١٨‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ١٠:٥١ ص

خاص لـ"مهر":

من "تغيير النظام" إلى "المكاسب الاقتصادية"؛ تراجع ترامب أمام إيران

من "تغيير النظام" إلى "المكاسب الاقتصادية"؛ تراجع ترامب أمام إيران

تشير مجمل تصريحات ترامب الأخيرة إلى محاولة لإدارة تداعيات هزيمة، ستصبح آثارها واضحة ليس فقط في المنطقة، بل أيضاً في السياسة الداخلية والمكانة العالمية لأمريكا.

وكالة مهر للأنباء: بدأت حرب الأربعين يوماً التي شنتها أمريكا والكيان الصهيوني على إيران بمجموعة من الأهداف الطموحة. كان دونالد ترامب وحلفاؤه في تل أبيب يأملون، من خلال شن هجمات عسكرية واسعة النطاق، في تغيير معادلات المنطقة لصالحهم، وتحطيم القدرة الردعية الإيرانية، وإجبار طهران على قبول الشروط التي ظلوا يسعون لفرضها لسنوات. بل تحدثوا في مراحل معينة عن تغيير النظام الإيراني واستسلام طهران غير المشروط. لكن الآن، وبعد انتهاء الحرب وبدء مسار الاتفاق بين طهران وواشنطن، تقدم تصريحات الرئيس الأمريكي صورة مختلفة تماماً عن حقيقة الميدان؛ صورة تشير، قبل أي شيء، إلى التراجع التدريجي للبيت الأبيض عن العديد من مواقفه وأهدافه الأولية، وهي قضية تعكس فشلاً استراتيجياً في مواجهة إيران.

حاول ترامب في مؤتمره الصحفي اليوم أن يستبدل الهزيمة في الميدان بادعاء النصر في وسائل الإعلام، وأن يقدم الاتفاق مع إيران على أنه نصر كبير لأمريكا، لكن في ثنايا هذه التصريحات، كانت هناك اعترافات تشير إلى أن واشنطن لم تفشل بتحقيق أهدافها المعلنة فحسب، بل إنها اضطرت، لمنع تداعيات أكثر خطورة للحرب، إلى قبول حقائق جديدة.

التراجع عن مشروع تغيير النظام السياسي الإيراني

لعل الجزء الأكثر أهمية في تصريحات ترامب هو ما يتعلق بالموضوع الذي تم تداوله مراراً خلال الحرب من قبل المسؤولين ووسائل الإعلام والأوساط الغربية، ألا وهو تغيير النظام السياسي الإيراني.

فقد قال الرئيس الأمريكي في تصريحات جديرة بالتأمل: "لم أدّعِ أبداً أنني سأغير النظام في إيران".

وهذا في حين أن العديد من المحللين الغربيين، بل والمسؤولين الأمريكيين، تحدثوا منذ الأيام الأولى للحرب عن انهيار وشيك للنظام السياسي الإيراني. كما كررت وسائل الإعلام المقربة من البيت الأبيض هذه الفرضية مراراً، بأن الضغط العسكري والاقتصادي قد يؤدي إلى تغيير الهيكل السياسي الإيراني. وكان ترامب، بتكراره لعبارات مثل "المساعدة في الطريق"، يتابع عملياً مشروع تغيير النظام.

أما الآن، فلم يكتف ترامب بالابتعاد عن هذا الادعاء فحسب، بل اكتفى بالقول: "يمكن القول بطريقة ما إن تغيير النظام قد حدث"؛ وهي عبارة تبدو أشبه بمحاولة للحفاظ على المظهر بعد فشل مشروع كبير. يعكس هذا التحول في النبرة أن أحداً من الأهداف الرئيسية للحرب لم يتحقق فحسب، بل إن واشنطن اضطرت أيضاً إلى التراجع عن التصريح به صراحة.

الاعتراف بالقوة الإيرانية في مضيق هرمز

يُعد الاعتراف الضمني الذي أطلقه ترامب بالدور المحوري لإيران في معادلات الطاقة العالمية، أحد أبرز المقاطع اللافتة في تصريحاته. فقد قال: "لو لم نتوصل إلى اتفاق، لما تم إعادة فتح مضيق هرمز".

وتكمن أهمية هذا التصريح في عدة جوانب. أولاً، لأنه يشكل اعترافاً عملياً من ترامب بأن استمرار الحرب كان سيعرض تدفق الطاقة العالمي لأزمة خطيرة. وثانياً، لأنه يأتي مخالفاً للادعاءات الأولية التي كانت تشير إلى عجز إيران عن التأثير في المعادلات الإقليمية، ليعترف الرئيس الأمريكي الآن بأن إنهاء الأزمة في مضيق هرمز لم يكن ممكناً دون اتفاق مع طهران. في الواقع، إن ما يقدمه ترامب على أنه إنجاز، هو من زاوية أخرى اعتراف بأن أمريكا عجزت عن ضمان أمن الملاحة والطاقة عبر القوة العسكرية، واضطرت في النهاية إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

من التهديد العسكري إلى القلق من كارثة اقتصادية

في جزء آخر من تصريحاته، أشار ترامب إلى أن السبب الذي دفعه للتوصل إلى اتفاق كان تجنب "كارثة اقتصادية"، حيث قال: "لقد أبرمت هذا الاتفاق لأنني لم أرغب في رؤية كارثة اقتصادية". هذا التصريح يتناقض بشكل واضح مع المواقف الأولية للإدارة الأمريكية، التي كانت تدعي في بداية الحرب أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لن تكلف أمريكا الكثير، وأن إيران ستضطر للتراجع في وقت قصير.

لكن الرئيس الأمريكي يعترف الآن بأن استمرار الحرب كان يمكن أن يعرض الاقتصاد الأمريكي والعالمي لأزمة خطيرة. وتظهر هذه التصريحات أن تكاليف الحرب على واشنطن كانت، خلافاً للحسابات الأولية، أكبر بكثير من التقديرات.

يجب أن نعيد أموال إيران

ربما كان الجزء الأكثر استثنائية في تصريحات ترامب هو ما يتعلق بالأموال الإيرانية المجمدة، حيث قال بوضوح: "لقد استولينا على الكثير من أموال إيران. هذه الأموال ليست ملكنا، بل ملكهم، وإذا لم نعدها، فلن يكون هناك أي شخص مستعد للاستثمار في الدولار بعد الآن". يمكن اعتبار هذه التصريحات واحدة من أهم التراجعات السياسية لواشنطن في السنوات الأخيرة. فطوال العقود الماضية، استخدمت أمريكا الأموال المجمدة للدول المختلفة كأداة ضغط، لكن رئيسها يعترف الآن بصراحة بضرورة إعادة الأموال الإيرانية. ويظهر هذا الموقف أنه حتى من وجهة نظر ترامب نفسه، فإن استمرار سياسة المصادرة وتجميد الأموال الإيرانية يمكن أن يضر بالمصداقية المالية لأمريكا ومكانة الدولار.

تغيير في النبرة تجاه إيران

في جزء آخر من تصريحاته، قال ترامب: "قادة إيران الجدد أكثر ذكاءً". وتتناقض هذه العبارة بشكل حاد مع اللهجة العدائية والمهينة التي كان يستخدمها المسؤولون الأمريكيون خلال الحرب على إيران. فها هو الرئيس الأمريكي، الذي كان يتحدث سابقاً من موقع التهديد والضغط، يحاول الآن خلق أجواء للتفاعل والاتفاق؛ وهو تحول يراه العديد من المحللين مؤشراً على قبول الحقائق الجديدة التي تلت الحرب.

كما أن ما يمكن اعتباره أهم اعتراف لترامب، كان عندما قال: "لو واصلنا قصف إيران، لما تمكنت السفن من الإبحار بعد الآن"، محذراً من أن احتياطيات النفط الأمريكية آخذة في التناقص. وتكشف هذه التصريحات أن واشنطن واجهت، خلافاً لتصوراتها الأولية، قيوداً جسيمة. فالحرب التي كان من المفترض أن تظهر قوة أمريكا، كشفت في النهاية حدود هذه القوة. ولهذا السبب أيضاً، اضطر ترامب إلى التحدث عن الاتفاق كوسيلة لمنع تصعيد الأزمة.

النتيجة

على الرغم من كل هذه التراجعات، لا يزال ترامب يصر على تقديم الاتفاق مع إيران على أنه نصر كبير، مدعياً أن أمريكا حققت "كل ما أرادته بل وأكثر". لكن الفحص الدقيق لتصريحاته يرسم صورة أخرى. فعندما يتحدث الرئيس الأمريكي عن ضرورة الاتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، ومنع كارثة اقتصادية، وإعادة الأموال الإيرانية، والتخلي عن ادعاء تغيير النظام، يصعب التوفيق بين هذا الوضع والأهداف الأولية للحرب.

الحقيقة أن حرب الأربعين يوماً بدأت بوعود كبيرة؛ من تغيير معادلات المنطقة إلى إضعاف إيران استراتيجياً. لكن نهاية الحرب أظهرت أن هذه الأهداف لم تتحقق، وأن واشنطن اضطرت إلى التحرك نحو الاتفاق لكبح التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية للأزمة.

لذلك، يمكن اعتبار مجمل تصريحات ترامب الأخيرة بمثابة محاولة لإدارة تداعيات هزيمة، ستصبح آثارها واضحة ليس فقط في المنطقة، بل أيضاً في السياسة الداخلية والمكانة العالمية لأمريكا. فالحرب التي كان من المفترض أن تظهر قوة أمريكا، أوصلت رئيسها إلى الحديث عن إعادة أموال إيران، وضرورة الاتفاق، وخطر استمرار الحرب؛ وهي تطورات لا يراها العديد من المراقبين سوى تراجع تدريجي عن الأهداف الأولية للحرب.

/انتهى/

رمز الخبر 1971679

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha