وأفادت وكالة مهر للأنباء، انه أكد وزير الخارجية سيد عباس عراقجي، خلال فعالية إحياء ذكرى محرم وعاشوراء في "مرآة وثائق الشؤون الخارجية" التابعة لمركز الدراسات السياسية والدولية، أن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في تاريخ البشرية، تتجاوز كونها حدثًا تاريخيًا أو دينيًا، فهي "مدرسة حياة" و"بيان خالد" في أصالة العدل والسعي وراء الحقيقة، و"وثيقة أساسية" للمقاومة ضد الطغيان والانحراف والفساد، ودفاعًا عن كرامة الإنسان.
وفيما يلي نص كلمة وزير الخارجية عباس عراقجي في فعالية «محرم وعاشوراء في مرآة وثائق وزارة الخارجية»:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين، بهم نتولى ومن أعدائهم نتبرأ إلى الله إلى يوم القيامة.
الضيوف الكرام،
سفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية المقيمين في طهران،
السادة العلماء ورجال الدين وأساتذة الجامعات،
الباحثون والمثقفون والإعلاميون،
وجميع المهتمين بالتاريخ والثقافة والإرث العاشورائي الفريد،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نجتمع اليوم في افتتاح فعالية لا يقتصر موضوعها على عرض مجموعة من الوثائق الإدارية والمراسلات التاريخية، بل تمثل جزءاً من الذاكرة الحية لأمة ارتبطت باسم الإمام الحسين (عليه السلام)، وواقعة كربلاء، وثقافة عاشوراء، وشعائر شهر محرم.
إن نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في تاريخ البشرية تتجاوز كونها حدثاً تاريخياً أو دينياً، فهي «مدرسة للحياة»، و«ميثاق خالد» يؤكد أصالة العدالة وطلب الحق، و«وثيقة تأسيسية» للمقاومة في مواجهة الظلم والانحراف والفساد، والدفاع عن كرامة الإنسان.
لقد أصبحت هذه النهضة لغة عالمية للعدالة، واختار الشعب الإيراني على مدى قرون هذا النهج التحرري محوراً لحياته الإيمانية في مختلف أبعادها الفردية والاجتماعية والوطنية، كما اعتمده لغة بليغة للمطالبة بالحق ومواجهة الهيمنة على الساحة الدولية.
وتشكل هذه الفعالية الوثائقية فرصة ثمينة للتجول في الذاكرة الجمعية للإيرانيين واستعادة الروابط التاريخية العميقة بين هذه الأرض والعالم من خلال نافذة محرم وعاشوراء وما يرتبط بهما من شعائر. فكل وثيقة شاهد على تفاعل، وكل صفحة تروي جانباً من الارتباط التاريخي للإيرانيين بهذه النهضة.
إن دراسة مئات الوثائق غير المنشورة، والتي يُعرض بعضها للمرة الأولى اليوم، تضعنا أمام حقيقة أساسية مفادها أن صون المقدسات ونشر ثقافة عاشوراء كانا دائماً جزءاً من الالتزام الوطني والهوية الدبلوماسية للإيرانيين في تعاملهم مع العالم، حتى في ظل نزعات العداء للدين ومحاولات إقصائه التي انتهجها بعض الحكام، ولا سيما خلال الحقبة المظلمة لحكم النظام البهلوي التابع.
ومن التقارير المتعلقة بإحياء مراسم عاشوراء في بطرسبورغ وإسطنبول والقوقاز ومدن الهند، إلى إقامة التكايا المشتركة في باكو ومدرسة «شرافت» في بغداد، كلها شواهد تؤكد أن إيران كانت دائماً مركزاً حضارياً لنشر القيم الإنسانية والروحية المستمدة من هذا الإرث العاشورائي الحي.
وفي الطبقات الأعمق لهذه الوثائق تتجلى مظاهر «العزة الحضارية» لإيران في مواجهة منظومة الهيمنة والقوى الاستعمارية. فالدبلوماسية الإيرانية كما تعكسها هذه الوثائق ليست دبلوماسية انتهازية جامدة، بل «دبلوماسية محورها الإنسان» تستثمر كل فرصة للارتقاء بالقيم الإنسانية. وبعبارة أخرى، فإن هذه الوثائق تقرّب التاريخ من مستوى القرارات الرسمية إلى مستوى التجربة الإنسانية.
وفي هذه المجموعات الوثائقية لا يظهر محرم وعاشوراء بوصفهما مجرد شعائر دينية، بل تتجلى حضورهما في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الشعوب؛ من توفير الأمن للزائرين ومعالجة مشكلات إقامتهم وتنقلهم، إلى متابعة أوضاعهم الصحية والعلاجية وحتى إعانة الزائرين المعوزين على العودة إلى أوطانهم؛ ومن دعم إقامة مجالس العزاء للإيرانيين المقيمين في الخارج، إلى السعي لإزالة القيود المفروضة على اللغة الفارسية والشعائر الدينية؛ ومن ترميم القباب والصحون والسقايات، إلى إهداء السجاد والثريات والأعمال الفنية إلى العتبات المقدسة.
وتُظهر هذه الوثائق بوضوح أن ثقافة عاشوراء تشكلت في إطار اجتماعي، وكانت دائماً ساحة حوار بين التقاليد الشعبية والرؤى الفقهية والمتطلبات الاجتماعية والمسؤوليات العامة. كما تكشف دراستها عن تعددية هذه الثقافة وحيويتها، بعيداً عن أي صورة مبسطة أو أحادية.
ومن هذا المنطلق، فإن عاشوراء هي إرث الإيمان وإرث الأخلاق في آن واحد؛ تذكير بالمظلومية ودعوة إلى تحمل المسؤولية؛ حزن ووعي معاً. إن رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء لا تحدها حدود جغرافية، بل هي لغة الكرامة الإنسانية، ومواجهة الإذلال، ورفض اللامبالاة، والوقوف في وجه الظلم. ولهذا استطاعت ثقافة عاشوراء أن تخلق جسوراً للحوار والتعاطف بين مختلف الشعوب والثقافات.
إن الدراسة الدقيقة لمجمل هذه الوثائق والصور والشعائر تبين أن عاشوراء تجاوزت بالفعل حدود الحدث التاريخي لتتحول إلى «ظاهرة حضارية» غنية بالمفاهيم السامية. فهي الصلة بين الأمس واليوم، والبوصلة التي اهتدى بها هذا الشعب في تحديات الماضي والحاضر والمستقبل.
الإخوة والأخوات الكرام،
لقد اكتسب محرم وعاشوراء هذا العام في إيران طابعاً مختلفاً. فقد تعرضت إيران التاريخية لعدوان ظالم وغادر من قبل النظامين الأمريكي والإسرائيلي المتمردين على القانون والمعادين للحق، وقدمت العديد من الشهداء في سبيل حرية البلاد وعزتها ورفعة كلمة الله.
لقد شاهد الشعب الإيراني الحسيني بأم عينه إراقة دماء سيد شهداء الثورة الإسلامية وأبنائه الأطهار، من مدرسة «شجرة طيبة» في ميناب إلى المدمرة «دنا»، مروراً بأبناء لامرد وجنود إيران الأبطال، لكنه وقف بشجاعة وثبات دفاعاً عن عزته واستقلاله، مؤكداً أنه يعيش رسالة عاشوراء في كل خلية من خلاياه.
وعبر التاريخ، واجهت أمم كثيرة لحظات مصيرية ووقفت عند مفترقات طرق حاسمة خضعت فيها شخصيتها للاختبار والحكم، سواء في مواجهة الفقر والحصار أو الحروب والاعتداءات. وفي تلك اللحظات كان على الشعوب الواقعة تحت الظلم أن تجيب عن سؤال جوهري: هل تستسلم وتعيش تحت نير الظلم، أم تتمسك بقيمها ومبادئها حتى آخر رمق؟
الإخوة والأخوات الأعزاء،
إن الوطنية الحقيقية ليست ولاءً أعمى للأرض، بل وفاءٌ للقيم التي تمنح تلك الأرض معناها: الحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، وضمان أن تعيش الأجيال القادمة مستقلة على أرضها وقادرة على تقرير مصيرها.
وتذكرنا أحداث تاريخية كثيرة، وفي مقدمتها عاشوراء، بأن الشجاعة لا تُقاس بالنصر، بل بالاستعداد للتضحية والفداء من أجل المبادئ. فالعظماء الذين أصبحوا قدوة للأجيال لم يكونوا طلاب هيمنة وسيطرة، بل أولئك الذين ثبتوا دفاعاً عن شعوبهم ومبادئهم، مؤمنين بأن الحق يجب أن ينتصر على القوة.
ومن هنا ترك لنا سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) هذا الإرث الخالد: أن الموت بعزة أشرف من الحياة بذل، وهذه هي فلسفة المقاومة الدائمة.
لقد علمنا أن الحرية تتطلب التضحية، وأن الاستعداد لـ«التضحية الكبرى» من أهم عوامل نجاة الأمم وانتصارها في مواجهة الطغاة والمتجبرين.
وقد أثبت التاريخ مراراً أن الشعوب التي تتخلى عن التضحية والصمود والسعي للحفاظ على استقلالها لا تفقد أرضها فحسب، بل تكون مهددة بفقدان هويتها الجماعية وإرادتها الوطنية وقدرتها على رسم مستقبلها. وعندما تستسلم يصبح استعادة الكرامة أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
وانطلاقاً من هذا الفهم العقائدي والاستراتيجي، فإن إيران متمسكة بعهد المقاومة رغم كل الضغوط، وستبقى كذلك بإذن الله.
إن إيران اليوم هي إيران الصامدة في وجه عواصف الظلم وانعدام المروءة. ونحن ماضون على العهد الذي قطعناه مع سيد شهداء العصر، القائد العظيم آية الله العظمى الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي، ولن نسمح بأن تُنسى هذه الدماء الزكية أو يتم التغاضي عنها. لن ننسى ولن نسامح، وهذه الدماء ستبقى متدفقة، وستجعل شجرة المطالبة بالعدالة أكثر رسوخاً يوماً بعد يوم.
ومنذ أكثر من 1400 عام، تحولت «نهضة الثأر لدم الإمام الحسين (عليه السلام)» من مجرد استجابة عاطفية إلى حركة اجتماعية وسياسية، إلى بحر هائج لا يهدأ، يحمل نداء كربلاء في طلب الحق والعدالة ومقاومة الظلم إلى أقاصي العالم.
وحين صرخ الحسين قائلاً: «مثلي لا يبايع مثل يزيد»، أسس نهضةً ما زالت تتجدد بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، حيث انتصر الدم على السيف مرة أخرى.
إن هذه الرؤية لمسيرة المطالبة بدم الحسين هي التي جعلت من عاشوراء مدرسة لبناء الإنسان والارتقاء به، والتزاماً دائماً بمواجهة جذور الهيمنة والظلم وأسبابهما ومقدماتهما.
وفي الختام، أتقدم بالشكر إلى جميع الباحثين والخبراء في وزارة الخارجية والمتخصصين في الوثائق وكل من ساهم في جمع هذه الوثائق وإقامة هذا المعرض.
ومع إحياء ذكرى الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وشهداء كربلاء، وذكرى سيد شهداء الثورة الإسلامية وشهداء الحربين الأخيرتين، أعلن افتتاح هذا المعرض.
وأنا على ثقة بأن معرض وندوة «محرم وعاشوراء في وثائق وزارة الخارجية» سيفتحان نافذة أوسع لفهم أعمق للعلاقة التي تربط الإيرانيين بنهضة عاشوراء، وسيبرزان جانباً من جهودهم في صون القيم الإسلامية والكرامة الإنسانية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
/انتهى/
تعليقك