وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: منذ بداية العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني على إيران، لم تتحقق الأهداف المعلنة لهذه العملية فحسب، بل تتزايد الأدلة على وصول المعتدين إلى طريق مسدود استراتيجي وهزائم ميدانية وسياسية. هذه الحرب، التي بدأت بهجمات واسعة النطاق وقتل مدنيين، بمن فيهم طلاب أبرياء، سرعان ما اكتسبت أبعادًا إنسانية وأمنية واقتصادية واسعة، وأثارت ردود فعل متباينة في وسائل الإعلام الدولية. ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، لا يزال الطريق أمامنا معقدًا حتى النهاية الحقيقية لهذا العدوان.
حاولت وسائل الإعلام العالمية، كلٌّ منها بمنهجها الخاص، تشكيل سردية هذه الحرب؛ ويمكن أن يوفر فحص هذه التأملات صورة أوضح عن الوضع الحقيقي للحرب وآفاقها.
وسائل الإعلام الغربية
تناولت صحيفة "فايننشال تايمز" في تقرير لها كيف استفادت القوات المسلحة الإيرانية من تجارب الحرب الأوكرانية. واستشهدت الصحيفة البريطانية، في تقرير لها، بمراجعة لأكثر من 300 مقال نُشرت خلال السنوات الخمس الماضية في منشورات دفاعية تابعة للحرس الثوري الإسلامي والجيش الإيراني، وذكرت أن القادة الإيرانيين يتابعون عن كثب التطورات في ساحة المعركة الأوكرانية لاستخلاص الدروس الاستراتيجية والتكتيكية.
ووفقًا للتقرير، دعا حسين دادوند، أحد قادة مراكز التدريب العسكري الإيرانية، في مقال نُشر قبل عامين، إلى زيادة الاستثمار في التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، ووحدات قتالية أكثر مرونة، مشيرًا إلى مرونة الإنتاج الدفاعي الأوكراني واستخدام الطابعات ثلاثية الأبعاد في الإنتاج الضخم للطائرات المسيّرة الرخيصة. وأضافت "فايننشال تايمز" أن المحللين وصفوا هذه المنشورات بأنها منصة مُحكمة للتنافس بين مختلف فروع الجيش على الموارد، ووسيلة لتشخيص نقاط الضعف الداخلية، بما في ذلك التخطيط طويل الأجل لمواجهة "التهديدات الناشئة".
في تقريرٍ لها حول مفاوضات وقف إطلاق النار الهشة بين إيران والولايات المتحدة، ذكرت صحيفة "يو إس إيه توداي" أنه على الرغم من التصريحات المتفائلة من كلا الجانبين، لا يزال الطريق طويلاً للتوصل إلى اتفاق نهائي. ووفقًا للتقرير، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المحادثات بأنها "جيدة جدًا"، لكن كبير المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، أقرّ بالتقدم المحرز، لكنه أكد على وجود فجوة كبيرة في مواقف الطرفين.
ونقلت "يو إس إيه توداي" عن قاليباف قوله إن "قضية أو قضيتين" فقط لا تزالان محل خلاف، لكنهما تشملان الخطوط الحمراء للطرفين. وأضاف التقرير أن التركيز الرئيسي للمحادثات كان على فتح مضيق هرمز بالكامل ومنع إيران من الحصول على سلاح نووي.
ذكرت صحيفة الغارديان، في تحليلٍ أعدّه رئيس تحريرها للشؤون الدبلوماسية باتريك وينتور، أن سلسلة من التصريحات الإعلامية المتسرعة وغير الموفقة من جانب دونالد ترامب وطهران قد عرقلت التقدم نحو اتفاق سلام. ووفقًا للصحيفة البريطانية، بدأت سلسلة الأحداث بمنشورٍ لوزير الخارجية الإيراني على شبكة X Network أعلن فيه إعادة فتح مضيق هرمز بشروط، وهو ما لاقى ترحيبًا واسعًا وتعليقاتٍ من ترامب.
وحذرت الغارديان من أن ترامب هدد الآن باستئناف القصف بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار.
وسائل الإعلام العربية والإقليمية
وبحسب قناة الجزيرة، وسط تصريحات متضاربة حول التقدم المحرز واقتراب انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت، يستمر الغموض بشأن مستقبل المحادثات الأمريكية الإيرانية، مما يُعيد إلى الأذهان شبح تصعيد الصراع العسكري.
وفي آخر التطورات، أكد التلفزيون الباكستاني، نقلاً عن مصادر حكومية رفيعة، أنه لم يتم تحديد موعدٍ بعد لجولة جديدة من المحادثات الأمريكية الإيرانية، التي تتوسط فيها باكستان.
في غضون ذلك، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصحيفة نيويورك بوست بأن مبعوثه الخاص، ستيف ويتاكر، وصهره، جاريد كوشنر، سيتوجهان إلى إسلام آباد يوم الثلاثاء المقبل لعقد جولة ثانية من المحادثات مع إيران. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، نقلاً عن مسؤولين في البيت الأبيض، أنه من المتوقع إحراز تقدم في المحادثات مع إيران في باكستان خلال الأيام القادمة.
وأفادت صحيفة رأي اليوم بأن ترامب عارض شنّ عملية برية على جزيرة خارك الإيرانية خشية وقوع خسائر بشرية، وأن مستشاريه نصحوه بتقليص مقابلاته الصحفية بسبب تصريحاته المتضاربة.
وقد دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في جدال مع مساعديه لساعات بعد علمه بإسقاط إيران طائرة مقاتلة أمريكية. ودعا الرئيس الأمريكي إلى إطلاق عملية بحث وإنقاذ فورية لطاقم طائرة إف-15إي المقاتلة التي أُسقطت في أوائل أبريل/نيسان، خشية تكرار أزمة الرهائن عام 1979 (حين احتجز طلاب إيرانيون 66 دبلوماسياً وموظفاً أمريكياً كرهائن خلال هجوم على السفارة الأمريكية في طهران).
عارض ترامب شنّ عملية برية على جزيرة خارك الإيرانية، خشية أن تؤدي إلى خسائر بشرية فادحة.
وسائل الإعلام الصينية والروسية
في مقالٍ حذّرت فيه وكالة أنباء شينخوا من التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كتبت: حذّر مسؤولو الموانئ في لونغ بيتش ولوس أنجلوس (أكبر مجمع موانئ في الولايات المتحدة) من أن التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز، وفرض دونالد ترامب تعريفات جمركية متصاعدة، قد زادت من تكاليف الشحن، وضغطت على الاقتصاد الأمريكي برمته. وقد أجبر إغلاق أو تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز (الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم) السفن على سلوك طرق أطول، ورفع أسعار الطاقة بشكل حاد. وتجاوزت أسعار النفط 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ أربع سنوات، وارتفع سعر البنزين في جنوب كاليفورنيا بمقدار 6 دولارات للغالون.
وقد تفاقم أثر صدمة أسعار النفط بسبب التعريفات التجارية التي فرضها ترامب. ارتفعت تكاليف الوقود للشحن والنقل البري والطرود البريدية: فقد زادت خدمات أمازون بنسبة 3.5%، وهيئة البريد الأمريكية بنسبة 8%، وارتفعت تكاليف وقود الشاحنات بنسبة 25%. لم يعد بإمكان المستوردين وتجار التجزئة التحكم في هذه التكاليف، فيقومون بتحميلها مباشرةً على المستهلكين. انخفضت حركة الحاويات في ميناء لونغ بيتش بنسبة 5.2% مقارنةً بالعام الماضي، ومن المتوقع أن تبقى الواردات في الموانئ الأمريكية الرئيسية دون مستويات العام الماضي حتى منتصف عام 2026 على الأقل.
وكتبت قناة روسيا اليوم في تحليل لها: يواجه نائب الرئيس جيه. دي. فانس موقفًا صعبًا: فولاءه لترامب يربطه بإدارة محكوم عليها بالفشل، لكن ابتعاده عن ترامب عرّضه لاتهامات بعدم الولاء. عيّن ترامب فانس كبيرًا للمفاوضين مع إيران. هذه علامة على الثقة، لكنها في الواقع "كأس مسمومة": تسليم مشكلة مستعصية إلى مرؤوس، لزيادة فرص الفوز وتقليل فرص الفشل. لقد صرّح ترامب نفسه بوضوح: "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع إيران، فاللوم يقع على فانس؛ أما إذا تم التوصل إليه، فسأنسب الفضل لنفسي".
لا يكمن الخطر الذي يواجه فانس في الفشل الدبلوماسي فحسب، بل في "فخ السمعة". فهو ليس مجرد واجهة ظاهرة لموقفٍ محدود النجاح بنيويًا، بل سيصبح أيضًا محورًا للوم اللاحق. ومثالٌ مشابه هو كولن باول في الأمم المتحدة، الذي أصبح، دون قصد، الوجه الرئيسي لهذا الفشل، وذلك بتقديمه أدلةً زائفة على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. إن البنية المتأصلة في قضية إيران (تضارب المصالح الجوهري) تعني أنه لا يمكن لأي سياسي بمفرده أن يصنع المعجزات، لكن سردية الفشل تُلقى دائمًا على عاتق المفاوض.
وسائل الإعلام الصهيونية
كتب ماريو في تحليله: أثارت التقارير عن إبرام اتفاق بين إدارة ترامب وإيران قلقًا بالغًا في إسرائيل. ينصبّ تركيز الاتفاق على حلّ مسألة اليورانيوم المخصب (440 كيلوغرامًا) وفتح مضيق هرمز، لكن المشكلة الرئيسية تكمن فيما لم يتضمنه الاتفاق: برنامج الصواريخ الإيراني ودعمها للقوات المتحالفة معها في لبنان وغزة والعراق واليمن. عشرة آلاف صاروخ دقيق، حتى بدون رؤوس نووية، تُشكّل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل.
وكتب إسرائيل هيوم في تحليله: بعد 925 يومًا من حرب 7 أكتوبر، فشلت إسرائيل في تحقيق نتيجة حاسمة على أي جبهة. لا تزال حماس متماسكة، ونجا حزب الله من حملة صعبة، وقد تخرج إيران أقوى من ذي قبل. على الرغم من الضربات على الجبهات الثلاث (وكذلك على الحوثيين)، يبدو أن إسرائيل في نهاية حملة سيُحسم مصيرها ليس في القدس بل في واشنطن. نتنياهو، الذي سبق أن صرّح لخصومه بأن معيار رئيس الوزراء الإسرائيلي هو قدرته على رفض طلبات الرئيس الأمريكي، خسر فعلياً أمام ترامب. تغريدة ترامب، التي نُشرت بخط عريض يوم الجمعة الماضي، لم تكن مجرد أمر تنفيذي، بل كانت إهانة علنية وضربة قوية لقوة إسرائيل وردعها. وكتبت صحيفة يديعوت أحرونوت في تحليل لها: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام بين إسرائيل ولبنان في 16 أبريل/نيسان 2026، بعد محادثات مع نتنياهو والرئيس اللبناني. ويهدف وقف إطلاق النار المؤقت إلى تمهيد الطريق لمحادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان. لكن من وجهة نظر إسرائيل، يُعدّ الاتفاق مقامرة خطيرة تمنح حزب الله الوقت لإعادة بناء صفوفه دون الحصول على أي تنازلات ملموسة من بيروت. حزب الله، الذي لم يُدعَ حتى إلى المحادثات، وصف وقف إطلاق النار بأنه "ضروري وعاجل" بعد ساعات من إعلانه، لكنه اشترط الالتزام به فقط في حال توقف الهجمات الإسرائيلية تماماً.
... يكمن الضعف الجوهري للاتفاق في أنه يُلزم الحكومة اللبنانية فعلياً بنزع سلاح منظمة مسلحة لها نفوذ في الحكومة وكتلة قوية في البرلمان. اتخذ لبنان خطوات محدودة في الأشهر الأخيرة، لكن لم يطرأ أي تغيير على أرض الواقع. سبق لإسرائيل أن شهدت هذا الوضع: فقد تضمن قرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي صدر عقب حرب 2006، المطالب نفسها، لكن بعد 18 عاماً، لم يكتفِ حزب الله بعدم إلقاء سلاحه، بل قام، بتمويل إيراني ودعم لوجستي سوري، ببناء ترسانة ضخمة. إن توقع وفاء الحكومة اللبنانية الضعيفة بالتزامها بنزع السلاح خطأ فادح.
النتيجة العملية لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام هي منح حزب الله فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء صفوفه. يعتقد قادة حزب الله أن المقاومة الإسرائيلية هي التي أجبرت على التفاوض. أثار الاتفاق مشاعر متباينة لدى المجتمعات في شمال إسرائيل؛ لكن سكان المنطقة يدركون أن وقف إطلاق النار السابق لم يؤدِ إلا إلى تأجيل إطلاق النار مجدداً. الشعب اللبناني هو الضحية الحقيقية لهذا الوضع: فقد دمرت عقود من حكم حزب الله الاقتصاد، وعمقت الانقسامات الطائفية، وحولت القرى إلى قواعد انطلاق لحرب بالوكالة. بدون ضغط دولي مستمر ووسائل إنفاذ حقيقية، ستكون تحركات الحكومة اللبنانية الأخيرة ضد حزب الله غير فعّالة بمجرد أن يتحول الاهتمام العالمي.
كتبت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في تحليل لها: "تم فرض الحصار البحري الأمريكي على افتراض أن الإرادة الأمريكية ضد إيران ستبقى راسخة بعد العمل العسكري الإسرائيلي. ولكن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني وارتفاع أسعار البنزين في ولايات رئيسية مثل ميشيغان وبنسلفانيا وأوهايو، فإن الإرادة السياسية الأمريكية هي التي قد تنهار قبل أن يتضرر الاقتصاد الإيراني".
لقد أثبت التاريخ أن الضغط الاقتصادي وحده لم يُسقط الحكومات (كوبا، وكوريا الشمالية، والعراق، وحتى إيران نفسها في أعوام 2012 و2018 و2020). ويُعزى هذا الصمود إلى عاملين رئيسيين: أولهما، الصين، التي تُخفف الحصار بناقلات النفط التي تحمل أعلامها والمدفوعات باليوان؛ وثانيهما، القوة الاقتصادية الهائلة للحرس الثوري والمؤسسات التي تعمل بشكل مستقل عن الريال والنظام المصرفي الرسمي.
تعليقك