءاً من العواقب نفسها التي كانت متوقعة منذ البداية، ولكن تم تجاهلها لأسباب مختلفة.

ومن النقاط المهمة الأخرى الاعتماد المفرط على التفوق العسكري كوسيلة لحل المشكلة. لقد أظهرت تجربة العقدين الماضيين بوضوح أن التفوق العسكري، رغم أنه قد يمنح أحد الأطراف اليد العليا في المراحل الأولى، لا يضمن النصر على المدى البعيد. فالحروب الحديثة، لا سيما في منطقة مثل غرب آسيا، هي مزيج من عناصر عسكرية وسياسية واجتماعية ونفسية. وفي مثل هذه البيئة، يمكن لجهات فاعلة ذات قدرات غير متكافئة وشبكات إقليمية ودعم شعبي أن تُغير موازين القوى بشكل خطير. وقد أظهرت إيران خلال السنوات الماضية أنها تُدرك هذه القواعد جيدًا، وتمكنت من بناء قوتها الردعية استنادًا إليها. من جهة أخرى، يُعدّ أحد الأبعاد الأقل شهرة، ولكنه حاسم للغاية، لهذه الحرب هو أزمة القيادة وصنع القرار لدى الطرف الآخر. فعندما تتأثر القرارات الأمنية الكبرى باعتبارات سياسية قصيرة الأجل، أو تنافسات داخلية، أو حتى سمات شخصية للقادة، بدلًا من التحليل الدقيق والحسابات متعددة المستويات، فإن النتيجة ليست سوى زيادة المخاطر وعدم الاستقرار. في مثل هذه الظروف، لا تُستخدم الحرب كملاذ أخير، بل كوسيلة للهروب من أزمات أخرى؛ وهو نهج أدى مرارًا وتكرارًا إلى نتائج كارثية في التاريخ الحديث.

لكن ربما يكون الخطأ الأكبر في هذه الحرب هو تجاهل عنصر الإرادة الوطنية في إيران. فقد أثبتت التجربة التاريخية أن المجتمع الإيراني، في ظل التهديدات الخارجية، يميل بطبيعته إلى التماسك والتضامن. ولا يقتصر دور هذا التماسك على تعزيز القدرات الدفاعية للبلاد، بل يشكل أيضاً رادعاً هاماً. إن الاعتقاد بأن الضغط العسكري قادر على إحداث انقسامات داخلية أو إضعاف إرادة الأمة هو أحد الأخطاء التي تكررت مراراً في الحسابات الخارجية، وكانت النتيجة في كل مرة عكسية.

على الصعيد الاستراتيجي، تُعد هذه الحرب، قبل كل شيء، انعكاساً لأزمة أعمق في السياسة الخارجية الأمريكية؛ أزمة يمكن وصفها بمصطلح "تآكل النفوذ". فالانخراط في صراعات مكلفة وغير هادفة لا يستنزف الموارد الاقتصادية والعسكرية فحسب، بل يُضعف المصداقية الدولية تدريجياً. في مثل هذه الظروف، يشكك الحلفاء في موثوقية هذه القوة، ويرى المنافسون فرصة لتعزيز نفوذهم. بعبارة أخرى، تتحول الحرب التي كان من المفترض أن تُظهر قوة إلى عامل يُضعفها.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ردود فعل الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية. فقد أعربت دول عديدة، حتى تلك المتحالفة تقليديًا مع الولايات المتحدة، عن قلقها إزاء عواقب هذه الحرب. ولا تنبع هذه المخاوف من اعتبارات سياسية فحسب، بل من إدراك واقعي لتكاليف هذا الصراع. فأمن الطاقة، واستقرار الأسواق، ومستقبل النظام الإقليمي، كلها مهددة؛ وهو وضع لن يستفيد منه أي من الأطراف الرئيسية.

في نهاية المطاف، ما يجعل هذه الحرب جديرة بلقب "أغبى حرب في القرن الحادي والعشرين" ليس فقط شدة الصراع أو نطاق عواقبه، بل أيضًا التناقض الصارخ بين أهدافها المعلنة ونتائجها الفعلية. فحرب كان من المفترض أن تكون رادعًا زادت من انعدام الأمن؛ وعمل كان من المفترض أن يُرسّخ مكانة قوة ما، أضعفها؛ وقرار كان من المفترض أن يكون سريعًا وغير مكلف، تحوّل إلى أزمة مكلفة ومُنهكة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن هذه الحرب، أكثر من كونها حدثًا عسكريًا بحتًا، هي رمز لخطأ استراتيجي فادح. خطأٌ متجذرٌ في مزيجٍ من الغرور، وتجاهل الواقع، وضعف اتخاذ القرارات. إن الاستمرار على هذا النهج لا يُقدّم رؤيةً واضحةً للأطراف المُبادرة فحسب، بل قد يُؤدي أيضًا إلى تغييراتٍ جوهريةٍ في موازين القوى الإقليمية، بل والعالمية.

في مثل هذه الظروف، يصبح من الأهمية بمكان العودة إلى العقلانية وفهم الحقائق الجديدة؛ إذ تُظهر هذه الحقائق أن عصر الحروب السريعة والرخيصة قد ولّى، وأن أي مغامرةٍ عسكريةٍ قد تُفضي إلى عواقبَ تتجاوز بكثير ما كان مُتصوّرًا في البداية. وطالما لم تُؤخذ هذه الحقائق في الحسبان عند إجراء الحسابات الاستراتيجية، فسيبقى خطر تكرار هذه الأخطاء قائمًا؛ أخطاءٌ ستكون تكلفتها باهظةً ليس على دولةٍ واحدةٍ فحسب، بل على المنطقة بأسرها، بل والعالم أجمع.

رمز الخبر 1969800

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha