٠١‏/٠٨‏/٢٠٢٦، ١٢:٤٩ م

من الإخفاق في الميدان إلى وهم الحصار البري على إيران

من الإخفاق في الميدان إلى وهم الحصار البري على إيران

يرى مراقبون أن الحديث عن مشروع أمريكي-إسرائيلي لفرض حصار بري على إيران لا يعكس قوة في الخيارات المطروحة، بقدر ما يكشف عن حجم المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد إخفاق أدواتها العسكرية والاقتصادية والسياسية في تحقيق أهدافها تجاه طهران.

وكالة مهر للأنباء: كلما مرّ الوقت، ازدادت مؤشرات الارتباك الذي تعيشه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعاملها مع إيران. فمنذ أشهر، جرّبت واشنطن تقريبًا جميع أدوات الضغط التقليدية؛ من التهديدات العسكرية والتلويح بتوسيع نطاق الحرب، إلى سياسة "الضغط الأقصى" والعقوبات الاقتصادية المشددة، والحرب النفسية، والادعاءات المتكررة بشأن استعداد إيران للتفاوض، فضلًا عن محاولات تشكيل إجماع دولي ضدها، بل وحتى التهديد بإجراءات غير مسبوقة. ومع ذلك، لم تحقق أي من هذه السياسات أهدافها المعلنة؛ فلم تتراجع إيران عن مواقفها، ولم تنهَر منظومة الردع لديها، كما لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض النظام الإقليمي الذي تسعى إليه.

في مثل هذه الظروف، تتسع الفجوة بين السياسة والواقع كلما ازدادت الإخفاقات الاستراتيجية. وغالبًا ما تلجأ القوى التي تصل إلى طريق مسدود في الميدان إلى طرح أفكار لا تستند إلى الحقائق الجيوسياسية بقدر ما تعكس الأمنيات والأوهام السياسية. وأحدث مثال على ذلك، ما أثير حول دراسة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني خطة لـ"فرض حصار بري على إيران"، وهي فكرة تعرضت للسخرية حتى من قبل عدد من المحللين والصحفيين الإسرائيليين قبل أن يصدر أي تعليق رسمي من طهران.

فقد زعمت صحيفة تلغراف أن واشنطن وتل أبيب تدرسان سيناريو يقوم على إغلاق الدول المجاورة لإيران حدودها البرية، والحد من حركة البضائع، وفرض ضغوط اقتصادية غير مسبوقة عليها. غير أن هذا الطرح قوبل سريعًا بردود ساخرة من دورون كادوش، مراسل إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وباراك رافيد، مراسل موقع "أكسيوس"، اللذين تساءلا بسخرية: هل نظر واضعو هذه الخطة إلى خريطة المنطقة ولو مرة واحدة؟ وتكشف هذه الردود أن السيناريو لا يحظى بجدية حتى داخل الأوساط الإعلامية القريبة من الكيان الصهيوني.

وتعود أسباب هذا التشكيك إلى حقائق جغرافية وسياسية واضحة. فإيران ليست دولة يمكن عزلها بقرار سياسي أو بضغوط دبلوماسية. فهي ترتبط بحدود برية مع سبع دول هي العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان وتركمانستان وجمهورية أذربيجان وأرمينيا، ويبلغ إجمالي طول هذه الحدود نحو 5600 كيلومتر. وهذا يعني أن أي حصار بري يتطلب السيطرة على آلاف الكيلومترات من الحدود، والأهم من ذلك إقناع سبع دول ذات سياسات ومصالح وحسابات أمنية مختلفة بالانخراط في هذا المشروع.

ويُعد هذا بحد ذاته أول دليل على عدم واقعية الخطة. فلكل دولة من دول الجوار مصالحها الخاصة مع إيران. فالعراق يعتمد على إيران في جزء مهم من احتياجاته من الكهرباء والغاز والطاقة، كما يرتبط اقتصاد المناطق الحدودية بين البلدين بحركة التجارة. أما تركيا، فترى في إيران أحد أهم الممرات البرية نحو آسيا الوسطى وشرق آسيا، وتربطها بها علاقات اقتصادية واسعة. كذلك يواصل كل من باكستان وإيران تنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة والنقل والتعاون الحدودي. كما تمتلك أذربيجان وتركمانستان وأرمينيا مصالح مباشرة مع إيران في قطاعات العبور والطاقة والتجارة، في حين يعتمد الاقتصاد الأفغاني بدرجة كبيرة على الطرق التجارية والسلع القادمة من إيران، ما يجعل انخراط كابول في مثل هذا المشروع أمرًا بالغ الصعوبة.

