١١‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ١١:١٨ ص

رسالة إلى جيران الخليج الفارسي الجنوبيين: لحظة الاختيار بين الواقع والوهم

رسالة إلى جيران الخليج الفارسي الجنوبيين: لحظة الاختيار بين الواقع والوهم

بعد أربعين يومًا من المواجهة المباشرة التي بدأت بالعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، ثم أفضت إلى هدنة مؤقتة لمدة خمسة عشر يومًا بوساطة باكستانية، تُعدّ رسالة قائد الثورة الإسلامية إلى الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي الجنوبي من أهمّ المواقف الاستراتيجية وأكثرها دلالة في المرحلة الراهنة.

وكالة مهر للأنباء: بعد أربعين يومًا من المواجهة المباشرة التي بدأت بالعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، ثم أفضت إلى هدنة مؤقتة لمدة خمسة عشر يومًا بوساطة باكستانية، تُعدّ رسالة قائد الثورة الإسلامية إلى الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي الجنوبي من أهمّ المواقف الاستراتيجية وأكثرها دلالة في المرحلة الراهنة من المنطقة؛ رسالة تتجاوز مجرد ردّ فعل سياسي، حاملةً معها خطة جديدة لإعادة صياغة المعادلات الأمنية في غرب آسيا.

بعد هذه الهدنة، وجّه آية الله السيد مجتبى حسيني خامنئي، قائد الثورة الإسلامية ، رسالةً إلى الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي الجنوبي، مؤكدًا: في هذه المناسبة، أقول لجيران إيران الجنوبيين إنكم تشهدون معجزة. فانظروا جيدًا، وافهموا جيدًا، وكونوا في المكان الصحيح، واحذروا وعود الشياطين الكاذبة. ما زلنا ننتظر منكم ردًّا مناسبًا لنُظهر لكم أخوتنا وحسن نيتنا. لن يتحقق هذا إلا إذا نددتُم بالقوى المتعجرفة التي لن تفوّت أي فرصة لإذلالكم واستغلالكم.

هذه الرسالة ليست موجهة للحكومات فحسب، بل تشير إلى واقعٍ بدا بالظهور في المنطقة؛ واقعٌ تحدّى بشكلٍ جديّ العديد من الافتراضات السابقة حول توازن القوى، ومفهوم الأمن، ودور الفاعلين العابرين للأقاليم. إن التأكيد على أنكم "تشهدون معجزة" هو إشارة دقيقة إلى تحوّلٍ موضوعي على أرض الواقع؛ تحوّلٌ أظهر أن المعادلات الراسخة في الماضي لم تعد فعّالة كما كانت.

الانهيار التدريجي لوهم الأمن المستورد

ما حدث خلال هذه الأربعين يومًا لم يكن مجرد صراع عسكري محدود، بل كان بمثابة اختبار عملي لقياس فعالية نماذج الأمن السائدة في المنطقة. على مدى العقود الماضية، عرّفت بعض الدول العربية أمنها بناءً على اعتمادٍ واسع النطاق على القوى العابرة للأقاليم، ولا سيما الولايات المتحدة؛ فكرة أن الوجود العسكري والدعم السياسي للغرب كفيلان بضمان الاستقرار والردع.

لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذا النموذج يعاني من ثغراتٍ خطيرة. في اللحظات الحاسمة، لم يبرز دعم حاسم وغير مشروط، بل دعم انتقائي ومشروط؛ دعمٌ يُحدد في إطار المصالح الكبرى للقوى الأجنبية، بدلاً من أن يخدم الأمن المستدام لهذه الدول.

في غضون ذلك، لا تعني "المعجزة" المشار إليها مجرد صمود إيران في وجه الضغوط المتزامنة، بل انهيار الصورة التي ترسخت لسنوات في أذهان دول المنطقة عن التفوق المطلق والحاسم للقوى الغربية. قد يُشكل هذا التطور نقطة تحول لإعادة النظر في الحسابات الاستراتيجية للدول العربية.

ضرورة التخلي عن السياسات المزدوجة

يُعدّ جزءٌ هامٌ من الرسالة دعوةً صريحةً لجيرانها الجنوبيين إلى "الوقوف في الجانب الصحيح"، وهي عبارةٌ تُشير بوضوحٍ إلى نهاية عهد السياسة في المنطقة الرمادية. لقد أظهرت تجربة هذه الأزمة أن محاولة الحفاظ على توازنٍ بين التعاون مع الجهات الخارجية وتجنّب المواجهة المباشرة مع إيران أصبحت في الواقع سياسةً مُكلفةً وغير مُستدامة.

لعبت بعض الدول، خلال هذا الصراع، دورًا فعليًا في مشاريع مُعادية لإيران من خلال توفير البنية التحتية أو المجال الجوي أو الدعم اللوجستي؛ وهو عملٌ لم يُحسّن أمنها فحسب، بل عرّضها أيضًا للعواقب المباشرة للتوتر.

من هذا المنظور، تتضمن رسالة إيران خيارًا واضحًا: إما الاستمرار في المسار السابق القائم على التبعية ولعب الأدوار في إطار المشاريع الخارجية، أو التحرّك نحو لعب دورٍ مُستقلٍ في صياغة النظام الأمني الإقليمي.

بطلان الوعود الغربية

يُعدّ التحذير من "الوعود الكاذبة للشياطين" موضوعًا رئيسيًا آخر في هذه الرسالة، وهو تحذيرٌ مُتجذّرٌ في التجربة التاريخية لدول المنطقة. على مدى العقود الماضية، لوحظ مرارًا وتكرارًا أن القوى الغربية إما تراجعت عن التزاماتها في منعطفات حاسمة أو ضحّت بمصالح حلفائها الإقليميين في سياق اتفاقيات أوسع.

هذا الواقع بات أكثر وضوحًا اليوم من أي وقت مضى. إن نظامًا أمنيًا مبنيًا على مثل هذه الوعود ليس فقط غير قابل للاستمرار، بل قد يتحول أيضًا إلى أداة للضغط، بل وحتى للإذلال. لذا، ينبغي النظر إلى رسالة إيران كدعوة لمراجعة التجارب السابقة وتجنب تكرار الأخطاء الاستراتيجية.

فتح آفاق لإعادة بناء العلاقات الإقليمية

إلى جانب نبرة التحذير، تحمل هذه الرسالة أيضًا اقتراحًا هامًا: إمكانية إعادة بناء العلاقات على أساس "الأخوة وحسن النية". يُظهر هذا الجزء من الرسالة أن إيران، رغم كل التوترات، لا تزال تنظر إلى الانخراط الإقليمي كخيار جاد.

بالطبع، هذا الانخراط مشروط بتغيير حقيقي في السلوك. إن الابتعاد عن المشاريع العدائية والتوجه نحو التعاون القائم على المصالح المشتركة شرط أساسي لتشكيل مثل هذا النظام. إذا تحقق هذا التغيير، يُمكننا أن نأمل في تشكيل نموذج جديد للعلاقات الإقليمية. نموذجٌ يُوفّر فيه الأمن لا من الخارج، بل من داخل المنطقة.

مضيق هرمز: إشارة استراتيجية حاسمة

يُعدّ الإشارة إلى دخول "إدارة مضيق هرمز مرحلة جديدة" من أهمّ جوانب هذه الرسالة. فمضيق هرمز، بوصفه أحد أهمّ ممرات الطاقة في العالم، لطالما لعب دورًا محوريًا في المعادلات الجيوسياسية.

أيّ تغيير في طريقة إدارة هذا المضيق قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة، وتؤثّر على أسواق الطاقة العالمية. إنّ طرح هذه القضية في هذا المنعطف يُشير إلى استعداد إيران لاستخدام أدواتها الاستراتيجية في سياق جديد إذا استمرّت الضغوط.

لحظة فارقة لمستقبل المنطقة

ما يُميّز هذه الرسالة الأخيرة هو تزامنها مع فترة انتقالية في المنطقة والعالم. فالنظام الدولي يتغيّر، ومنطقة غرب آسيا في قلب هذه التطورات.

رمز الخبر 1969890

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha