٠١‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ١٢:١١ م

الجميع يتأثر بخطبة زينب.. لكن القليل من يريد أن يدفع ثمن الكلمة

الجميع يتأثر بخطبة زينب.. لكن القليل من يريد أن يدفع ثمن الكلمة

الصعب ليس أن نُعجب بزينب الصعب أن نفهم لماذا تكلمت زينب أصلًا، ماذا لو كان قول الحقيقة يضع صاحبه أمام ضغوط سياسية وإعلامية واقتصادية؟، وماذا لو أصبح المطلوب من الإنسان أن يختار بين موقفٍ مريح، وموقفٍ يحمّله مسؤولية؟… هنا تحديدًا تسقط كثير من الشعارات أمام امتحان الواقع.

وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: ليس صعبًا أن نتأثر بخطبة زينب عليها السلام، ليس صعبًا أن نستعيد كلماتها، وأن نتوقف طويلًا أمام امرأة وقفت في قلب الهزيمة العسكرية لتصنع من الكلمة موقفًا، ومن الموقف ذاكرةً لم تستطع السيوف محوها.

الصعب ليس أن نُعجب بزينب الصعب أن نفهم لماذا تكلمت زينب أصلًا، وماذا كان يمكن أن يحدث لو اختارت الصمت، فالكلمات العظيمة لا تُقاس بجمالها حين تُروى بعد قرون، وإنما بالكلفة التي كان على أصحابها دفعها حين قيلت للمرة الأولى.

وهنا تبدأ مشكلة حاضرنا، نحن نحب المقاومة حين تصبح تاريخًا، ونحتفي بالشهداء حين يصبح استشهادهم مناسبةً للخطاب، ونستعيد خطب زينب لأننا نعرف اليوم أن التاريخ أنصفها.

لكن ماذا لو كانت الكلمة اليوم مكلفة؟، ماذا لو كان قول الحقيقة يضع صاحبه أمام ضغوط سياسية وإعلامية واقتصادية؟، وماذا لو أصبح المطلوب من الإنسان أن يختار بين موقفٍ مريح، وموقفٍ يحمّله مسؤولية؟… هنا تحديدًا تسقط كثير من الشعارات أمام امتحان الواقع.

في العراق اليوم، تتصاعد الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود المجاميع المسلحة خارج المنظومة الرسمية، وهذه ليست قضية هامشية يمكن اختزالها في شعار مؤيد أو معارض، إنها مسألة تمس شكل الدولة، وسيادتها، وأمنها، وعلاقتها بالقوى الإقليمية والدولية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يُطرح السؤال وكأن المسألة لا تتجاوز جملة بسيطة… لماذا لا تسلّم المقاومة سلاحها وينتهي الأمر؟ ينتهي أي أمر؟ وماذا يبدأ بعد ذلك؟، هذا هو السؤال الذي لا يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام، فإذا كان نزع السلاح هو الحل، فما هي منظومة الردع البديلة؟، وإذا كان إنهاء الفصائل هو الطريق إلى السيادة، فما هي الضمانات التي تمنع القوى الخارجية من توسيع نفوذها داخل العراق؟، وإذا كان المطلوب إغلاق صفحة المقاومة، فهل انتهت البيئة الإقليمية التي أنتجت المقاومة أصلًا؟

الأسئلة هنا ليست دفاعًا أعمى عن السلاح، ولا رفضًا لفكرة الدولة، على العكس، الدولة القوية تحتاج إلى احتكار القرار الأمني، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى امتلاك القدرة الفعلية على حماية قرارها من الإملاء الخارجي.

فالسيادة ليست مجرد أن تكون لديك مؤسسات تحمل أسماء رسمية، السيادة أن تكون قادرًا على اتخاذ القرار دون أن يصبح أمنك أو اقتصادك أو حدودك رهينةً لقوة أجنبية تستطيع أن تضغط عليك متى شاءت، والعراق يعرف هذه المعادلة جيدًا.

فمنذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، لم يكن النفوذ الخارجي مجرد فكرة نظرية في الحياة العراقية، واليوم، حتى مع اقتراب الموعد المعلن لإنهاء المهمة العسكرية الأمريكية في العراق، لا تزال العلاقة الأمنية والسياسية والاقتصادية مع واشنطن موضع شد وجذب وضغط متبادل، بل إن تقارير حديثة تتحدث عن استمرار أدوات النفوذ الأمريكي، ومنها النفوذ المالي، في التأثير في خيارات بغداد.

وفي الوقت نفسه، أصبحت قضية المجاميع المسلحة جزءًا مباشرًا من هذا الاشتباك، إذ ربطت واشنطن علنًا بين بناء علاقة دفاعية طبيعية مع العراق وبين نزع سلاح الجماعات التي تصفها بأنها تهديد، بينما ترى قوى عراقية أن بقاء القوات الأجنبية أو النفوذ الخارجي يجعل التخلي عن عناصر القوة أمرًا سابقًا لأوانه.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد مع السلاح أم ضده؟، السؤال الحقيقي هو… من يملك القوة حين يتخلى طرف عن قوته؟

هناك خطأ سياسي خطير في النظر إلى القوة باعتبارها شيئًا يمكن إزالته من المعادلة دون أن يحل شيء مكانه، الفراغ لا يبقى فراغًا، في السياسة، الفراغ يُملأ، وإذا تراجعت قوة محلية من المشهد، فإن السؤال ليس فقط، هل سيصبح العراق أكثر استقرارًا؟، بل أيضًا… من سيصبح أكثر قدرة على التأثير فيه؟

هذه ليست دعوة إلى الفوضى، ولا تبريرًا لأي سلوك خارج القانون، بل هي دعوة إلى التفكير في اليوم التالي، فقد يكون من المشروع أن يطالب العراقيون بتنظيم السلاح، وبضبطه، وبإخضاعه لقرار وطني واضح، وبمنع استخدام الأراضي العراقية للإضرار بالدول الأخرى.

لكن هناك فارقًا هائلًا بين تنظيم القوة داخل مشروع الدولة وبين إفراغ الدولة من عناصر القوة ثم افتراض أن الخارج لن يملأ الفراغ!، الفارق بين الاثنين هو الفارق بين بناء الدولة ونزع قدرتها.

والمفارقة أن بعض الذين يرفعون شعار الدولة اليوم لا يسألون بما يكفي عن معنى الدولة في عالم لا تزال فيه الدول الكبرى تمارس نفوذها بالقوة والضغط والعقوبات والتحالفات العسكرية، فالدولة ليست مبنى حكوميًا، وليست ختمًا رسميًا، وليست بيانًا دبلوماسيًا، الدولة، في جوهرها، قدرة على حماية إرادتها.

ومن هنا فإن أي نقاش جاد حول سلاح المقاومة ينبغي ألا يبدأ من سؤال، كيف نتخلص منه؟، بل من أسئلة أكثر نضجًا… ما التهديد الذي نشأ هذا السلاح لمواجهته؟ هل انتهى هذا التهديد؟ هل أصبح العراق قادرًا وحده على ردعه؟ ما البديل إذا جرى تفكيك هذه القوة؟ ومن يضمن أن البديل لن يكون نفوذًا أجنبيًا أكثر اتساعًا؟… هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات تحتاج إلى عقل سياسي.

وهنا تعود زينب عليها السلام، لم تكن عظمتها في أنها امتلكت خطابًا جميلًا، كانت عظمتها في أنها تكلمت في اللحظة التي كان الصمت فيها أكثر أمانًا، كان بإمكانها أن تختار الصمت، أن تقول إن المعركة انتهت، أن تنظر إلى المشهد باعتباره أمرًا واقعًا، لكنها أدركت أن انتهاء المعركة عسكريًا لا يعني انتهاء المعركة على المعنى.

لذلك وقفت، وهذا هو الدرس الذي نفتقده حين نحول زينب إلى صورة وجدانية فقط، زينب لم تكن صاحبة خطاب للمناسبات، كانت صاحبة موقف، والموقف، بطبيعته، له ثمن.

لذلك فإن المشكلة ليست في أولئك الذين يختلفون مع المقاومة، الاختلاف حق، وليست المشكلة في الذين يطالبون بإصلاح مؤسسات الدولة، هذا مطلب مشروع، وليست المشكلة حتى في الذين يرون أن السلاح يجب أن يكون محكومًا بقانون الدولة، هذا نقاش سياسي يمكن أن يكون ضروريًا.

المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش إلى تبسيط مخلّ… نسلّم السلاح، ثم ستنتهي المشكلة، كأن التاريخ لا يتذكر الاحتلال، وكأن المنطقة أصبحت خالية من الصراع، وكأن القوى الكبرى لا تملك مصالحها، وكأن العراق يعيش في فراغ جيوسياسي لا تتنافس فيه الإرادات، وكأن القوة التي تطلب منك التخلي عن عناصر قوتك لا تملك هي نفسها أدوات ضغط ونفوذ وقواعد وتحالفات.

هنا يصبح من حق العراقي أن يسأل… هل المطلوب أن نبني دولة قوية، أم أن نكتفي بدولة منزوعة القدرة؟

ولعل أكثر ما يؤلم في المشهد أن البعض يريد من المقاومة أن تنتهي، لكنه لا يقدم جوابًا مقنعًا عن مرحلة ما بعد المقاومة، يريد أن يُغلق الباب، دون أن يخبرنا من يقف خلف الباب، يريد إزالة السلاح، دون أن يشرح لنا كيف سيُبنى الردع، يريد إنهاء الصراع، دون أن يجيب عن سؤال… هل انتهى الطرف الآخر من صراعه معنا؟

وهذا ليس تفصيلًا في السياسة، النيات لا تكفي لصناعة الأمن، الأمن تصنعه القدرة، والسيادة لا تُعلن فقط بل تُحمى، والاستقلال ليس رغبة أخلاقية فحسب، بل ميزان قوة أيضًا.

قد نختلف مع المقاومة في أدائها، قد نطالبها بأن تكون أكثر انضباطًا، قد نناقش علاقتها بالدولة، وقد نختلف معها في بعض خياراتها السياسية، لكن كل ذلك شيء، وأن تتحول الدعوة إلى إنهائها إلى مشروع لتجريد العراق من عناصر قوته دون بناء بديل وطني مكافئ شيء آخر تمامًا.

الدولة التي تريد احتكار السلاح يجب أن تكون أولًا دولةً قادرة على حماية احتكارها، والقرار الذي تريد أن يكون عراقيًا يجب أن يمتلك ما يكفي من القوة حتى لا يصبح عراقيًا على الورق فقط.

في النهاية، ليست زينب بحاجة إلى مزيد من الذين يحفظون خطبتها لقد حفظها التاريخ… ما تحتاجه زينب في وعينا اليوم هو أن نفهم معنى أن تقف امرأة في لحظة هزيمة لتقول كلمتها في وجه سلطان جائر، وهي تعرف أن الكلمة ليست مجانًا.

الجميع يتأثر بخطبة زينب، لكن القليل من يريد أن يدفع ثمن الكلمة، والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس هل نحب المقاومة؟

بل هل نريد عراقًا يمتلك قراره فعلًا، أم عراقًا يُطلب منه أن يتخلى عن أدوات قوته أولًا، ثم يُقال له بعد ذلك كن سيدًا؟

فالسيادة التي تأتي بعد تسليم كل أوراق القوة ليست سيادة مكتملة، والدولة التي لا تستطيع حماية قرارها من الخارج، مهما كانت مؤسساتها جميلة، ستبقى بحاجة إلى من يحمي قرارها… أما كربلاء فلم تكن درسًا في حب الشهداء فقط، كانت درسًا في أن بعض اللحظات لا يكفي فيها أن تعرف الحق… عليك أن تدفع ثمن الوقوف معه.

/انتهى/

رمز الخبر 1973455

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha