وكالة مهر للأنباء، المجموعة السياسية: في خضم التطورات الإقليمية المعقدة، وفي ظل استمرار تأثر المناخ الأمني والسياسي المحيط بإيران بتوترات متعددة الأوجه، جلس الوفد الإيراني إلى طاولة المفاوضات في حوار لا يُعد مجرد حوار دبلوماسي عادي. فهذه المفاوضات، في الواقع، استمرار لمشهد آخر من المواجهة نفسها التي جرت سابقًا في الارض والميدان ؛ مع اختلاف أن الأدوات هذه المرة قد تغيرت، لكن الأهداف والاعتبارات الاستراتيجية ظلت كما هي.
في هذا السياق، لا ينبغي اعتبار وجود إيران في عملية المفاوضات الحالية، بما في ذلك في إسلام آباد، منعطفًا، بل امتدادًا لها. إن التوسع المنطقي للقوة التي تم ترسيخها ميدانياً، بالتنسيق مع المقاومة الميدانية والدفاع الباسل لمقاتلي البلاد في الحرب المفروضة الثالثة، يجري الآن صياغته سياسياً في قالب دبلوماسي. بعبارة أخرى، لا تُعدّ المفاوضات مع إيران بديلاً عن العمل الميداني، بل آلية لترسيخ إنجازاتها واستغلالها على الصعيد الدولي.
الذاكرة التاريخية وتاريخ إخلال أمريكا بوعودها
بالاستناد إلى التجربة التاريخية وتاريخ المفاوضات السابقة، بما في ذلك الاتفاق النووي، ومسقط، وجنيف، أظهرت إيران أن التبسيط المفرط تجاه الولايات المتحدة يمهد الطريق لمزيد من المبالغة والتنازلات.
أظهر الأمريكيون مراراً وتكراراً أنهم ينظمون خطاباتهم ومطالبهم حول كلمات مفتاحية تقييدية مثل "عدم حصول إيران على أسلحة نووية"، متجاهلين تاريخ إيران في الالتزام بتعهداتها الدولية وتقارير الوكالة التي تؤكد عدم انحراف برنامجها النووي السلمي.
يشكّل مفهوم "الدبلوماسية في خدمة الميدان، والميدان في خدمة الدبلوماسية" أساس نهج الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالقدرة الدفاعية للبلاد لا تمنع العدوان فحسب، بل تمهد الطريق أيضًا لفتح آفاق دبلوماسية جديدة، كإدارة مضيق هرمز وغيره من المواقع الاستراتيجية. ولذا، يُعدّ التحكم في المكونات الجيوسياسية وإدارتها، بما في ذلك المعوقات الاستراتيجية، مثالًا على هذا الربط بين الميدان والدبلوماسية. هذا الترابط يجعل الدبلوماسية الإيرانية فاعلة، والمفاوضات وسيلةً لضمان المصالح الوطنية، لا غايةً في حد ذاتها.
في الوضع الراهن، لن تكون المفاوضات مرغوبة إلا إذا ضمنت المصالح المشروعة للشعب الإيراني وحافظت على الإنجازات الميدانية.
التواجد في المفاوضات قائم على حسن النية
يستند تواجد إيران في مفاوضات إسلام آباد إلى حسن النية والمسؤولية في تحرير المنطقة من تبعات الحرب التي فرضتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. في حين تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها التعويض عن إخفاقاتهم في الحروب والمفاوضات السابقة بتكرار نمط الضغط والحصار. بعد إعلان الحصار البحري، تتحدث وسائل الإعلام الغربية عن مساعي الأمريكيين لعقد جولة جديدة من المفاوضات، بهدف إجبار إيران على قبول مطالبهم من خلال هذه الضغوط.
أظهرت إيران أنها تستخدم قوتها الدفاعية والسياسية بما يتماشى مع أهدافها الجيوسياسية الوطنية. فالدبلوماسية الفعّالة تعمل على أرض الواقع؛ أي أن كل نجاح دبلوماسي ممكن بفضل قوة البلاد الميدانية، وكل إنجاز ميداني يعزز المسار الدبلوماسي.
الميدان هو أساس بناء القوة اللازمة للدبلوماسية الفعّالة
في نهاية المطاف، ما يُستفاد من التجارب الميدانية والعمليات الدبلوماسية هو التأكيد على حقيقة جوهرية في معادلات الأمن والسياسة الخارجية الإيرانية؛ وهي أن الآراء التي تصورت قدرة العدو على تدمير قدرات البلاد بالكامل، واجهت واقعًا مختلفًا؛ واقعًا لا يقتصر فيه دور النظام الدفاعي للبلاد على الردع فحسب، بل يساهم أيضًا في تنظيم وتعزيز الأهداف الجيوسياسية والدبلوماسية.
تعليقك