٠٨‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ٨:٣٤ م

من الميدان إلى طاولة المفاوضات: إيران تُغيّر قواعد اللعبة

من الميدان إلى طاولة المفاوضات: إيران تُغيّر قواعد اللعبة

يُشير اعتراف العديد من وسائل الإعلام والشخصيات الدولية بوقف إطلاق النار هذا إلى أن النظام الجديد في المنطقة سيكون محوره إيران، إذا سار توقف الصراع على النحو الصحيح، فسنشهد تشكّل نظام يُعرَف فيه الاستقرار لا على أساس التفوق الأحادي، بل على أساس التوازن والمسؤولية المتبادلة، وهو نظام يُعتبر ضرورة استر

وكالة مهر للأنباء - بعد أسابيع من صراعٍ حادٍّ ومُكلف في المنطقة، يُعدّ قبول الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، استنادًا إلى الشروط التي حددتها إيران، تطورًا لا يُمكن اعتباره مجرد اتفاق مؤقت. بل هو في الواقع مؤشر على تحوّلٍ جوهري في موازين القوى؛ تحوّلٌ يُبيّن كيف يُمكن للمعادلات على أرض الواقع أن تُجبر الطرف الآخر على قبول حقائق جديدة.

ما يُميّز وقف إطلاق النار هذا عن غيره من الأمثلة هو طبيعته. ففي كثير من الحالات، يكون وقف إطلاق النار نتيجةً لضغوط دولية أو إرهاق مُتبادل بين الأطراف؛ أما في هذه الحالة، فقد تمّ وضع إطار وقف إطلاق النار على أساس شروطٍ حدّدتها إيران. تحمل هذه المسألة رسالةً واضحةً للمراقبين الإقليميين: فالطرف القادر على فرض إرادته على أرض الواقع سيكون قادرًا أيضًا على وضع قواعد الحوار.

لا يُعدّ هذا التطور إنجازًا عسكريًا فحسب، بل هو انعكاسٌ لمجموعة من العوامل المختلفة؛ بما في ذلك الردع، وإدارة ساحة المعركة، والاستخدام المُحكم للوقت لنقل الضغط من الميدان إلى طاولة المفاوضات. يُظهر هذا التوجه كيف يمكن للقوة العسكرية، إذا ما استُخدمت بحكمة، أن تتحول إلى إنجاز سياسي.

ومع ذلك، تكمن أهمية وقف إطلاق النار هذا في كونه يُنظر إليه على أنه "بداية" لا "نهاية". فقد أتاح فرصةً للتحرك نحو إطار سياسي أوسع، قادر على منع تكرار دوامات الصراع المكلفة. في الواقع، تكمن القيمة الحقيقية لهذا التطور فيما سيأتي بعده.

في غضون ذلك، يبرز سؤال جوهري للرأي العام في المنطقة: هل يُمكن لوقف إطلاق النار هذا أن يُفضي إلى اتفاق شامل ودائم؟ تعتمد الإجابة على هذا السؤال إلى حد كبير على كيفية معالجة مسألة "المسؤولية عن العدوان". في أي معادلة تسعى إلى تحقيق الاستقرار، لا يُمكن تجاهل حقيقة أن العمليات العسكرية غير المكلفة ستؤدي حتمًا إلى تكرارها.

لذا، يتطلب ترسيخ وقف إطلاق النار هذا أن تقبل الأطراف المُبادرة بالصراع عواقب أفعالها، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا على المستويين السياسي والقانوني. وهذا لا يُسهم فقط في خلق الردع، بل يُمكن أن يُفضي أيضًا إلى صياغة إطار جديد للمسؤولية في المنطقة.

في هذا السياق، يمكننا الحديث عن مفهومٍ برز بشكلٍ ملحوظ في الأدبيات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة: "السلطة". لا تعني السلطة هنا القدرة على فرض الإرادة عبر الحرب، بل القدرة على تحويل الإنجازات الميدانية إلى نتائج سياسية مستدامة. فالفاعل القادر على اتباع هذا النهج سيصبح عاملاً حاسماً في تشكيل النظام الإقليمي.

تشير التطورات الأخيرة إلى أن المنطقة تدخل مرحلةً جديدة؛ مرحلةً يُعاد فيها تعريف القواعد التقليدية، ويُجبر فيها الفاعلون على التكيف مع واقعٍ جديد. في مثل هذه البيئة، سيكون لأي اتفاقٍ يُبنى على أساس التوازن الحقيقي والمسؤولية المتبادلة فرصةٌ أكبر للاستمرار.

في الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن الطريق أمامنا لا يخلو من التحديات. فقد أظهرت التجارب السابقة أن المراحل التي تلي وقف إطلاق النار غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من النزاع نفسه. في هذه المرحلة، ينتقل التنافس من ساحة المعركة إلى الساحات السياسية والإعلامية والقانونية. لذا، فإن كيفية إدارة هذه المرحلة ستحدد المصير النهائي للاتفاق.

مع ذلك، الأهم الآن هو إدراك أن المنطقة تقف عند مفترق طرق. إن وقف إطلاق النار الحالي، إذا أُدير بشكل صحيح، يُمكن أن يمهد الطريق لخفض التوترات والتحرك نحو استقرار نسبي. ولكن إذا فُوت هذه الفرصة، فسيظل احتمال العودة إلى دوامة الصراع قائمًا.

وأخيرًا، يُمكن القول إن ما حدث اليوم ليس مجرد توقف مؤقت للصراع، بل هو مؤشر على تشكّل واقع جديد في المنطقة؛ واقع يلعب فيه ميزان القوى دورًا حاسمًا في صياغة النتائج السياسية. في ظل هذه الظروف، لن يعتمد المسار المستقبلي على قرارات الأطراف فحسب، بل على فهمها لهذه الحقائق الجديدة أيضًا.

إذا سار هذا المسار على النحو الصحيح، فسنشهد تشكّل نظام يُعرَّف فيه الاستقرار لا على أساس التفوق الأحادي، بل على أساس التوازن والمسؤولية المتبادلة، وهو نظام يُعتبر ضرورة استراتيجية للعديد من دول المنطقة.

ويُشير اعتراف العديد من وسائل الإعلام والشخصيات الدولية بوقف إطلاق النار هذا إلى أن النظام الجديد في المنطقة سيكون محوره إيران. وصف روبرت بيب، الأستاذ البارز في جامعة شيكاغو، قبول ترامب لخطة النقاط العشر المتعلقة بإيران بأنه "فشل استراتيجي ذريع" للولايات المتحدة، واصفًا إياه بأنه أكبر فشل استراتيجي لواشنطن منذ حرب فيتنام. ووصف إيران بأنها رابع أقوى قوة عظمى في العالم. وكتب تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي ومؤسس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي: "أدت حرب ترامب الفاشلة إلى تآكل قوة التهديدات العسكرية الأمريكية في الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية.

لا تزال الولايات المتحدة قادرة على التهديد، لكن الجميع يعلم أن هذه التهديدات لم تعد ذات تأثير يُذكر. باختصار، لقد جُرِّبت الحرب مع إيران وفشلت".

رمز الخبر 1969833

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha