وكالة مهر للأنباء: نجيبة محمد مطهر – مستشار مكتب رئاسة الجمهورية في اليمن: ما يؤلمنا اليوم ليس فقط مشهد العدوان الإسرائيلي وما يخلّفه من دمار وأرواح تُزهق في لبنان، بل ذلك التوقيت القاسي الذي تُطرح فيه قضايا حساسة تمسّ وجدان الناس وكرامتهم. في لحظات يُفترض أن تتوحّد فيها الصفوف، نجد أنفسنا أمام محاولات لفرض أجندات سياسية مشبوهة، سواء عبر قرارات داخلية مستفزة أو عبر "مصائد" تفاوضية دولية.
إن المجازر التي ارتكبتها الطائرات الإسرائيلية في لبنان مؤخراً، والتي أدت إلى استشهاد 360 شخصاً وإصابة نحو ألفين، هي أبرز دليل على حالة اليأس والإحباط التي يعيشها نتنياهو وحكومته. هذا التصعيد ليس إلا نتيجة للفشل في تحقيق أي من أهداف العدوان؛ فها هي الصواريخ "الفرط صوتية" تدمر أجزاءً من تل أبيب الكبرى، وتحول حيفا إلى كتلة لهب، بينما يزداد محور المقاومة صلابة، ويستعيد "حزب الله" مكانته السياسية والعسكرية بكل قوة.
وسط هذا الغبار، يبرز مشروع عن أولويات النظام اللبناني الذي يهرول نحو اتفاقات توصف بالخيانة العظمى، ويسعى لنزع سلاح المقاومة بالتنسيق مع أطراف خارجية. إن من يحفر قبره بيده في هذا التوقيت يتناسى دروس التاريخ؛ فلبنان ليس ساحة مستسلمة، وما حدث لبشير الجميل وأنور السادات يؤكد أن القفز فوق كرامة الشعوب هو مسألة وقت لا غير.
لم تكن مفاوضات "إسلام آباد" بالنسبة للقيادة الإيرانية مجرد جولة دبلوماسية عابرة، بل هي فصل جديد من فصول الصراع الاستراتيجي. إن مسارعة وكالة "تسنيم" لنفي طول أمد المفاوضات تؤكد أن طهران لم تذهب لتفاوضٍ تقليدي، بل لتقديم "دروس" في الندّية السياسية، وإيصال رسالة حازمة بأن الميدان هو من يكتب بنود الاتفاق لا التهديدات الجوفاء.
الاستراتيجية الإيرانية: لا خديعة للمرة الثالثة
تعتمد طهران اليوم استراتيجية "الوعي بالمصيدة"؛ فالقيادة الإيرانية تدرك تماماً أن الهدف الأمريكي هو "سرقة الصمود" وتحويل النصر الميداني إلى تنازلات سياسية لإنقاذ دونالد ترامب من عزلته الدولية، وتخفيف الضغط عن بنيامين نتنياهو.
الدرس الإيراني الأول هنا هو رفض "الخديعة الثالثة"؛ لذا جاء الوفد برئاسة محمد باقر قاليباف حاملاً تعليمات صارمة من القائد السيد مجتبى خامنئي: "إما القبول بشروطنا السيادية أو قلب الطاولة". هذا التوجه يفسر احتمالية رحيل الوفد المفاجئ وعودته لطهران، فإيران اليوم لا تخشى "المهل الزمنية" ولا ترهبها نبرة ترامب التي تراجعت خلفيتها من "أبواب الجحيم" إلى محاولات استرضاء خجولة.
الاستراتيجية الإيرانية لم تكن لتنجح لولا "الدروس" القاسية التي قدمتها الدفاعات الجوية والصواريخ الإيرانية. لقد انهزمت التكنولوجيا الأمريكية أمام الإرادة الميدانية، والأرقام تتحدث عن نفسها:
• سقوط الأسطورة عند خسارة أكثر من 20 طائرة بأجنحة ثابتة، بما فيها "F-35" الشبحية و"F-15" المحدثة.
• إسقاط 24 طائرة مسيّرة من نوع "MQ-9" (سعر الواحدة 35 مليون دولار) بصاروخ إيراني لا تتجاوز تكلفته 5 آلاف دولار.
هذه هي الاستراتيجية التي غيرت موازين القوى؛ تحويل التفوق التكنولوجي المكلف للعدو إلى عبء مالي وعسكري، مما أجبر واشنطن على الجلوس للتفاوض بحثاً عن مخرج لا عن انتصار.
كما أدركت إيران أن ترؤس "جي دي فانس" للوفد الأمريكي هو مجرد واجهة، بينما "المحرك الحقيقي" هم جواسيس نتنياهو (كوشنر وويتكوف). الاستراتيجية الإيرانية هنا هي "كشف الأقنعة"؛ فالتفاوض مع واشنطن في ظل وجود هؤلاء يعني التفاوض مع تل أبيب مباشرة، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً، متمسكةً بـ:
1. حق التخصيب المطلق والاحتفاظ بالمخزون.
2. حماية الصواريخ والمسيّرات كخطوط حمراء غير قابلة للنقاش.
3. سيادة مضيق هرمز واعتبار دعم المقاومة واجباً لا تفاوض عليه.
دروس من لبنان إلى طهران:
بينما تحاول أمريكا المناورة في إسلام آباد، يحاول العدو الإسرائيلي تعويض فشله بارتكاب المجازر في لبنان. استشهاد 360 لبنانياً وإصابة الآلاف هو دليل "اليأس" لا القوة. الدرس المستفاد هنا هو أن "الكلمة موقف"؛ فالدماء التي لم تجف في ضاحية بيروت والجنوب هي ذاتها التي تمنح المفاوض الإيراني القوة في باكستان.
إن أي حديث عن "نزع سلاح" أو "استسلام" في هذا التوقيت هو انفصال كامل عن الواقع. لبنان اليوم، كإيران، لا يحتاج لخطابات تفتح جراحاً جديدة، بل لخطاب يجمع ويعزز الصمود.لذلك لا منطقة وسطى
إن المسؤولية التاريخية اليوم واضحة؛ فإما الوقوف مع كرامة الشعوب وصمودها، أو السقوط في فخ الحسابات الضيقة. إيران قدمت استراتيجيتها بوضوح: "نحن نملك الوقت والميدان"، وعلى المعتدي أن يختار بين الاعتراف بالهزيمة أو مواجهة استنزاف طويل الأمد لا يقوى عليه.
إن الهدف الرئيسي من هذه المفاوضات من المنظور الأمريكي هو محاولة "سرقة" الصمود الإيراني، وإنقاذ دونالد ترامب من عزلته الداخلية والدولية، ومن خلفه بنيامين نتنياهو الذي يواجه مأزقاً وجودياً.
القيادة الإيرانية، التي باتت تدرك تفاصيل هذه "المصيدة"، ترفض التعرض للخديعة للمرة الثالثة. لذا، لا نستبعد أن يقلب الوفد الإيراني الطاولة على الوسيط والطرف الأمريكي معاً، ويغادر مطار إسلام آباد عائداً إلى طهران في حال استمرار الشروط الأمريكية العقيمة. فرغم خفوت لهجة تهديدات ترامب واختفاء مصطلحات "أبواب الجحيم" المثيرة للسخرية، إلا أن الجوهر الأمريكي لم يتغير.
والحقيقة الميدانية تؤكد أن واشنطن هي التي تبحث عن مخرج بعد هزيمتها العسكرية؛ حيث خسرت أكثر من 20 طائرة حربية، بينها طائرات "F-35" الشبحية و"F-15" المحدثة، إضافة إلى إسقاط 24 طائرة مسيّرة من نوع "MQ-9" المتطورة.
مفارقة القوة: طائرة مسيّرة تبلغ تكلفتها 35 مليون دولار، يسقطها صاروخ إيراني لا يكلف الخزينة أكثر من 5 آلاف دولار فقط
إن ترؤس "جي دي فانس"، نائب الرئيس الأمريكي، للوفد المفاوض لا يضيف أي ثقل حقيقي للمباحثات، بل هو جزء من "الخداع المكشوف". فوجود وجوه مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ضمن الوفد، يؤكد أن بنيامين نتنياهو هو المحرك الفعلي والمدير الحقيقي لهذه المفاوضات عبر "الريموت كونترول".
إيران اليوم لا تواجه وفداً أمريكياً، بل تواجه "أجندة إسرائيلية" بعباءة أمريكية، وهو ما يفسر الإصرار الإيراني على جعل هذه الجولة مجرد "بريد سريع" لإيصال الرفض، لا منصة للتنازلات.
/انتهى/
تعليقك