وكالة مهر للأنباء: تزداد أهمية هذا القرار في ضوء إعلان ترامب صراحةً عن استيائه من عدم وقوف كوريا الجنوبية إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران. وبذلك، تجاوزت تداعيات الحرب مع إيران حدود الأزمة الإقليمية، وأصبحت تؤثر أيضاً في حسابات الولايات المتحدة بشأن علاقاتها مع حلفائها في شرق آسيا.
وتُعد مناورات «درع أولتشي للحرية» واحدة من أهم المناورات السنوية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وقد بدأت منذ عام 1976، وتهدف إلى تعزيز الاستعداد لمواجهة التهديدات الصادرة عن كوريا الشمالية. وكان من المقرر أن تستمر مناورات هذا العام 11 يوماً، بمشاركة نحو 18 ألف جندي كوري جنوبي و28 ألفاً و500 جندي أمريكي متمركزين في المنطقة.
وعليه، فإن تقليص هذه المناورات بشكل كبير لا يمثل مجرد تعديل في برنامج للتدريب العسكري، بل يرتبط بأحد أبرز رموز الالتزام الأمني الأمريكي تجاه كوريا الجنوبية.
وكان ترامب قد عارض هذه المناورات في السابق أيضاً. فبعد لقائه كيم جونغ أون عام 2018، وصفها بأنها مكلفة واستفزازية. ويطرح ترامب اليوم علاقته الشخصية بالزعيم الكوري الشمالي أيضاً باعتبارها أحد أسباب قراره الأخير.
ومن ثم، فإن جزءاً من منطق ترامب يبدو واضحاً: خفض الضغط العسكري يمكن أن يتحول إلى أداة تفاوضية، وربما يمهد الطريق لاستئناف الحوار مع بيونغ يانغ.
لكن الظروف الحالية تختلف عن عام 2018. فقد عززت كوريا الشمالية قدراتها النووية والصاروخية، كما تعززت علاقاتها مع روسيا والصين. ولذلك، فإن كيم اليوم لا يمتلك بالضرورة الدوافع والحاجة نفسيهما اللتين كانتا تدفعانه إلى التفاوض مع واشنطن في عام 2018.
الحرب مع إيران.. المتغير الأهم
مع ذلك، فإن التركيز على علاقة ترامب بكيم وحدها يعني تجاهل جانب أكثر أهمية من القضية. فالمتغير الحاسم في القرار الأخير هو الحرب مع إيران.
فقد عبّر ترامب صراحة عن استيائه من عدم وقوف كوريا الجنوبية إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، وقال إن سيول رفضت طلب واشنطن المشاركة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني.
وتكشف هذه المسألة أن الحرب التي استمرت أربعين يوماً بين إيران والولايات المتحدة لا تزال تنتج تداعيات جيوسياسية حتى بعد انتهاء الميدان الرئيسي للمواجهة.
وتكتسب مواقف كوريا الجنوبية أهمية خاصة لأنها تُعد من أقرب حلفاء الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد امتنعت عن المشاركة المباشرة في الحرب ضد إيران.
ولا يمكن تفسير هذا القرار على أنه مجرد خلاف سياسي بين حليفين، بل ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة لحسابات استراتيجية. فكوريا الجنوبية، التي تواجه بدورها تهديداً من كوريا الشمالية، لم تكن مستعدة لتحمل تكاليف الانخراط في الحرب مع إيران.
وبعبارة أخرى، حتى أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة قام، بعد معاينة تكاليف الحرب وتداعياتها، بحساب مصالحه وأمنه القومي بصورة مستقلة عن رغبات واشنطن.
قوة إيران وتأثيرها في حسابات الآخرين
هنا تبرز أهمية مفهوم قوة إيران. فالقوة لا تعني فقط القدرة على توجيه ضربة عسكرية، وإنما تتجسد القوة الحقيقية عندما تتمكن قوة دولة ما من تغيير سلوك الدول الأخرى وحساباتها.
فإذا كانت كوريا الجنوبية، رغم تحالفها العسكري الواسع مع الولايات المتحدة، قد امتنعت عن الدخول المباشر في الحرب ضد إيران، فمن الممكن النظر إلى هذا السلوك باعتباره جزءاً من حسابات التكاليف التي يمكن أن تفرضها المواجهة مع طهران.
ومن هذا المنظور، فإن إحدى النتائج المهمة للحرب التي استمرت أربعين يوماً تتمثل في أن الولايات المتحدة لم تتمكن من حصر تكاليف الحرب في ساحة المعركة وحدها.
إن إخفاق الولايات المتحدة أو تكبدها خسائر باهظة في الحرب مع إيران خلّف تداعيات على مستوى تحالفات واشنطن. فحلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون فقط إلى القوة العسكرية الأمريكية، بل باتوا يحسبون أيضاً التكلفة التي يمكن أن تفرضها عليهم مواكبة سياسات واشنطن.
وهنا تحديداً يمكن أن تنتقل قوة إيران من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي والجيوسياسي.
إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية
وينبغي النظر إلى تقليص المناورات مع كوريا الجنوبية في هذا الإطار. فالولايات المتحدة تواجه في الوقت نفسه أزمات متعددة، من بينها تداعيات الحرب مع إيران، والمنافسة الاستراتيجية مع الصين، والمواجهة مع روسيا والحرب في أوكرانيا، إضافة إلى التزاماتها الأمنية في أوروبا وآسيا.
والموارد العسكرية والسياسية والاقتصادية الأمريكية ليست بلا حدود. ولذلك، تضطر واشنطن إلى المفاضلة بين أولوياتها المختلفة.
وفي ظل هذه الظروف، قد يمثل خفض النشاط العسكري في شبه الجزيرة الكورية مؤشراً على إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية بعد الحرب مع إيران.
ولا يعني هذا القرار بالضرورة انسحاب الولايات المتحدة من شرق آسيا، لكنه يشير إلى أن الحفاظ على مستوى مرتفع من الالتزامات في جبهات متعددة أصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى واشنطن.
وهذا الأمر يحمل أهمية بالنسبة إلى الصين وروسيا أيضاً، إذ إن أي مؤشر على تعرض القدرات الأمريكية لضغوط يمكن أن يدخل في حسابات القوى المنافسة.
رسالة إلى الحلفاء
من جهة أخرى، يحمل القرار رسالة مهمة إلى حلفاء الولايات المتحدة. فمصداقية تحالفات واشنطن لا تعتمد فقط على الاتفاقيات الرسمية، وإنما أيضاً على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تمتلك القدرة والإرادة لتنفيذ التزاماتها في أوقات الأزمات.
وعندما تضطر الولايات المتحدة، بعد حرب مكلفة، إلى خفض مستوى نشاطها العسكري في منطقة أخرى، فمن الطبيعي أن يبدأ حلفاؤها في التساؤل حول قدرة واشنطن على إدارة أزمات متعددة في وقت واحد.
في نهاية المطاف، ينبغي النظر إلى تقليص المناورات الأمريكية الكورية الجنوبية بعيداً عن كونه مجرد تنازل لكوريا الشمالية أو محاولة لإحياء العلاقة بين ترامب وكيم.
فالقرار يمثل جزءاً من التداعيات الأوسع للحرب مع إيران؛ وهي حرب لم تبق تكاليفها العسكرية والسياسية محصورة في الشرق الأوسط، بل بدأت تؤثر في طريقة إدارة الولايات المتحدة لتحالفاتها أيضاً.
وتكتسب قوة إيران في هذا السياق أهمية خاصة لأنها تمكنت من التأثير في حسابات أطراف أخرى.
وعليه، يمكن النظر إلى تقليص المناورات مع كوريا الجنوبية باعتباره أحد مؤشرات انتقال تداعيات الحرب مع إيران إلى شرق آسيا.
ولا تزال الولايات المتحدة قوة كبرى، لكن الحرب التي استمرت أربعين يوماً أظهرت أن القوة الأمريكية، من دون دعم كامل من الحلفاء ومن دون القدرة على إدارة جبهات متعددة في الوقت نفسه، تواجه قيوداً واضحة.
وفي المقابل، تمكنت إيران من جعل تكلفة المواجهة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وحتى بالنسبة إلى حلفائها، مسألة جدية في حساباتهم.
ولهذا السبب، فإن الأثر الاستراتيجي للحرب مع إيران لا يقتصر على خسائر ساحة المعركة، بل ينبغي البحث عنه أيضاً في تغير حسابات حلفاء الولايات المتحدة وتصاعد الشكوك بشأن قدرة واشنطن على الوفاء بجميع التزاماتها الأمنية في وقت واحد.

تعليقك