وبعبارة أخرى، فإن تنفيذ هذا السيناريو يقتضي من الولايات المتحدة إقناع سبع دول مستقلة بالتخلي عن جزء من مصالحها الاقتصادية والأمنية، بل وحتى عن جزء من استقلالية قرارها السياسي، خدمة لاستراتيجية أمريكية يشكك حتى بعض حلفاء واشنطن في جدواها. وقد أثبتت التجارب خلال السنوات الماضية أن العديد من دول المنطقة لا ترغب في تحمل كلفة السياسات التصادمية الأمريكية، خاصة إذا كان ذلك سيؤثر في اقتصاداتها أو أمنها الداخلي أو علاقاتها الإقليمية.

أما السبب الثاني فيتعلق بالموقع الجيوسياسي لإيران. فهي ليست مجرد دولة مستوردة للسلع، بل تمثل إحدى أهم العقد اللوجستية في غرب آسيا. فممر الشمال–الجنوب، وخطوط الربط بين الخليج الفارسي وآسيا الوسطى، وشبكات الاتصال مع القوقاز، إضافة إلى الطرق المؤدية إلى باكستان وأفغانستان، تمنح إيران موقعًا استراتيجيًا في حركة التجارة الإقليمية. ومن ثم فإن أي محاولة لقطع هذه المسارات لن تؤثر في إيران وحدها، بل ستنعكس أيضًا على حركة النقل والتجارة في المنطقة، وهو ما يجعل كثيرًا من الدول المجاورة أكثر عرضة للخسائر من تحقيق أي مكاسب محتملة.

ومن الناحية الأمنية، تبدو الخطة بعيدة عن المنطق العملي. ففرض رقابة محكمة على آلاف الكيلومترات من الحدود، التي يمتد جزء كبير منها في مناطق جبلية وصحراوية وعرة، يتطلب إمكانات عسكرية وأمنية هائلة. وحتى الدول التي تتبنى أكثر السياسات الحدودية تشددًا لا تستطيع إغلاق حدودها بصورة كاملة، فكيف إذا تعلق الأمر بسبع دول مطالبة بالتحرك في وقت واحد وبدرجة عالية من التنسيق ضد دولة بحجم إيران وإمكاناتها؟

ويؤكد التاريخ أيضًا هشاشة هذا الطرح. فقد حاولت الولايات المتحدة، على مدى عقود، فرض أقسى العقوبات وأشكال الضغوط الاقتصادية على دول مثل كوبا وكوريا الشمالية والعراق وفنزويلا، لكنها لم تتمكن حتى في تلك الحالات من إقامة حصار كامل ومحكم. واليوم، في ظل اقتصاد عالمي أكثر ترابطًا واعتمادًا على شبكات التجارة والنقل والتكنولوجيا، تبدو فكرة فرض حصار شامل على دولة تتمتع بالموقع الجيوسياسي الذي تتمتع به إيران أقرب إلى سيناريو دعائي منها إلى خطة قابلة للتنفيذ.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى مشروع "الحصار البري" باعتباره جزءًا من الحرب النفسية أكثر من كونه استراتيجية عملياتية. فالغاية من الترويج لمثل هذه الأفكار هي الإيحاء بأن إيران تعيش عزلة متزايدة، والتأثير في الرأي العام، وإرسال رسالة مفادها أن واشنطن ما زالت تمتلك خيارات جديدة لتصعيد الضغوط. غير أن الفارق بين الحرب النفسية والوقائع الميدانية يبقى كبيرًا. وعندما يصف إعلاميون ومحللون مقربون من الكيان الصهيوني هذه الفكرة بأنها غير قابلة للتطبيق ومثيرة للسخرية، فإن ذلك يعكس محدودية قيمتها العملية.

والواقع أن إدارة ترامب تواجه اليوم أزمة استراتيجية أكثر من أي وقت مضى. فالخيار العسكري لم يحقق أهدافه، وسياسة الضغط الأقصى لم تدفع إيران إلى التراجع، والتهديدات المتكررة لم تحقق الردع المطلوب، كما أن خطاب التفاوض لم ينجح في إقناع الرأي العام. وفي ظل هذا المشهد، يبدو من الطبيعي أن تظهر بين الحين والآخر أفكار جديدة تفتقر إلى الواقعية، هدفها الإيحاء بوجود "خيارات على الطاولة" أكثر من تقديم حلول حقيقية.

ومن ثم، فإن مشروع "الحصار البري على إيران" ليس سوى نتاج لهذه الحالة من المأزق الاستراتيجي، حيث حلّت الأوهام محل الحسابات الواقعية. فهذا السيناريو لا ينسجم مع جغرافية المنطقة، ولا مع مصالح الدول المجاورة، ولا مع الاعتبارات الأمنية، ولا مع حقائق السياسة الدولية. ولذلك، فإنه يعكس حالة الانسداد التي تعيشها واشنطن أكثر مما يعكس امتلاكها أوراق قوة جديدة؛ فكلما تعمقت أزمتها، ازدادت الأفكار غير الواقعية التي تُطرح بوصفها بدائل سياسية.

رمز الخبر 1972752

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha