٢٠‏/٠٤‏/٢٠٢٦، ٢:١٢ م

بقلم كامل يونس؛

"الخط الأصفر": أوهام الخرائط أمام صخرة الميدان

"الخط الأصفر": أوهام الخرائط أمام صخرة الميدان

في الوقت الذي تغرق فيه نُخبة الألوية الإسرائيلية في وحل التلال الحدودية، وتتحول القرى الأمامية إلى ثقوب سوداء تبتلع هيبة "الجيش الذي لا يقهر"، تطل علينا الماكينة الإعلامية العبرية ببدعة جديدة تسمى "الخط الأصفر". 

وكالة مهر للأنباء- الكاتبة والإعلامية رانيا كامل يونس: الخط الاصفر ليس مجرد ترسيم جغرافي، بل هو تعبير عن شهوة توسعية تهدف إلى قضم 55 بلدة لبنانيّة وتهجير أهلها وضمها إلى دائرة النيران، في محاولة يائسة لرسم حدود بالمسطرة والقلم فوق أرض ترفض الانصياع إلا لمن يزرعها ويحميها، حيث يسعى الاحتلال من خلال هذا الطرح إلى فرض واقع أمني عجز عن تحقيقه بالمدرعات والقصف الجوي، محاولاً الهروب من مأزقه الميداني عبر تسويق انتصارات وهمية على ورق لا يملك رصيداً في الواقع.

حيث تتجلى السخرية في أبهى صورها عندما يخرج قادة الاحتلال لإعلان "خطوط سيطرة" تمتد لعمق كيلومترات، في حين أن جيشهم المدجج بأحدث التقنيات لا يزال يراوح مكانه عند الحواف الصخرية للحدود. إن العجز الميداني الفاضح يتجسد في عدم قدرة الغازي على تثبيت نقطة ارتكاز واحدة آمنة خلف "الخط الأزرق"، حيث تتحول كل محاولة توغل إلى معركة استنزاف قاسية تجبره على التراجع تحت ضربات الكمائن النوعية.

هذا التباين الشاسع بين ادعاءات السيطرة الجوية والخرائط الملونة وبين الحقيقة المرة في وديان عيتا الشعب وتلال الخيام وشمع، يثبت أن "الخط الأصفر" ما هو إلا تكتيك لفشل تراكمي، ومحاولة لتعويض الانكسار العسكري بصناعة مشهد "سينمائي" يخاطب الجبهة الداخلية الإسرائيلية القلقة، محاولاً إيهامها بأن الحزام الأمني المزعوم قد أصبح في المتناول.

أما المشهد الأكثر إيلاماً وخطورة في هذه الحرب النفسية هو مسارعة بعض الجهات اللبنانية المنصاعة والمتخاذلة إلى تبني هذه الخريطة المشبوهة والترويج لها كأنها قدر محتوم. هؤلاء الذين اعتادوا القراءة في كتاب الهزيمة قبل وقوعها، وتطوعوا ليكونوا صدىً لصوت المحتل، يحاولون بشتى الطرق تصوير "الخط الأصفر" كأمر واقع لا مفر منه، متجاهلين عن عمد صمود الناس في قراهم وثبات المدافعين في مواقعهم.

إن هذا التبني الانهزامي يمثل اشتراكاً جلياً في الحرب النفسية التي يشنها العدو، ويهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة الثقة بالقدرة على المواجهة وكسر إرادة البيئة الصامدة. هؤلاء يسقطون أخلاقياً ووطنياً أمام عظمة كل حجر في الجنوب يرفض الانكسار، ويحاولون منح العدو بالكلمة ما عجز عن انتزاعه بالنار والبارود.

وفي نهاية المطاف يبقى "الخط الأصفر" مجرد خربشات واهية على طاولة هيئة الأركان الإسرائيلية، ولن يجد له مكاناً على تراب الجنوب الذي لا يُرسم إلا بمداد التضحية وعرق الفلاحين. إن التاريخ والجغرافيا يؤكدان أن الأرض لمن يحرثها ويحميها، لا لمن يلونها بالأصفر على شاشات التلفزة. وسيظل هذا المشروع التوسعي مجرد "حلم إبليس بالجنة"، لأن القوة التي عجزت عن كسر إرادة الجنوب في ذروة اجتياحاتها السابقة، هي اليوم أكثر عجزاً أمام مقاومة تدرك أن السيادة لا تُمنح بالخرائط، بل تُنتزع بالثبات المطلق في الميدان الذي يثبت كل يوم أن الخط الوحيد المرسوم فعلياً هو خط الكرامة الذي لا يمكن تجاوزه.

/انتهى/

رمز الخبر 1970111

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha