وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: كانت الحرب على إيران بالنسبة لدونالد ترامب بمثابة نقطة النهاية لعقود من الإخفاقات الأميركية في مواجهة طهران؛ حرباً تصوّر الرئيس الأميركي أنها، بالاعتماد على التفوق العسكري للولايات المتحدة، قادرة في فترة قصيرة على تغيير ميزان القوى وإجبار إيران على قبول المطالب الأميركية. لكن الرواية اليوم تحكي قصة مختلفة تماماً؛ حتى داخل أميركا، بات السؤال يطرح بجدية أكثر من أي وقت مضى: هل ثمة أساساً طريقة لتحويل القوة العسكرية الهائلة لأميركا إلى نصر سياسي في مواجهة إيران؟
يسلط جون ميرشايمر، المنظّر البارز في العلاقات الدولية وأستاذ جامعة شيكاغو، الضوء تماماً على هذه المسألة في تقييمه لوضع أميركا في الحرب مع إيران، حيث يقول: "المشكلة التي نواجهها ليست نقص الأسلحة؛ المشكلة هي أنه بالوضع العسكري الأميركي، لا توجد لدينا طريقة لهزيمة الإيرانيين."
ويرى ميرشايمر أنه من الصعب تصور أي خيار أمام ترامب سوى قبول الاتفاق الذي تقترحه إيران. ووفقاً له، فإن قبول ترامب لهذا الاتفاق سيمثل هزيمة مهينة لأميركا. ومن وجهة نظره، الأهم من ذلك هو أن مثل هذا الاتفاق قد يبقي الملف النووي معلقاً، ويضع واشنطن في موقف لا تملك فيه أداة ضغط فعالة لمتابعة هذا الملف.
وتكمن أهمية هذه التصريحات في أن ميرشايمر ينظر إلى مشكلة أميركا على مستوى يتجاوز نقص الذخائر والمعدات والقدرات العسكرية. فالمشكلة بالنسبة له هي مشكلة استراتيجية: التفوق العسكري الأميركي لا يعني بالضرورة القدرة على هزيمة إيران. وهذا التمييز ربما يكون أهم ما كشفته الحرب الأخيرة لواشنطن.
فأميركا، من حيث القوة العسكرية، هي واحدة من أقوى دول العالم. حاملات الطائرات، والمقاتلات المتطورة، والصواريخ بعيدة المدى، والشبكة الواسعة من القواعد العسكرية، والقدرات الاستخباراتية والفضائية الهائلة، كلها جزء من القوة الأميركية. لكن كل هذه الأدوات لا تتحول إلى قوة سياسية إلا عندما تكون قادرة على تغيير إرادة الطرف الآخر. وإذا تمكن بلد ما من توجيه ضربات عسكرية لكنه لم يستطع إجبار الطرف الآخر على قبول مطالبه، فإن فجوة كبيرة تتشكل بين التفوق العسكري والنصر. ويبدو أن مشكلة أميركا في مواجهة إيران تكمن تحديداً في هذه الفجوة.
بدأ ترامب الحرب بتصور أن الضغط العسكري الشديد يمكن أن يصل بطهران إلى نقطة الاستسلام. وهذا الحساب ينبع بالطبع من المنطق التقليدي للقوة الصلبة في السياسة الدولية: إذا كانت قوة أحد الطرفين أكبر بشكل ملموس، فإن الطرف الأضعف يجب أن يتراجع في النهاية. لكن إيران أثبتت أن معادلة القوة في الحرب لا تتحدد فقط بعدد الطائرات والصواريخ أو حاملات الطائرات.
فإيران ليست هدفاً عسكرياً عادياً بالنسبة لأميركا. فجغرافيتها الواسعة، وعمقها الاستراتيجي، وبنيتها التحتية الموزعة، وقدراتها الصاروخية والمسيّرة، وطاقاتها المحلية، والأهم من ذلك كله، تجربتها لعقود من مواجهة الضغوط الأميركية، كلها عوامل تشكل مجموعة تجعل فرض نصر سريع ومنخفض التكلفة على واشنطن أمراً صعباً. ومن هنا تبدأ مشكلة ترامب.
فهو اليوم محصور بين خيارين صعبين. فإذا واصل الحرب، فعليه دفع تكاليف اقتصادية وعسكرية وسياسية أكبر؛ لكن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة الاقتراب من النصر. فقد تكون أميركا قادرة على تنفيذ المزيد من الهجمات، لكن السؤال الأساسي لا يزال قائماً: كيف يمكن إجبار إيران على تغيير إرادتها السياسية؟ وعلى الجانب الآخر، فإن إنهاء الحرب ليس بالأمر السهل أيضاً بالنسبة لترامب.
فإذا تنازلت واشنطن في النهاية عن اتفاق يشكل جزء كبير من إطاره بناءً على مقترحات إيرانية، فعلى ترامب أن يشرح لماذا بدأ حرباً لم يتمكن في النهاية من تحقيق أهدافها المعلنة. وبالنسبة لرئيس جعل جزءاً كبيراً من هويته السياسية على إظهار القوة والنصر والفوز، فإن مثل هذه النهاية قد تكون مكلفة سياسياً للغاية.
ولهذا السبب، ينبغي تفسير تصريحات ميرشايمر على أنها تتجاوز مجرد تعليق على الوضع العسكري. فهو في الواقع يشير إلى مأزق استراتيجي؛ مأزق لا تمثل فيه أي من الخيارات المتاحة خياراً مرضياً لواشنطن. فاستمرار الحرب يعني ارتفاع التكلفة، وإنهاؤها يطرح مسألة الهزيمة السياسية. وهذه هي المفارقة التي يواجهها ترامب.
في بداية الحرب، كان السؤال من وجهة نظر واشنطن هو كيفية إجبار إيران على التراجع. لكن مع مرور الوقت، تغير السؤال: كيف يمكن الخروج من الحرب دون أن يُفسر هذا الخروج على أنه هزيمة أميركية؟ وهذا التغير في السؤال بحد ذاته يشكل مؤشراً مهماً على تحول المعادلة.
إذا كان الهدف الأساسي للحرب هو فرض الإرادة الأميركية على إيران، فإن معيار النجاح يجب أن يُقاس بتحقيق هذا الهدف. فمجرد إلحاق الخسائر أو إظهار التفوق الجوي لا يمكن أن يشكل وحده انتصاراً. فالانتصار يتحقق عندما تكون القوة العسكرية قادرة على تحقيق نتيجة سياسية مطلوبة. وميرشايمر يستهدف هذه النقطة تحديداً.
فمن وجهة نظره، مشكلة أميركا ليست نقص الأدوات؛ المشكلة هي أن الأدوات المتاحة غير كافية لتحقيق الهدف السياسي. وهذا فرق جوهري. فقد يكون بلد ما قادراً على تدمير واسع، لكنه يظل عاجزاً عن إجبار بلد كبير وذو قدرة على الصمود على الاستسلام السياسي.
وقد استغلت إيران في هذه الحرب، على الأقل في رواية ميرشايمر، هذه الفجوة: الفجوة بين قدرة أميركا على توجيه الضربات وقدرتها على الفوز.
وهذه المسألة تحمل أهمية كبيرة لمستقبل السياسة الخارجية الأميركية. فإذا لم تتمكن واشنطن، بعد إنفاق تكاليف باهظة، من تحقيق أهدافها، فإن تداعيات ذلك لن تقتصر على العلاقة بين إيران وأميركا، بل سيدفع حلفاء أميركا أيضاً إلى طرح سؤال: هل التفوق العسكري الأميركي يؤدي دائماً إلى الأمن والنصر السياسي؟
ومن جهة أخرى، تحمل هذه الحرب لإيران رسالة استراتيجية مهمة. فقد أثبتت إيران أن منع فرض إرادة قوة كبرى عليها لا يتطلب بالضرورة تكافؤاً عسكرياً كاملاً مع تلك القوة. بل يكفي أن ترفع تكلفة فرض الإرادة إلى درجة تجعل الطرف المقابل يصل إلى نقطة يصبح فيها استمرار الحرب أكثر صعوبة من تحقيق الهدف.
وهذا ما يمكن تسميته بقوة الردع؛ قوة لا تنبع بالضرورة من التكافؤ العسكري، بل من القدرة على إلحاق التكاليف والحفاظ على الإرادة السياسية.
ولهذا السبب، تحظى عبارة ميرشايمر عن "عدم وجود طريقة لهزيمة الإيرانيين" بأهمية خاصة. فهو لا يقول إن أميركا تفتقر إلى القوة؛ بل على العكس، كلامه يظهر أن أميركا، رغم امتلاكها قوة عسكرية هائلة، تواجه محدودية في تحويل هذه القوة إلى نتيجة سياسية. وربما يكون هذا أكبر درس حملته الحرب لترامب.
فقد دخل الميدان وهو يعتقد أنه بقوته الصلبة يمكنه إغلاق ملف لم يتمكن رؤساء أميركا السابقون من حله لعقود. لكن إيران أثبتت أن هناك فجوة كبيرة بين القدرة على الهجوم والقدرة على الفوز.
والآن، يواجه ترامب ليس مجرد مسألة عسكرية، بل لغزاً سياسياً: كيف ينهي حرباً بدأها ليفوز بها، دون أن يقبل الهزيمة؟
ولعل هذا هو السبب في أهمية تصريحات ميرشايمر. فعندما يقول منظّر أميركي بارز إن مشكلة واشنطن ليست الأسلحة، وإنه "لا توجد طريقة لهزيمة الإيرانيين"، فإن هذا الكلام يتعلق أكثر بمحدودية القوة الأميركية منه بقوة إيران.
فالحرب التي كان من المفترض أن تظهر هيبة أميركا، أصبحت اليوم اختباراً لقياس حدود هذه الهيبة؛ وإذا كان تحليل ميرشايمر صحيحاً، فإن السؤال الرئيسي لم يعد كم تستطيع أميركا أن تضرب إيران، بل هل تستطيع أميركا إجبار إيران على التصرف كما تريد واشنطن؟ والإجابة على هذا السؤال ستحدد المصير السياسي للحرب، وربما إرث ترامب.
/انتهى/
تعليقك